المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[مسألة الاستثناء إذا تعقب الجمل المعطوفة] - التلويح على التوضيح لمتن التنقيح - جـ ٢

[السعد التفتازاني - المحبوبي صدر الشريعة الأصغر]

فهرس الكتاب

- ‌(الرُّكْنُ الثَّانِي فِي السُّنَّةِ

- ‌[فَصْلٌ اتِّصَالُ الْخَبَرِ] [

- ‌التَّوَاتُرُ يُوجِبُ عِلْمَ الْيَقِينِ]

- ‌[فَصْلٌ] الرَّاوِي إمَّا مَعْرُوفٌ بِالرِّوَايَةِ وَإِمَّا مَجْهُولٌ

- ‌[فَصْلٌ شَرَائِطُ الرَّاوِي]

- ‌[فَصْلٌ فِي انْقِطَاعِ الْحَدِيثِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي مَحَلِّ الْخَبَرِ]

- ‌[فَصْلٌ] فِي كَيْفِيَّةِ السَّمَاعِ وَالضَّبْطِ وَالتَّبْلِيغِ

- ‌(فَصْلٌ) فِي الطَّعْنِ

- ‌(فَصْلٌ) فِي أَفْعَالِهِ عليه الصلاة والسلام

- ‌[فَصْلٌ فِي الْوَحْيِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ]

- ‌[بَابُ الْبَيَانِ]

- ‌(فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ)

- ‌[مَسْأَلَةٌ شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ]

- ‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ، وَمُنْقَطِعٌ

- ‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرَقُ

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَةَ]

- ‌(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ التَّبْدِيلِ

- ‌[بَيَانُ النَّاسِخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ كَوْنُ النَّاسِخِ أَشَقَّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الضَّرُورَةِ]

- ‌[الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي الْإِجْمَاعِ وَفِيهِ خَمْسَةُ أُمُورٍ]

- ‌[الْأَمْرُ الْأَوَّلُ رُكْنُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي قَوْلَيْنِ]

- ‌[الْأَمْرُ الثَّانِي أَهْلِيَّةُ مَنْ يَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجْمَاعُ]

- ‌[الْأَمْرُ الثَّالِثُ شُرُوطُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الْأَمْرُ الرَّابِعُ حُكْمُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الْإِجْمَاعُ عَلَى مَرَاتِبَ]

- ‌[الْأَمْرُ الْخَامِسُ سَنَدُ الْإِجْمَاعِ]

- ‌[الرُّكْنُ الرَّابِعُ الْقِيَاسُ]

- ‌[الْقِيَاسُ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ]

- ‌[فَصْلٌ فِي شُرُوطِ الْقِيَاسِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌[تَعْرِيفِ الْعِلَّةِ]

- ‌[أَبْحَاثٌ فِي الْعِلَّة]

- ‌[الْأَوَّلُ الْأَصْلُ فِي النُّصُوصِ عَدَمُ التَّعْلِيلِ]

- ‌[الثَّانِي كَوْنُ الْعِلَّة وَصْفًا لَازِمًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِالْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ التَّعْلِيلُ بِعِلَّةٍ اُخْتُلِفَ فِي وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ]

- ‌[الثَّالِثُ تُعْرَفُ الْعِلَّةُ بِأُمُورٍ]

- ‌[الْأَوَّلُ وَالثَّانِي النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ]

- ‌[الثَّالِثُ الْمُنَاسَبَةُ]

- ‌(فَصْلٌ: لَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ

- ‌[فَصْلٌ الْقِيَاسُ جَلِيٌّ وَخَفِيٌّ]

- ‌ لِلْقِيَاسِ الْخَفِيِّ(قِسْمَيْنِ:

- ‌[فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ]

- ‌[النَّقْضُ]

- ‌[وَدَفْعُ النَّقْض بِأَرْبَعِ طُرُقٍ]

- ‌[الْمُمَانَعَةُ]

- ‌الْمُعَارَضَةِ

- ‌(فَصْلٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ)

