الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر تجريد العساكر إلى بلاد سيس [1]
وفى هذه السنة جرّدت العساكر إلى بلاد سيس؛ وكان سبب ذلك أنّ طائفة من العسكر الحلبى دخلت إلى بلاد الأرمن للإغارة، فلما رجعوا كبسهم التّتار ببلاد سيس، وسلموا؛ فرسم بتجريد العساكر إليها، وجرّد من الديار المصرية فى شعبان الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، وهو المقدّم على الجيش، والأمير شمس الدين سنقر جاه المنصورى، والأمير علم الدين سنجر الصوابى ومضافيهم، فوصلوا إلى دمشق ودخلوا إليها فى ثلاثة أيام، أولها يوم السبت ثانى عشر شهر رمضان، وآخرها يوم الاثنين رابع عشره، وجرّد من دمشق الأمير سيف الدين بهادر آص ومن تبعه فى ألفى فارس، وتوجهوا بجملتهم فى يوم الخميس سابع عشر رمضان، وجرّد [19] الأمير سيف الدين قبجق بعسكر حماه، والأمير سيف الدين أسندمر كرجى بعسكر الفتوحات، والأمير سيف الدين بلبان الجوكندار بعسكر حمص، والعسكر الحلبى صحبة الأمير شمس الدين قراسنقر.
ولما وصل العسكر إلى حلب حصل للأمير فخر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح مقدم العسكر المصرى مرض منعه من الدخول إلى سيس؛ فأقام بحلب، وتوجّهت العساكر، وافترقوا فرقتين؛ فتوجّه الأمير سيف الدين فبجق بنصف العسكر من جهة قلعة [2] الرّوم إلى صوب ملطية [3] ، والفرقة الأخرى إلى دربند [4] فأغاروا ونهبوا وقتلوا وأسروا من ظفروا به، ثم رجعوا ونازلوا تل
[1] بلاد سيس: دسيس هى عاصمة أرمينيات الصغرى، وكانت مدينة كبيرة ذات أسوار على جبل مستطيل، ولها بساتين ونهر صغير، وهى الآن بلدة فى جنوب شرق آسيا الصغرى- وأرمينية الصغرى تشمل إقليم قيليقية (هامش النجوم الزاهرة 7: 139، والمنجد فى الأعلام 37) .
[2]
قلعة الروم: قلعة حصينة فى غربى الفرات مقابل البيرة، وبينها وبين سميساط كان معظم سكانها من الأرمن مع أنها وسط بلاد المسلمين، فتحها الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، وسماها قلعة المسلمين (ياقوت: معجم البلدان، صبح الأعشى 1194، 120.
[3]
ملطية: مدينة شمالى حلب، وأعالى نهر الفرات، من بلاد الثغور، وعدها ابن حوقل من جملة بلاد الشام، وعدها أبو الفدا إسماعيل من بلاد الروم. وعمرها أبو جعفر المنصور ثانى خلفاء بنى العباس، وجعل عليها سورا محكما، وهى مدينة ذات فواكه وأشجار وأنهار، فتحها محمد الناصر يوم الأحد الحادى والعشرين من المحرم سنة 715 هـ (معجم البلدان 4: 633- 635، وهامش النجوم الزاهرة 9: 172) .
[4]
الدربند: قرية على فم الطريق الجبلى بين نهر كوكو وأبلستين، وتطلق على المضايق والطرقات والمعابر الواقفة شمال البيرة والنهر الأزرق (معجم البلدان 2: 564، وصبح الأعشى 4: 364) .
