الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان فيه مادام يغنّى، حتى إذا أمسك وتغنّى غيره رجعوا إلى التّشاغل بما كانوا فيه ولم ينبعثوا إلى شىء. فلا برهان أقوى من هذا [فى مثل هذا من «1» ] شهادة الفطن به واتّفاق الطبائع مع اختلافها وتشعّب طرقها على الميل اليه والانقياد نحوه.
ولإبراهيم بن المهدىّ أصوات معروفة. منها ما غنّاه بشعر مروان بن أبى حفصة:
هل تطمسون من السماء نجومها
…
بأكفّكم أو تسترون هلالها
أو تدفعون مقالة من ربكم
…
جبريل بلّغها النبىّ فقالها
طرقتك زائرة فحىّ خيالها
…
زهراء تخلط بالدّلال جمالها
وأمّا عليّة بنت المهدىّ
،
فقد قيل: ما اجتمع في جاهليّة ولا إسلام أخ وأخت أحسن غناء من إبراهيم بن المهدىّ وأخته عليّة. وروى عن أبى أحمد ابن الرشيد قال: كنت يوما بحضرة المأمون وهو يشرب، ثم قام وقال لى: قم؛ فدخل دار الحرم ودخلت معه، فسمعت غناء أذهل عقلى ولم أقدر أن أتقدّم ولا أتأخّر؛ وفطن المأمون لما بى فضحك وقال: هذه عمّتك عليّة تطارح عمّك إبراهيم.
قال أبو الفرج: وأمّ عليّة أمّ ولد مغنّية يقال لها مكنونة، كانت من جوارى المروانيّة المغنيّة. والمروانيّة هذه ليست من آل مروان بن الحكم، وإنما هى زوجة الحسن بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس. وكانت مكنونة من أحسن جوارى المدينة وجها، وكانت رسحاء «2» ، وكانت حسنة البطن والصدر. فاشتريت للمهدىّ فى حياة أبيه بمائة ألف درهم؛ فغلبت عليه حتى كانت الخيزران تقول: ما ملك
أمّة أغلظ علىّ منها. ولما اشتريت للمهدىّ ستر أمرها عن أبيه المنصور حتى مات، وولدت للمهدىّ عليّة هذه.
وكانت عليّة بنت المهدىّ من أجمل الناس وأظرفهم، نقول الشعر الجيّد وتصوغ فيه الألحان الحسنة. وكان في جبينها فضل سعة، فاتّخذت العصائب المكللّة بالجوهر لتستربها جبينها؛ فهى أوّل من أحدث ذلك.
قال: وكانت عليّة حسنة الدّين، وكانت لا تغنّى ولا تشرب النبيذ إلّا إذا كانت معتزلة الصلاة؛ فإذا طهرت أقبلت على الصلاة وقراءة القرآن وقراءة الكتب. ولم تله بشىء غير قول الشعر في الأحيان، إلّا أن يدعوها الخليفة إلى شىء فلا تقدر على خلافه. وكانت رحمها الله تقول: ما حرّم الله شيئا إلا وقد جعل فيما حلّل منه عوضا، فبأىّ شىء يحتجّ عاصيه والمنتهك لحرماته!. وكانت تقول: لا غفر الله لى فاحشة ارتكبتها قطّ، وما أقول في شعرى إلّا عبثا.
وعن سعيد بن هريم قال: كانت عليّة بنت المهدىّ تحبّ أن تراسل بالأشعار من تختصّه، فاختصّت خادما يقال له طلّ من خدم الرشيد، تراسله بالشعر. فلم تره أيّاما؛ فمشت على ميزاب وحدّثته ثم قالت في ذلك:
قد كان ما كلّفته زمنا
…
ياطلّ من وجد بكم يكفى
حتى أتيتك زائرا عجلا
…
أمشى على حتف إلى حتفى «1»
فخلف عليها الرشيد ألّا تكلّم طلّا ولا تسمّيه باسمه، فضمنت له ذلك. واستمع عليها يوما وهى تقرأ آخر سورة البقرة حتى بلغت إلى قوله عز وجل:(فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ)
فأرادت أن تقول: (فَطَلٌّ)
فقالت: فالذى نهى عنه أمير المؤمنين. فدخل
الرشيد فقبّل رأسها وقال: قد وهبت لك طلّا ولا أمنعك بعدها من شىء تريدينه.
ولها في طلّ هذا عدّة أشعار صنعت فيها ألحانا، وكانت في بعضها تصحّف اسمه وتكنى عنه بغيره. وكانت أيضا تقول الشعر في خادم لها يقال له: رشأ وتكنى عنه بزينب.
فمن شعرها فيه:
وجد الفؤاد بزينبا
…
وجدا شديدا متعبا
أصبحت من كلف بها
…
أدعى شقيّا منصبا
ولقد كنيت عن اسمها
…
عمدا لكى لا تغضبا
وجعلت زينب سترة
…
وكتمت أمرا معجبا
قالت وقد عزّ الوصا
…
ل ولم أجد لى مذهبا
والله لا نلت المودّة
…
أو تنال الكوكبا
فصحّفت اسمه في قولها: «زينبا» ؛ وهذا من الجناس الخطّى. قال: وكانت لأمّ جعفر جارية يقال لها طغيان، فوشت بعليّة إلى رشأ وحكت عنها ما لم تقل.
