الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ذكر توجه العساكر إلى الصعيد للإيقاع بالعربان
كانت عرب الوجه القبلى بالديار المصرية قد كثر فسادهم، وامتدت أيديهم، وقطعوا الطريق على المسافرين، واشتد طمعهم إثر وقعة غازان، فتوجه الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وجماعة كثيرة من الأمراء بسبب ذلك فى أوائل جمادى الآخرة، وانقسم العسكر على ثلاث فرق، فرقة فى البر الشرقى، وفرقة فى البر الغربى، وفرقة سلكت الحواجر [1] من البر الغربى مما يلى الواحات، وضربوا على الوجه القبلى حلقة كحلقة الصيد، وبقى العرب فى وسطها، وأخذهم السيف من كل مكان، فتمهدت البلاد واطمأنت الرعايا، وزال الخوف وظهر الأمن بعد أن كان العرب قد كادوا يتجاهرون بالعصيان، وحمل من موجودهم وسيق خمسة آلاف فرس وعشرون ألف جمل ومائة ألف رأس من الغنم، وعدة كثيرة من الأبقار والجواميس والحمر، ومن السيوف والرماح عدة كثيرة، وعاد العسكر فى أواخر شعبان من السنة.
وفى هذه السنة رسم بتوجهى إلى دمشق المحروسة
لمباشرة الأملاك السلطانية بالشام، وكتب توقيعى [2] بذلك فى ثانى عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، وهو من إنشاء المولى الفاضل العابد الصالح بهاء الدين ابن سلامة [3] كاتب الدرج الشريف [4] وخطّه، وشمل الخط
[1] فى الأصول «الهواجر» والمثبت من النجوم الزاهرة والسلوك. والحواجر هى الطرق الواقعة على الجانب الغربى لوادى النيل، فى الحد الفاصل بين الأراضى الزراعية والصحراء بالوجه القبلى والفيوم وإقليم البحيرة (النجوم الزاهرة 8: 151 وهامشها، السلوك 1: 920 وهامشها) .
[2]
الأصل فى هذا المصطلح التوقيع على حواشى القصصى بخط الخليفة أو السلطان أو الوزير أو غيرهم بما يعتمد فى القضية التى رفعت القصة بسببها؛ ثم أطلق المصطلح على كتابه الإنشاء بوجه عام (القلقشندى: صبح الأعشى، ج 1، ص 52) .
[3]
هو أحمد ابن أبى الفتح محمود بن أبى الوحش أسد بن سلامة بن فتيان المعروف بالقطار، كمال الدين، وليس بهاء الدين، أحد كتاب الدرج بدمشق توفى فى ذى القعدة سنة 702 (النجوم الزاهرة 8: 203 وهامشها) .
[4]
كاتب الدرج الشريف: هو صاحب ديوان الإنشاء، وقد سمى بكاتب الدرج فى دولتى المماليك البحرية والبرجية سنة 647- 922 هـ.
(السلوك 1: 246 هامش الدكتور زيادة) .
السلطانى الملكى الناصرى، وتوجهت إلى دمشق فى جمادى الآخرة، وفيه وصلت إلى دمشق وباشرت ما رسم لى بها، وهو أول دخولى إليها.
وفيها فى يوم الثلاثاء تاسع عشرين جمادى الأولى وصل إلى دمشق الصدر علاء الدين بن الصدر شرف الدين محمد بن القلانسى من بلاد التتار بغتة، ووصل قبله رفيقه شرف الدين بن الأثير، وقد ذكرنا أن التتار لما دخلوا الشام استصحبهما الوزير معه، ثم هربا وسلما بعد مشقة عظيمة كثيرة، وتوجّها إلى الديار المصرية فى شهر رجب، وعادا وقد كتب فى ديوان الإنشاء بدمشق.