حمدون [1] وحاصروها، واستولوا عليها فى يوم الخميس ثالث عشر ذى القعدة، وملكت بالأمان، وكان قد اجتمع بها جماعة من أصحاب القلاع المجاورة لها، وسبب اجتماعهم بها أنّ صاحب سيس أرسل إليهم أن يجتمعوا بتلّ حمدون، ويقبضوا منها نفقة ويعودوا إلى قلاعهم ويحفظوها، ويقول لهم: إن هذه العساكر إنما دخلت للإغارة والعود. فاجتمعوا بتل حمدون لقبض النفقة، وجاء العسكر إليها وحاصرهم بها، فسألوا الأمان، فلما أطلقوا وصل رسول صاحب سيس إلى العسكر يقول: هؤلاء الذين بتّلّ حمدون هم ملّاك القلاع، فإن قبضتم عليهم وأردتم المال بذلوه لكم أو القلاع سلّموها إليكم. وشكا منهم أنهم لا يرجعون إليه ولا يسمعون منه ويخالفونه إذا قصد بذل الطاعة للسلطان، أو إرسال الحمول، ويقولون: إذا حضر العسكر خلّ بيننا وبينه. فعند ذلك أرسل الأمراء من أدركهم قبل وصولهم إلى مأمنهم، وقبضوا عليهم وقتل بقيتهم، وكان الذين قبض عليهم ثمانية من أصحاب القلاع المشار إليهم، منهم أمير اسمه السرمساق صاحب قلعة بخيمة، وبقيتهم لكل منهم قلعة. فلما تحقق السرمساق أن صاحب سيس عمل عليهم أسلم وتلفّظ بالشهادتين المعظمتين، وقال: أنا لى أخ فى خدمة السلطان، وأنا أسلّم قلاعى وألتزم للسلطان بفتح بلاد سيس بألفى فارس من نهر جهان [2] إلى بلاد [3] قرمان، فعاد العسكر به وببقية الواصلين، وكان وصولهم إلى دمشق فى الحادى والعشرين من ذى الحجة، ورحل العسكر المصرى منها فى تاسع عشرين الشهر، ووصلوا إلى الأبواب السّلطانية فى المحرم سنة أربع وسبعمائة.
وفى يوم الإثنين تاسع عشر شوال سنة ثلاث وسبعمائة فوضت الوزارة بالديار المصرية للأمير ناصر الدين محمد الشيخى، نقل من ولاية الجيزية إليها عوضا عن الأمير عز الدين أيبك البغدادى، فأحدث الشيخّى مظالم كثيرة، ولم تطل أيامه.
[1] تل حمدون: بلدة من بلاد الروم تتاخم الشام (معجم البلدان 4: 633) .
[2]
نهر جهان: هو نهر جيحان، وهو نهر المصيصة بالثغر الشامى، ومنيعه من بلاد الروم، ويمر حتى يصب فى مدينة تعر بكفر بيا بإزاء المصيصة (هامش النجوم الزاهرة 7: 168) .
[3]
بلاد قرمان: هى دولة بآسيا الصغرى، نشأت أواسط القرن السابع الهجرى. (السلوك 1: 630 هامش) .
وفى هذه السنة وصل إلى الخدمة السلطانية من بلاد الشرق الأمير بدر الدين جنكلى [1] بن شمس الدين المعروف بالبابا، وهو أحد مقدمى جيوش التتار، ووصل معه أحد عشر نفرا من ألزامه، منهم أخوه نيروز، ووصل الأمير بدر الدين بأهله، وكان مقامه ببلاد [2] آمد وكانت مكاتباته ترد على السلطان ببذل النصيحة للإسلام من مدة طويلة، ثم فارق الآن التتار وجاء، وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الثلاثاء حادى عشر ذى القعدة، ثم توجه منها بمن معه ووصلوا إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل، وأحسن السلطان إليهم، وشملهم بالخلع والإنعام، وأمّر الأمير بدر الدين جنكلى بطبلخاناه، واستمر من جملة الأمراء، وظهر للسلطان من أدبه وعقله وجميل نيته وحسن طاعته وصدق إخلاصه فى الموالاة [3] والمصافاة، وعدم اجتماعه واختلاطه بمن يرتاب منه من أهل الأهواء والفتن، وغير ذلك من الأوصاف الجميلة ما أوجب ترقّيه وانتقاله إلى إمرة المائة، وتقدّمة الألف، ثم إلى رتبة الخصوصية والتقريب والدنو، والجلوس فى مجلس السلطان بالقرب منه، واستشارته والرجوع إلى كثير من آرائه، وهو كذلك إلى الآن.
وفيها أيضا وصل إلى الأبواب السلطانية رسول من جهة الرندراكون [4] البرشنونى صاحب برشنونة يشفع فى النصارى بالديار المصرية [20] أن تفتح كنائسهم على عادتهم، فقبلت شفاعته، ورسم أن يفتح للطائفة اليعاقبة [5] من
[1] كذا فى الأصول: والدليل الشافى 1: 251، والدرر الكامنة 2:76. وذيول العبر ص 253، والنجوم الزاهرة 10: 143 وقد توفى سنة 746. والرسم فى السلوك 1: 95 «جنغلى» .
