الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ بِخَمْسِينَ صَلَاةً ثُمَّ نُسِخَ الزَّائِدُ عَلَى الْخَمْسِ مَعَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ هُوَ الِاعْتِقَادَ فَقَطْ أَوْ الِاعْتِقَادَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا، وَهُنَا) أَيْ: فِي صُورَةٍ يَكُونُ الْمَقْصُودُ الِاعْتِقَادَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا.
(الِاعْتِقَادُ أَقْوَى فَإِنَّهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً مَقْصُودَةً كَمَا فِي الْمُتَشَابِهِ، وَهُوَ) أَيْ: الِاعْتِقَادُ (لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِخِلَافِ الْعَمَلِ) فَإِنَّ الْعَمَلَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْقُطَ بِعُذْرٍ كَالْإِقْرَارِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهَا (فَذَبْحُ إبْرَاهِيمَ عليه السلام مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ) أَيْ: مِنْ قَبِيلِ النَّسْخِ قَبْلَ الْفِعْلِ عِنْدَ الْبَعْضِ.
(وَعِنْدَ الْبَعْضِ لَيْسَ بِنَسْخٍ فَإِنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَا يَكُونُ نَسْخًا) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ تَقْرِيرِ الْأَصْلِ عَلَى مَا كَانَ (وَإِنَّمَا أُمِرَ بِذَبْحِ الْوَلَدِ ابْتِلَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَإِنْ قِيلَ الْأَمْرُ بِالْفِدَاءِ حَرَّمَ الْأَصْلَ فَيَكُونُ نَسْخًا) هَذَا إشْكَالٌ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ ذَبْحَ إبْرَاهِيمَ عليه السلام لَيْسَ بِنَسْخٍ (قُلْنَا لَمَّا قَامَ الْغَيْرُ مَقَامَهُ عَادَ الْحُرْمَةُ الْأَصْلِيَّةُ) .
(وَأَمَّا النَّاسِخُ فَهُوَ إمَّا الْكِتَابُ أَوْ السُّنَّةُ لَا الْقِيَاسُ عَلَى مَا يَأْتِي
ــ
[التلويح]
مَا مَضَى.
وَلِذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كُلُّ نَسْخٍ وَاقِعٍ فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِمَا كَانَ يُقَدَّرُ وُقُوعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَنْعَطِفُ عَلَى مُقَدَّمِ سِيَاقٍ بَلْ الْغَرَضُ أَنَّهُ إذَا فُرِضَ وُرُودُ الْأَمْرِ بِشَيْءٍ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ مِنْ وَقْتِ اتِّصَالِ الْأَمْرِ بِهِ مَا يَتَّسِعُ لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ التَّكْلِيفُ بِفِعْلٍ ظَاهِرٍ فِي الِاسْتِمْرَارِ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى بِشَيْءٍ مِنْ جُزْئِيَّاتِهِ كَمَا لَوْ قَالَ: حُجُّوا هَذِهِ السَّنَةَ وَصُومُوا غَدًا ثُمَّ قَالَ قَبْلَ مَجِيءِ وَقْتِ الْحَجِّ وَالْغَدِ: لَا تَحُجُّوا أَوْ لَا تَصُومُوا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ إذْ لَا رَفْعَ هُنَا، وَلَا بَيَانَ لِلِانْتِهَاءِ، وَإِنَّمَا اسْتِخْلَافٌ، وَجَعَلَ ذَبْحَ الشَّاةِ بَدَلًا عَنْ ذَبْحِ الْوَلَدِ إذْ الْفِدَاءُ اسْمٌ لِمَا يَقُومُ مَقَامَ الشَّيْءِ فِي قَبُولِ مَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ مِنْ الْمَكْرُوهِ يُقَالُ: فَدَيْتُكَ نَفْسِي أَيْ: قَبِلْت مَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْكَ مِنْ الْمَكْرُوهِ.