- ‌ الِاعْتِرَاضَاتُ الْوَارِدَةُ عَلَى الْقِيَاسِ بِالْعِلَّةِ الطَّرْدِيَّةِ

- ‌[فَصْلٌ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ كَلَامٍ إلَى آخَرَ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْحُجَجِ الْفَاسِدَةِ]

- ‌[التَّعْلِيلُ بِالنَّفْيِ]

- ‌(بَابُ) الْمُعَارَضَةِ وَالتَّرْجِيحِ

- ‌[فَصْلٌ مَا يَقَعُ بِهِ التَّرْجِيحُ]

- ‌[الْأُمُور الَّتِي ذُكِرَتْ فِي تَرْجِيحِ الْقِيَاسِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا تَعَارَضَ وُجُوهُ التَّرْجِيحِ]

- ‌[فَصْلٌ مِنْ التَّرَاجِيحِ الْفَاسِدَةِ التَّرْجِيحُ بِغَلَبَةِ الْأَشْبَاهِ]

- ‌[بَابُ الِاجْتِهَادِ]

- ‌[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْكِتَابِ فِي الْحُكْمِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ]

- ‌[بَابٌ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ قِسْمَانِ]

- ‌[الْقَسْم الْأَوَّل أَنْ لَا يَكُونَ حُكْمًا بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ أَوْ يَكُونَ كَالْحُكْمِ]

- ‌[الْقَسْم الثَّانِي مِنْ الْحُكْمِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ حُكْمًا بِتَعَلُّقِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ]

- ‌[بَابُ الْمَحْكُوم بِهِ]

- ‌[بَابُ الْمَحْكُوم عَلَيْهِ]

- ‌[فَصْلٌ الْأَهْلِيَّةُ ضَرْبَانِ أَهْلِيَّةُ وُجُوبٍ وَأَهْلِيَّةُ أَدَاءً]

- ‌[فَصْلٌ الْأُمُورُ الْمُعْتَرِضَةُ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ]

- ‌[الْعَوَارِضُ السَّمَاوِيَّةُ]

- ‌[الْجُنُونُ]

- ‌[الصِّغَرُ]

- ‌[الْعَتَهُ]

- ‌[النِّسْيَانُ]

- ‌[النَّوْمُ]

- ‌ الْإِغْمَاءُ)

- ‌[الرِّقُّ]

- ‌[الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ]

- ‌[الْمَرَضُ]

- ‌[الْمَوْتُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ نَفْسِهِ]

- ‌[الْجَهْلُ]

- ‌[السُّكْرُ]

- ‌ الْهَزْلُ

- ‌[السَّفَهُ]

- ‌ السَّفَرُ

- ‌[الْخَطَأُ]

- ‌[الْعَوَارِضُ الْمُكْتَسَبَةُ مِنْ غَيْرِهِ]

- ‌[الْإِكْرَاهُ وَهُوَ إمَّا مُلْجِئٌ أَوْ غَيْرُ مُلْجِئٍ]

الفصل: ‌[مسألة الاستثناء إذا تعقب الجمل المعطوفة]

مِنْ حُكْمِ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَهُوَ الْحُرْمَةُ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ أَيْضًا لَكِنَّهُ أَثْبَتَ فِيهِ حُكْمًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ.

‌(مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرَقُ

بَاطِلٌ) ، وَأَصْحَابُنَا قَيَّدُوهُ بِلَفْظِهِ أَوْ بِمَا يُسَاوِيهِ نَحْوَ عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا عَبِيدِي أَوْ إلَّا مَمَالِيكِي لَكِنْ إنْ اسْتَثْنَى بِلَفْظٍ يَكُونُ أَخَصَّ مِنْهُ فِي الْمَفْهُومِ لَكِنْ فِي الْوُجُودِ يُسَاوِيهِ يَصِحُّ نَحْوَ عَبِيدِي أَحْرَارٌ إلَّا هَؤُلَاءِ، وَلَا عَبِيدَ لَهُ سِوَاهُمْ.