[2]
بلاد آمد: وآمد بلد قديم حصين، مبنى بالحجارة على نشز دجلة وهو محيط بأكثر البلد فى استدارة كالهلال، ويعتبر أعظم مدن ديار بكر (معجم البلدان) .
[3]
فى ك «الولاة» والتصويب من ص.
[4]
الرندراكون: جاء فى هامش السلوك 1: 950 «وهذا اللفظ المركب هو Barcelona LAragon ElReyde أى ملك أراجون وبرسنونة هى برشلونة.
[5]
اليعاقبة: نسبة إلى يعقوب البراذعى الذى تزعم فى القرن السادس للميلاد مذهبا فى الكنيسة الشرقية ينادى بأن للمسيح طبيعة واحدة تجمع بين صفاته جميعا. وقد تعرضت هذه الفرقة لاضطهاد شديد من جانب امبراطور الروم جستنيان. (سعيد عاشور: أوربا القصور الوسطى (خطط المقريزى 2: 481 وما بعدها) .
النصارى كنيسة بحارة زويلة، وللملكيين [1] كنيسة بخط البندقانيين [2] ، وكتب جوابه وأعيد رسوله وسفر إليه من الأبواب السلطانية مع فخر الدين عثمان الأفرمى فتوجها من الأبواب السلطانية إلى ثغر الإسكندرية، وتجهزا منها وركبا فى المركب فى سنة أربع وسبعمائة، فلما عزما على الإقلاع تفاوضا مفاوضة أدّت إلى أنّ رسول البرشنونى طرح فخر الدين عثمان من المركب إلى القارب الذى خرج يشيعهم من الميناء هو وغلمانه، ولم يعطه شيئا مما كان معه، وأقلع من فوره، وعاد فخر الدين المذكور إلى الأبواب السلطانية فى سنة أربع وسبعمائة. والله أعلم.
وفى سنة ثلاث أيضا وقع فناء عظيم فى الخيول بالشام. حتى كاد يأتى عليها، ونفقت أكثر خيول الناس، وكنت يومئذ بدمشق، وكنت أملك عشرة أرؤس من الخيل الجياد أو أكثر، فنفقت بجملتها، واحتجت إلى ابتياع ما أركبه، وكانت الخيل قبل ذلك قد كثرت بالشام وهانت، وقلّت أثمانها، لما هرب التتار من مرج الصفر، حتى أبيع الإكديش [3] من خيل التتار فى موضع الوقعة بخمسة دراهم، ثم تزايد ثمنها، ثم أبيع الفرس منها بدمشق بثلاثين درهما، فلما فنيت الآن وارتفع الفناء غلت أثمانها بدمشق لقلتها.
وفيها فى شهر رمضان توجّهت من دمشق إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية مفارقا لمباشرة أملاك الخاص الشريف، وكان وصولى إلى القاهرة فى يوم الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان بعد الظهر، وباشرت ديوان الخاصّ والبيمارستان المنصورى، وما معه من الأوقاف المنصورية فى بقية اليوم الذى وصلت فيه، ورفع إلىّ حساب المياومة قبل غروب الشمس من اليوم المذكور.
[1] الملكيون، أو الملكية، أو الملكانية: هى الفرقة الثانية من المسيحيين الشرقيين الذين عارضوا مذهب الصبغة الواحدة وقالوا بأن للمسيح طبيعين (سعيد عاشور- أوربا العصور الوسطى (خطط المقريزى 2:
481 وما بعدها، وصبح الأعشى 13: 275 وما بعدها) .
[2]
خط البندقانيين: من أكبر أخطاط القاهرة حيث يشمل المنطقة التى يخترقها اليوم سوق السمك القديم، وسوق الصيارف الكبير، وحارة السبع قاعات البحرية والقبلية، وما بين ذلك من شارع السكة الجديدة امتداد شارع الموسكى (هامش النجوم الزاهرة 4: 52) .
[3]
الإكديش: نوع من الأفراس غير الجياد (فهرس كنز الدرر ج 9 والمنجد- كدش) .