وَلَوْ كَانَ ذَبْحُ الْوَلَدِ مُرْتَفِعًا لَمْ يَحْتَجْ إلَى قِيَامِ شَيْءٍ مَقَامَهُ وَحَيْثُ قَامَ الْخَلَفُ مَقَامَ الْأَصْلِ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِثْمُ فَإِنْ قِيلَ هَبْ أَنَّ الْخَلَفَ قَامَ مَقَامَ الْأَصْلِ لَكِنَّهُ اسْتَلْزَمَ حُرْمَةَ الْأَصْلِ أَعْنِي ذَبْحَ الْوَلَدِ، وَتَحْرِيمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُوبِهِ نَسْخٌ لَا مَحَالَةَ. فَجَوَابُهُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ نَسْخًا، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ حُرْمَةَ ذَبْحِ الْوَلَدِ ثَابِتَةٌ فِي الْأَصْلِ فَزَالَتْ بِالْوُجُوبِ ثُمَّ عَادَتْ بِقِيَامِ الشَّاةِ مَقَامَ الْوَلَدِ، فَلَا يَكُونُ حُكْمًا شَرْعِيًّا حَتَّى يَكُونَ ثُبُوتُهَا نَسْخًا لِلْوُجُوبِ
[بَيَانُ النَّاسِخِ]
(قَوْلُهُ: لَا الْقِيَاسُ) ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ التَّعَدِّي إلَى فَرْعٍ لَا نَصَّ فِيهِ. (قَوْلُهُ: فَلَا نَسْخَ حِينَئِذٍ) أَيْ: بَعْدَ النَّبِيِّ عليه السلام؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ صَارَتْ مُؤَبَّدَةً بِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِالْأَحْكَامِ الْمَنْصُوصَةِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ سَقَطَ نَصِيبُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ بِالْإِجْمَاعِ الْمُنْعَقِدِ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ وَثَبَتَ حَجْبُ الْأُمِّ عَنْ الثُّلُثِ إلَى السُّدُسِ
وَلَا الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ عليه السلام يَكُونُ مِنْ بَابِ السُّنَّةِ؛ لِأَنَّهُ مُتَفَرِّدٌ بِبَيَانِ الشَّرَائِعِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ، فَلَا نَسْخَ حِينَئِذٍ فَيَكُونُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ نَسْخُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ أَوْ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ أَوْ بِالْعَكْسِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِفَسَادِ الْأَخِيرَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} [البقرة: 106] دَلِيلٌ عَلَى امْتِنَاعِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ (وَالسُّنَّةُ دُونَهُ) أَيْ: دُونَ الْكِتَابِ.
(وقَوْله تَعَالَى {قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي} [يونس: 15] وَلِقَوْلِهِ: عليه السلام «إذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ» الْحَدِيثَ) أَوَّلُهُ قَوْلُهُ: عليه السلام «يَكْثُرُ لَكُمْ الْأَحَادِيثُ مِنْ بَعْدِي فَإِذَا رُوِيَ لَكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ وَافَقَهُ فَاقْبَلُوهُ، وَإِنْ خَالَفَهُ فَرُدُّوهُ» .
(وَلِأَنَّهُ إنْ نُسِخَ الْكِتَابُ بِالسُّنَّةِ يَقُولُ الطَّاعِنُ خَالَفَ النَّبِيُّ عليه السلام مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ كَلَامُ رَبِّهِ، وَإِنْ نُسِخَ السُّنَّةُ بِالْكِتَابِ يَقُولُ كَذَّبَهُ رَبُّهُ، فَلَا
ــ
[التلويح]
بِالْأَخَوَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ دَلَالَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّهَا إنَّمَا تُحْجَبُ بِالْإِخْوَةِ دُونَ الْأَخَوَيْنِ.