[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَةَ]

مَسْأَلَةٌ (إذَا تَعَقَّبَ الِاسْتِثْنَاءُ الْجُمَلَ الْمَعْطُوفَةَ كَآيَةِ الْقَذْفِ يَنْصَرِفُ إلَى الْكُلِّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رحمه الله وَعِنْدَنَا إلَى الْأَقْرَبِ) لِقُرْبِهِ، وَاتِّصَالِهِ بِهِ وَانْقِطَاعِهِ عَمَّا سِوَاهُ؛ وَلِأَنَّ تَوَقُّفَ صَدْرِ

ــ

[التلويح]

يَجُوزُ مِنْ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ يَجُوزُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا يُقَالُ: كِرَامُ بَلْدَتِنَا أَغْنِيَاؤُهُمْ إلَّا زَيْدًا، بِمَعْنَى أَنَّ زَيْدًا وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا لَكِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ الْحَمْلِ عَنْ الْكِرَامِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ التَّائِبُونَ مِنْ الْفَاسِقِينَ، وَلَا يَكُونُونَ مِنْ الْقَاذِفِينَ، وَالْأَمْرُ بِالْعَكْسِ.

وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ فَاسِقُونَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إلَّا حَالَ التَّوْبَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَكَلُّفٍ فِي التَّقْدِيرِ أَيْ: فِي الْأَحْوَالِ إلَّا حَالَ تَوْبَةِ الَّذِينَ تَابُوا، وَإِلَّا تَوْبَةَ الْقَاذِفِينَ أَيْ: وَقْتَ تَوْبَتِهِمْ عَلَى أَنْ يُجْعَلَ الَّذِينَ حَرْفًا مَصْدَرِيًّا لَا اسْمًا مَوْصُولًا وَضَمِيرُ تَابُوا عَائِدٌ إلَى أُولَئِكَ وَبَعْدَ اللَّتَيَّا، وَاَلَّتِي يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغًا مُتَّصِلًا لَا مُنْقَطِعًا

[مَسْأَلَةٌ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُسْتَغْرَقُ]

(قَوْلُهُ: مَسْأَلَةٌ إذَا) وَرَدَ الِاسْتِثْنَاءُ عَقِيبَ جُمَلٍ مَعْطُوفَةٍ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْوَاوِ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ رَدِّهِ إلَى الْجَمِيعِ، وَإِلَى الْأَخِيرَةِ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الظُّهُورِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْجَمِيعِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى التَّوَقُّفِ وَبَعْضُهُمْ إلَى التَّفْصِيلِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْعَوْدِ إلَى الْأَخِيرِ لِوَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ قَرِيبَةٌ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ مُتَّصِلَةٌ بِهِ مُنْقَطِعَةٌ عَمَّا سَبَقَهَا مِنْ الْجُمَلِ نَظَرًا إلَى حُكْمِهَا، وَإِنْ اتَّصَلَتْ بِهِ بِاعْتِبَارِ ضَمِيرٍ أَوْ اسْمِ إشَارَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُجْعَلَ الْقُرْبُ، وَالِاتِّصَالُ دَلِيلًا، وَالِانْقِطَاعُ عَمَّا سَبَقَ دَلِيلًا آخَرَ.

بِمَعْنَى أَنَّ الْأَخِيرَةَ بِسَبَبِ انْقِطَاعِهَا تَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ حَائِلٍ بَيْنَ الْمُسْتَثْنَى، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كَالسُّكُوتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ الْمَجْمُوعُ بِمَنْزِلَةِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا يَتَحَقَّقُ الِاتِّصَالُ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الِاسْتِثْنَاءِ. الثَّانِي أَنَّ عَوْدَ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى مَا قَبْلَهُ إنَّمَا هُوَ لِضَرُورَةِ عَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ، وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِالْعَوْدِ إلَى وَاحِدَةٍ، وَقَدْ عَادَ إلَى الْأَخِيرَةِ بِالِاتِّفَاقِ، فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْعَوْدِ إلَى غَيْرِهَا وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَثْبَتَ الضَّرُورَةَ فِي جَانِبِ صَدْرِ الْكَلَامِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَرَدَ الِاسْتِثْنَاءُ لَزِمَ تَوَقُّفُ صَدْرِ الْكَلَامِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُغَيِّرٍ، وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِتَوَقُّفِ جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَا تَتَجَاوَزُ إلَى الْأَكْثَرِ، وَلَمَّا كَانَ هَاهُنَا مَظِنَّةُ أَنْ يُقَالَ الْوَاوُ لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيكِ فَيُفِيدُ اشْتِرَاكَ الْجُمَلِ فِي