وفى هذه السنة فى رابع صفر توفّى السيد الشريف نجم الدين [1] أبو نمىّ، وأبو مهدى محمد بن أبى سعد الحسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب، أمير مكة شرفها الله تعالى، ولى الإمارة بها نحوا من أربعين سنة، وخلف من الأولاد واحدا وعشرين ذكرا، واثنتى عشرة بنتا، وأربع نسوة، ولما مات وثب ولداه أسد الدين رميثة [2] وعز الدين حميضة [3] على أخويهما عطيفة [4] وأبى الغيث [5] واعتقلاهما، واستقلا بالأمر دونهما، واتفق فى هذه السنة أن الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير توجّه إلى الحجاز هو وثلاثون أميرا، فجاء هؤلاء وشكيا من أخويهما، فأمسك حميضة ورميثه واعتقلهما لما صدر منهما من ذلك وغيره، ورتّب عطيفة وأبا الغيث فى الإمرة بمكة، وأحضر حميضة ورميثة صحبته إلى الأبواب السلطانية، فاعتقلا مدة ثم أفرج عنهما.
وفيها توفى الشيخ الأصيل شيخ الشيوخ فخر الدين يوسف [6] بن شيخ الشيوخ شرف الدين أبى بكر عبد الله ابن شيخ الشيوخ تاج الدين أبى محمد
[1] وانظر ترجمته فى العقد الثمين 1: 456، وغاية المرام بأخيار سلطنة البلد الحرام 2:9.
[2]
وانظر ترجمته فى العقد الثمين 4: 403، وغاية المرام 2: 78- 111، وقد توفى سنة 746 هـ.
[3]
وانظر ترجمته فى العقد الثمين 4: 232، وغاية المرام 2: 53- 78، وإتحاف الورى بأخبار أم القرى 2: 168، ومات قتيلا سنة 720.
[4]
وانظر ترجمته فى العقد الثمين 6: 95، وغاية المرام 2: 113- 129، وقد توفى بمصر سنة 743.
[5]
وانظر ترجمته فى العقد الثمين 8: 79، وغاية المرام 2: 111- 113، وقد مات قتيلا فى سنة 714 هـ.
[6]
انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 4: 482، وقد ذكره النعيمى فى الدارس فى تاريخ المدارس 2: 156، وابن كثير فى البداية والنهاية 14:17.
عبد الله ابن شيخ الشيوخ عماد الدين أبى حفص عمر بن على بن محمد بن حمّوية الجوينىّ فى يوم الاثنين سابع عشرين شهر ربيع الأول بالخانقاه السميساطية [1] بدمشق، ودفن من الغد بسفح قاسيون، وولى مشيخة الشيوخ بعده قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة [2] ، وذلك باتفاق من الصوفية وسؤالهم، فاجتمع له بدمشق قضاة القضاة، وخطابة الجامع الأموى، ومشيخة الشيوخ وغير ذلك من الأنظار والتدريس.
وفيها كانت وفاة الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد العباسى فى ثامن عشر جمادى الأولى، وبويع ولده المستكفى بالله أبو الربيع سليمان، وقد تقدم ذكر ذلك فى أخبار الخلفاء العباسيين.
وفيها توفى الأمير علاء الدين مغلطاى التقوىّ المنصورىّ أحد الأمراء بدمشق فى رابع وعشرين شهر رجب، وأقطع خبره للأمير سيف الدين بكتمر الحسامى أمير آخور [3] ، وكان أخرج من الديار المصرية فى هذه السنة لقربه من السلطان وخدمته له وتمكنه منه، فعزل من وظيفة أمير آخورية، ووليها الأمير علم الدين سنجر [4] الصالحى، ووصل الأمير سيف الدين بكتمر إلى دمشق بغير إقطاع، فلما مات التقوى أنعم عليه بإقطاعه، ثم كان من أمره وتنقّله ما نذكره.
وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام الشهيد شرف الدين أبى الحسين على بن الشيخ الحسن الإمام العلامة الحافظ تقى الدين أبى عبد الله محمد بن اليونينىّ [5] الحنبلى ببعلبك فى يوم الخميس حادى عشر شهر رمضان فى
[1] الخانقاه السميساطية- نسبة إلى أبى القاسم على بن محمد السميساطى السلمى المعروف بالحبيش المتوفى بدمشق سنة 453 هـ وكان قد اشترى مكان هذه الخانقاه وبناها، (الدارس فى تاريخ المدارس 2:
151 وما بعدها، ياقوت: معجم البلدان مادة سميساط) .