قُلْنَا نَصِيبُ الْمُؤَلَّفَةِ سَقَطَ لِسُقُوطِ سَبَبِهِ لَا لِوُرُودِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ عَلَى ارْتِفَاعِهِ، وَدَلَالَةُ النَّصِّ عَلَى عَدَمِ الْحَجْبِ بِالْأَخَوَيْنِ تُبْتَنَى عَلَى كَوْنِ الْمَفْهُومِ حُجَّةً وَكَوْنِ أَقَلِّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةً، وَلَا قَطْعَ بِذَلِكَ وَذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ أَنَّ نَسْخَ الْإِجْمَاعِ بِالْإِجْمَاعِ جَائِزٌ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْعَقِدُ أَلْبَتَّةَ بِخِلَافِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهُمَا، وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْعَقِدَ إجْمَاعٌ لِمَصْلَحَةٍ ثُمَّ تَتَبَدَّلُ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ فَيَنْعَقِدُ إجْمَاعٌ نَاسِخٌ لَهُ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْسَخُ، وَلَا يُنْسَخُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، وَلَا يُتَصَوَّرُ حُدُوثُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ عليه السلام، وَلَا ظُهُورُهُ لِاسْتِلْزَامِهِ إجْمَاعَهُمْ أَوَّلًا عَلَى الْخَطَأِ مَعَ لُزُومِ كَوْنِهِ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ، وَهُوَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ.
فَإِنْ قِيلَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ الثَّانِي قِيَاسًا قُلْنَا؛ لِأَنَّ شَرْطَ صِحَّةِ الْقِيَاسِ عَدَمُ مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَنْسُوخُ بِالْإِجْمَاعِ هُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الشَّيْءِ بِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ لَيْسَ مِنْ بَابِ النَّسْخِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُخَالِفَ لِلنَّصِّ خَطَأٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ كَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِدًا إلَى نَصٍّ رَاجِحٍ عَلَى النَّصِّ الْأَوَّلِ الَّذِي نَجْعَلُهُ مَنْسُوخًا بِهِ لَا يُقَالُ: فَحِينَئِذٍ يَكُونُ النَّاسِخُ هُوَ النَّصُّ الرَّاجِحُ لَا الْإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ يَجُوزُ أَنْ لَا يُعْلَمَ تَرَاخِي ذَلِكَ النَّصِّ، فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ نَاسِخًا بِخِلَافِ الْإِجْمَاعِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُتَرَاخِيًا لَا مَحَالَةَ فَيَصْلُحُ نَاسِخًا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَى هَذَا) يَعْنِي أَشَارَ بِقَوْلِهِ: تَعَالَى {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} [النساء: 11] إلَى أَنَّ الْإِيصَاءَ الَّذِي فَوَّضَ إلَى الْعِبَادِ قَدْ تَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ لِعِلْمِهِ بِجَهْلِ الْعِبَادِ، وَعَجْزِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ مَقَادِيرِهِ فَصَارَ بَيَانُ الْمَوَارِيثِ كَأَنَّهُ الْإِيصَاءُ، وَكَذَا الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: عليه السلام «إنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» مُشْعِرٌ بِأَنَّ ارْتِفَاعَ وَصِيَّةِ الْوَارِثِ إنَّمَا هُوَ بِسَبَبِ شَرْعِيَّةِ الْمِيرَاثِ كَمَا يُقَالُ: زَارَنِي
نُصَدِّقُهُ فَالتَّعَاوُنُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى، وَاحْتَجَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا) أَيْ: عَلَى جَوَازِ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ (بِأَنَّهُ نُسِخَ قَوْله تَعَالَى {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [البقرة: 180] أَوَّلُ الْآيَةِ قَوْلُهُ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 180] (بِقَوْلِهِ: عليه السلام «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ، وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ} [البقرة: 231] الْآيَةَ) أَوَّلُ الْآيَةِ قَوْله تَعَالَى {وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا} [النساء: 15] نُسِخَ بِقَوْلِهِ عليه السلام «الثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَرَجْمٌ بِالْحِجَارَةِ» وَلَكِنَّ هَذَا فَاسِدٌ (أَيْ: مَا مَرَّ مِنْ الِاحْتِجَاجَيْنِ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا فَاسِدٌ فَاسْتَدَلَّ عَلَى فَسَادِ الِاحْتِجَاجِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ نُسِخَتْ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ إذْ
ــ
[التلويح]
فَأَكْرَمْتُهُ.
وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الثَّابِتَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ وُجُوبُ حَقٍّ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، وَهُوَ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ حَقٍّ آخَرَ بِطَرِيقٍ آخَرَ، فَلَا رَافِعَ لِلْوَصِيَّةِ إلَّا السُّنَّةُ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ الْمَنْفِيَّ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ إنَّمَا هُوَ وُجُوبُ الْوَصِيَّةِ لَا جَوَازُهَا، وَالْجَوَازُ إنَّمَا انْتَفَى بِقَوْلِهِ: عليه السلام «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» ضَرُورَةَ نَفْيِ أَصْلِ الْوَصِيَّةِ لَكِنْ لَا يَخْفَى أَنَّ جَوَازَهَا لَيْسَ حُكْمًا شَرْعِيًّا بَلْ إبَاحَةٌ أَصْلِيَّةٌ، وَالثَّابِتُ بِالْكِتَابِ إنَّمَا هُوَ الْوُجُوبُ الْمُرْتَفِعُ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، فَلَا يَكُونُ هَذَا مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ.
(قَوْلُهُ: وَكَانَ هَذَا مِمَّا يُتْلَى فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ قَوْله تَعَالَى {فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ} [النساء: 15] قَدْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ نَكَالًا مِنْ اللَّهِ فَهَذَا مَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ دُونَ الْحُكْمِ، وَقَوْلُهُ:{فَأَمْسِكُوهُنَّ} [النساء: 15] بِالْعَكْسِ وَمَنْسُوخُ التِّلَاوَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا مُتَوَاتِرًا مَتْلُوًّا مَكْتُوبًا فِي الْمَصَاحِفِ لَكِنَّهُ يُجْعَلُ مِنْ قِسْمِ الْكِتَابِ لَا السُّنَّةِ، وَلِذَا قَالَ عُمَرُ لَوْلَا أَنَّنِي أَخْشَى أَنْ يُقَالَ زَادَ عُمَرُ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ لَأَلْحَقْت الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إلَخْ بِالْمُصْحَفِ.
(قَوْلُهُ: فَنَسْخُ السُّنَّةِ بِالْكِتَابِ) مُتَيَقَّنٌ فِيهِ بَحْثٌ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى كَوْنِ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ سِوَى أَنَّهُ غَيْرُ مَتْلُوٍّ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ لَا يُوجِبُ الْيَقِينَ كَالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ قَبْلَ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ ثَابِتًا بِالْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُتْلَى فِي الْقُرْآنِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ آيَةَ التَّوَجُّهِ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إنَّمَا نَزَلَتْ بَعْدَ التَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِالْمَدِينَةِ فَإِنْ قِيلَ التَّوَجُّهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مِنْ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام: 90] قُلْنَا قَدْ ظَهَرَ انْتِسَاخُهُ بِالسُّنَّةِ حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ عليه الصلاة والسلام يَتَوَجَّهُ بِمَكَّةَ إلَى الْكَعْبَةِ.
(قَوْلُهُ: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رضي الله عنها دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ) فِيهِ بَحْثٌ لِعَدَمِ النِّزَاعِ فِي أَنَّ الْكِتَابَ لَا يُنْسَخُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ بِمُجَرَّدِ إخْبَارِ الرَّاوِي مِنْ غَيْرِ نَقْلِ حَدِيثٍ فِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهَا " حَتَّى أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ " ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ بِالْكِتَابِ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ قَوْله تَعَالَى