ص: 59

الْكَلَامِ ثَبَتَ ضَرُورَةً فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا شَرِكَةَ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ فِي الْحُكْمِ فَفِي الِاسْتِثْنَاءِ أَوْلَى، وَصَرْفُهُ إلَى الْكُلِّ فِي الْجُمَلِ الْمُخْتَلِفَةِ كَآيَةِ الْقَذْفِ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى {فَاجْلِدُوا - وَلا تَقْبَلُوا} [النور: 2 - 4] رَدًّا عَلَى سَبِيلِ الْجَزَاءِ بِلَفْظِ الْإِنْشَاءِ ثُمَّ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4](جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِلَفْظِ الْإِخْبَارِ) أَيْ: صَرَفَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الِاسْتِثْنَاءَ إلَى الْكُلِّ فَفِي آيَةِ الْقَذْفِ قَطَعَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْله تَعَالَى، وَلَا تَقْبَلُوا عَنْ قَوْلِهِ: فَاجْلِدُوهُمْ حَتَّى لَمْ يَجْعَلْ رَدَّ الشَّهَادَةِ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ وَجَعَلَ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: وَلَا تَقْبَلُوا ثُمَّ

ــ

[التلويح]

الِاسْتِثْنَاءِ أَجَابَ بِأَنَّ الْعَطْفَ لَا يُفِيدُ شَرِكَةَ الْجُمَلِ التَّامَّةِ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْقِرَانَ فِي النَّظْمِ لَا يُوجِبُ الْقِرَانَ فِي الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ وَضْعَ الْعَاطِفِ لِلتَّشْرِيكِ فِي الْإِعْرَابِ، وَالْحُكْمِ فَلَأَنْ لَا يُفِيدَ التَّشْرِيكَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ تَغْيِيرٌ لِكَلَامٍ لَا حُكْمَ لَهُ أَوْلَى.

(قَوْلُهُ: وَصَرْفُهُ إلَى الْكُلِّ) تَنَزُّلٌ بَعْدَ إثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ إلَى صُورَةٍ جُزْئِيَّةٍ وَقَعَ فِيهَا النِّزَاعُ وَكَثُرَ فِيهَا الْكَلَامُ، وَهِيَ آيَةُ الْقَذْفِ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى جُمَلٍ ثَلَاثٍ هِيَ فَاجْلِدُوا، وَلَا تَقْبَلُوا {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] وَاسْتُدِلَّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَحْكَامِ عَلَى أَنَّهُ جَعَلَ جُمْلَةَ، وَلَا تَقْبَلُوا مُنْقَطِعَةً عَنْ جُمْلَةِ فَاجْلِدُوا مَعَ أَنَّ كَوْنَهَا مَعْطُوفَةً عَلَيْهَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى وَجَعَلَ جُمْلَةَ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] عَطْفًا عَلَى جُمْلَةِ، وَلَا تَقْبَلُوا مَعَ أَنَّهَا جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ إخْبَارِيَّةٌ ظَاهِرُهَا الِاسْتِئْنَافُ بَيَانًا لِحَالِ الْقَاذِفِينَ وَجَرِيمَتِهِمْ غَيْرُ صَالِحَةٍ أَنْ تَكُونَ جَزَاءً لِلْقَذْفِ وَتَتْمِيمًا لِلْحَدِّ، وَلَا تَقْبَلُوا فِعْلِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ مَسُوقَةٌ جَزَاءً لِلْقَذْفِ.

وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ قَبِلَ شَهَادَةَ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ الْفِسْقِ وَلَمْ يُسْقِطْ عَنْهُ الْجَلْدَ فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ تَعَلُّقُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْأَخِيرَتَيْنِ، وَقَطَعَ، وَلَا تَقْبَلُوا عَنْ فَاجْلِدُوا إذْ لَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَيْهِ لَسَقَطَ الْجَلْدُ عَنْ التَّائِبِ عَلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ مِنْ صَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ، وَفِيهِ بَحْثٌ إذْ لَا نِزَاعَ لِأَحَدٍ فِي أَنَّ قَوْله تَعَالَى وَلَا تَقْبَلُوا عَطْفٌ عَلَى فَاجْلِدُوا إلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ فِعْلٌ يَلْزَمُ عَلَى الْإِمَامِ إقَامَتُهُ لَا حُرْمَةُ فِعْلٍ، وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْجَلْدُ بِالتَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ، وَلِهَذَا أَسْقَطَهُ بِعَفْوِ الْمَقْذُوفِ وَصَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ عِنْدَهُ لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ بَلْ هُوَ ظَاهِرٌ يُعْدَلُ عَنْهُ عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ وَظُهُورِ الْمَانِعِ مَعَ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى هُوَ الَّذِينَ تَابُوا، وَأَصْلَحُوا وَمِنْ جُمْلَةِ الْإِصْلَاحِ الِاسْتِحْلَالُ وَطَلَبُ عَفْوِ الْمَقْذُوفِ، وَعِنْدَ وُقُوعِ ذَلِكَ يَسْقُطُ الْجَلْدُ أَيْضًا فَيَصِحُّ صَرْفُ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْكُلِّ.

(قَوْلُهُ: ثُمَّ وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ) مُبْتَدَأَةٌ غَيْرُ وَاقِعَةٍ مَوْقِعَ الْجَزَاءِ بَلْ هِيَ إزَالَةٌ لِمَا عَسَى أَنْ يُسْتَبْعَدَ مِنْ صَيْرُورَةِ الْقَذْفِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي تَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ مَعَ أَنَّ الْقَذْفَ خَبَرٌ

ص: 60

جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ مَصْرُوفًا إلَى قَوْلِهِ: وَلَا تَقْبَلُوا، وَقَوْلِهِ: وَأُولَئِكَ لَا إلَى قَوْلِهِ: فَاجْلِدُوا حَتَّى أَنَّ الْجَلْدَ لَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ.

وَعَدَمَ قَبُولِ الشَّهَادَةِ، وَالْفِسْقَ يَسْقُطَانِ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَهُ، وَالْجُمَلُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي آيَةِ الْقَذْفِ هِيَ قَوْلُهُ: فَاجْلِدُوا، وَقَوْلُهُ: وَلَا تَقْبَلُوا، وَقَوْلُهُ:{وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 4] وَنَحْنُ جَعَلْنَا الْأَوَّلَيْنِ جَزَاءً؛ لِأَنَّهُمَا أُخْرِجَا بِلَفْظِ الطَّلَبِ مُفَوَّضَيْنِ إلَى الْأَئِمَّةِ وَجَعَلْنَا " وَأُولَئِكَ " مُسْتَأْنَفًا؛ لِأَنَّهَا بِطَرِيقِ الْإِخْبَارِ، وَالِاسْتِثْنَاءَ مَصْرُوفًا إلَى أُولَئِكَ.

(وَمِنْ أَقْسَامِ بَيَانِ التَّغْيِيرِ الشَّرْطُ، وَقَدْ مَرَّ) أَيْ: فِي فَصْلِ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ. (وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ يَظْهَرُ فِي قَوْلِهِ: بِعْت مِنْك هَذَا الْعَبْدَ بِأَلْفٍ إلَّا نِصْفَ الْعَبْدِ أَنَّهُ يَقَعُ الْبَيْعُ عَلَى النِّصْفِ بِأَلْفٍ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ تَكَلُّمٌ بِالْبَاقِي فَكَأَنَّهُ قَالَ: بِعْت نِصْفَ الْعَبْدِ بِأَلْفٍ. (وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَهُ يَقَعُ عَلَى النِّصْفِ بِخَمْسِمِائَةٍ فَكَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ لِفَائِدَةِ تَقْسِيمِ الثَّمَنِ ثُمَّ يَخْرُجُ، وَلَا يَفْسُدُ بِهَذَا الشَّرْطِ) ؛ لِأَنَّهُ