[2]
انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 3: 248، والوافى بالوفيات 2: 18، والدليل الشافى 2: 578 والبداية والنهاية 14: 163، وشذرات الذهب 6: 105، والنجوم الزاهرة 9: 298، وقد توفى سنة 733 هـ.
[3]
أمير آخور: اسم فارسى لوظيفة يتولى صاحبها أمر الأشراف على اسطبل السلطان أو الأمير ورعاية ما فيه من خيل وحيوانات (كتاب السلوك للمقريزى، ج 1 ص 438، حاشية 3 للدكتور زيادة) .
[4]
هو علم الدين سنجر بن عبد الله المعروف بأرجواش المنصورى نائب قلعة دمشق، وسترد وفاته فى هذه السنة (النجوم الزاهرة 8:198.
[5]
انظر ترجمته فى الدرر الكامنة 3: 98، والبداية والنهاية 14: 20، والنجوم الزاهرة 8: 198، والدليل الشافى 1:476.
الساعة الثامنة من النهار شهيدا. وسبب ذلك أنه دخل فى يوم الجمعة خامس الشهر إلى خزانة الكتب التى بمسجد الحنابلة ببعلبك ليعزل كتبه من كتب الوقف وعنده خادمه الشجاع، فدخل عليه فقير اسمه موسى غير معروف بالبلد- قيل إنه مصرى- فضربه بعصا على رأسه عدّة ضربات، ثم أخرج سكينا صغيرة فجرحه فى رأسه، فاتقى بيده، فجرحه فى يده، ثم مسك ذلك الرجل وحمل إلى متولى بعلبك فضرب، فصار يظهر منه الاختلال فى الكلام، فحبس.
وأما الشيخ فحمل إلى داره، وتحدّث معه أصحابه على عادته، وأتمّ صوم يومه ثم حمّ واشتد به المرض فمات فى التاريخ المذكور، وجاوز الثمانين سنة- رحمه الله تعالى- روى عن جماعة منهم ابن الزّبيدى، واليها عبد الرحمن وابن الّلتّى، والإربلى، وجعفر الهمذانى، وابن رواحة، وابن الجمّيزىّ وغيرهم واجتهد فى خدمة الحديث النبوىّ وأسمعه كثيرا، واعتنى بصحيح البخارى من سائر طرقه، وحرّر نسخته تحريرا شافيا، وجعل لكل طريق إشارة، وكتب عليه حواشى صحيحة، وقد نقلت صحيح البخارى من أصله مرارا سبعة، وحرّرته كما حرّره وقابلت بأصله وهو أصل سماعى على الحجّار ووزيرة [1] .
وفى هذه السنة توفى الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصورى نائب السلطنة بقلعة دمشق، وكانت وفاته فى ليلة السبت ثانى عشرين ذى الحجة ودفن بسفح قاسيون وكانت له آثار جميلة فى حفظ قلعة دمشق لمّا ملك التتار دمشق، وبسبب حفظها حفظت سائر القلاع بالممالك الشاميّة، وخلّف من الورثة أربع بنات وابن معتقه السلطان [2] الملك الناصر، وترك دنيا عريضة، ولما مرض أحضر قاضى القضاة بدر الدين وجماعة من أكابر العدول، وأشهدهم على نفسه أن مجموع ما يخلفه من الذّهب أربعة عشر ألف دينار ومائتى دينار وستة
[1] وزيرة هى أم محمد ست الوزراء ابنة عمر بن أسعد بن المنجا التنوخية وتعرف بالوزيرة، وسترد ترجمتها فى وفيات سنة 716 هـ.
[2]
أى والسلطان الملك الناصر ابن معتق الأمير علم الدين سنجر وهو السلطان المنصور قلاوون.