ــ

[التلويح]

يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ، وَالْكَذِبَ، وَرُبَّمَا يَكُونُ حِسْبَةً يَعْنِي أَنَّهُمْ الْفَاسِقُونَ الْعَاصُونَ بِهَتْكِ سِتْرِ الْعِفَّةِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ حِينَ عَجَزُوا عَنْ إقَامَةِ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا الْعُقُوبَةَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْرِضِ التَّعْلِيلِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ حَتَّى يَكُونَ رَدُّ الشَّهَادَةِ بِسَبَبِ الْفِسْقِ فَتُقْبَلُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِزَوَالِ الْفِسْقِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ لَا تُعْطَفُ عَلَى الْحُكْمِ بِالْوَاوِ بَلْ رُبَّمَا يَذْكُرُ الْفَاءَ كَذَا قِيلَ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَرِدُ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِهَا عِلَّةً لِاسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ فَإِنْ قِيلَ الْوَاوُ لِمُجَرَّدِ النَّسَقِ، وَالنَّظْمِ دُونَ الْعَطْفِ عَلَى حُكْمٍ قُلْنَا فَلْيَكُنْ كَذَلِكَ إذَا جَعَلْنَاهَا فِي مَعْرِضِ الْعِلَّةِ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّهُ أَقْرَبُ

(قَوْلُهُ: وَمِنْ أَقْسَامِ بَيَانِ التَّغْيِيرِ الشَّرْطُ) أَمَّا أَنَّهُ تَغْيِيرٌ فَلِأَنَّهُ غَيَّرَ الصِّيغَةَ عَنْ أَنْ تَصِيرَ إيقَاعًا، وَيَثْبُتُ مُوجَبُهَا، وَأَمَّا أَنَّهُ بَيَانٌ فَلِأَنَّ الْكَلَامَ كَانَ يَحْتَمِلُ عَدَمَ الْإِيجَابِ فِي الْحَالِ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ التَّكَلُّمِ بِالْعِلَّةِ مَعَ تَرَاخِي الْحُكْمِ كَبَيْعِ الْخِيَارِ، وَبِالشَّرْطِ ظَهَرَ أَنَّ هَذَا الْمُحْتَمَلَ مُرَادٌ، وَذَهَبَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّهُ بَيَانُ تَبْدِيلٍ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى أَنْتَ حُرٌّ نُزُولُ الْعِتْقِ فِي الْمَحَلِّ وَاسْتِقْرَارُهُ فِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ عِلَّةً لِلْحُكْمِ بِنَفْسِهِ فَبِالشَّرْطِ يَتَبَدَّلُ ذَلِكَ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ تَامَّةٍ، وَلَا إيجَابَ لِلْعِتْقِ بَلْ يَمِينٌ بِخِلَافِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ تَغْيِيرٌ لَا تَبْدِيلٌ إذْ لَمْ يَخْرُجْ كَلَامُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ إخْبَارًا بِالْوَاجِبِ.

وَقَدْ ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِيجَابِ إلَّا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ فِي بَعْضِ الْجُمْلَةِ حَتَّى لَا يَبْقَى مُوجَبًا فِيهِ لَا فِي الْحَالِ، وَلَا فِي الْمَآلِ، وَالتَّعْلِيقُ يَمْنَعُ الِانْعِقَادَ فِي الْحَالِ لَا فِي الْمَآلِ.

(قَوْلُهُ: وَلَا يَفْسُدُ) أَيْ: الْبَيْعُ الْوَاقِعُ بِقَبُولِهِ بِعْت هَذَا الْعَبْدَ مِنْك بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَهُ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَهُوَ كَوْنُ نِصْفِهِ لَهُ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ كَلِمَةَ عَلَى تُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ مَعَ أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ هَذَا بِالتَّحْقِيقِ لَيْسَ بَيْعًا بِالشَّرْطِ بَلْ هُوَ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ شَيْئَيْنِ أَيْ: أَحَدِ النِّصْفَيْنِ مِنْ نِصْفَيْ الْعَبْدِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ شَرْطٌ مِنْ جِهَةٍ

ص: 61