فقالت عليّة:
لطغيان خفّ مذ ثلاثين حجّة
…
جديد فلا يبلى ولا يتخرّق
وكيف بلى خفّ هو الدهر كلّه
…
على قدميها في السماء «1» معلّق
فما خرقت خفّا ولم تبل جوربا
…
وأمّا سراويلاتها فتمزّق
وروى عن أبى هفّان قال:
أهديت للرشيد جارية في غاية الجمال؛ فخلا معها يوما وأخرج كلّ قينة في داره واصطبح. وكان من حضر من جواريه الغناء والخدمة في الشراب زهاء ألفى جارية فى أحسن زىّ من كل نوع من أنواع الثياب والجوهر. واتّصل الخبر بأمّ جعفر
فعظم عليها ذلك؛ فأرسلت إلى عليّة تشكو إليها. فأرسلت إليها عليّة: لا يهولنّك هذا، والله لأردّنّه إليك. قد عزمت أن أضع شعرا وأصوغ فيه لحنا وأطرحه على جوارىّ، فلا تبقى عندك جارية إلّا بعثت بها إلىّ وألبسيهنّ أنواع الثّياب ليأخذن الصوت مع جوارىّ؛ ففعلت أمّ جعفر ما أمرتها به. فلما جاء وقت صلاة العصر لم يشعر الرشيد إلا وعليّة وأمّ جعفر قد خرجتا إليه من حجرتيهما معهما زهاء ألفى جارية من جوازيهما وسائر جوارى القصر عليهنّ غرائب اللّباس وكلهنّ في لحن واحد هزج صنعته عليّة وهو:
منفصل عنّى وما
…
قلبى عنه منفصل
يا هاجرى اليوم لمن
…
نويت بعدى أن تصل
فطرب الرشيد وقام على رجليه حتى استقبل أمّ جعفر وعليّة وهو على غاية السرور، وقال: لم أر كاليوم قطّ. يا مسرور، لا تبقيّن في بيت المال درهما إلا نثرته.
فكان ما نثر يومئذ ستة آلاف درهم، وما سمع بمثل ذلك اليوم.
وروى عن عريب أنها قالت: أحسن يوم رأيته في الدنيا وأطيبه يوم اجتمعت فيه مع إبراهيم بن المهدىّ عند أخته عليّة وعندها أخوهما يعقوب بن المهدىّ، وكان أحذق الناس بالزّمر. فبدأت عليّة فغنّت من صنعتها وأخوها يعقوب يزمر عليها:
تحبّب فإنّ الحبّ داعية الحبّ
…
وكم من بعيد الدار مستوجب القرب
تبصّر فإن حدّثت أنّ أخا هوى
…
نجا سالما فارج النجاة من الحبّ
إذا لم يكن في الحبّ سخط ولا رضا
…
فأين حلاوات الرسائل والكتب
وغنّى إبراهيم في صنعته وزمر عليه يعقوب:
لم ينسنيك سرور لا ولا حزن
…
وكيف لا، كيف ينسى وجهك الحسن
ولا خلا منك قلبى لا ولا جسدى
…
كلّى بكلّك مشغول ومرتهن
يا فردة الحسن مالى منك مذكلفت
…
نفسى بحبّك إلّا الهمّ والحزن
نور تولّد من شمس ومن قمر
…
حتى تكامل فيك «1» الروح والبدن
قالت عريب: فما سمعت مثل ما سمعت منها قط وأعلم أنى لا أسمع مثله أبدا.
وروى عن خشف الواضحيّة قالت: تماريت أنا وعريب في غناء عليّة بحضرة المتوكل أو غيره من الخلفاء. فقلت أنا: هى ثلاثة وسبعون صوتا، وقالت عريب:
هى اثنان وسبعون صوتا. فقال المتوكل: غنيّا غناءها؛ فلم أزل أغنّى غناءها حتى مضى اثنان وسبعون صوتا، ولم أدر الثالث والسبعين. قالت: فقطع بى واستعلت عريب وانكسرت. قالت خشف: فلما كان الليل رأيت عليّة فيما يرى النائم، فقالت: يا خشف خالفتك عريب في غنائى. قلت: نعم يا سيّدتى.
قالت: الصواب معك، أفتدرين ما الصوت الذى أنسيتيه؟ قلت: لا ولله، ولوددت أنّى فديت ما جرى بجميع ما أملك. قالت: هو:
بنى الحبّ على الجور فلو
…
أنصف المعشوق فيه لسمج
ليس يستحسن في وصف الهوى
…
عاشق يعرف تأليف الحجج
وقليل الحبّ صرفا خالصا
…
لك خير من كثير قد مزج
وكأنها قد اندفعت تغنّى به، فما سمعت أحسن مما غنّته، وقد زادتنى فيه أشياء في نومى لم أكن أعرفها، فانتبهت وأنا لا أعقل فرحا به. فباكرت الخليفة وذكرت له القصّة. فقالت عريب: هذا شىء صنعته أنت لما جرى أمس، وأمّا الصوت فصحيح. فحلفت للخليفة بما رضى به أنّ القصّة كما حكيت. فقال:
رؤياك والله أعجب، رحم الله عليّة! فما تركت ظرفها حيّة ولا ميّتة. وأجازنى جائزة سنيّة.
وروى أبو الفرج أيضا بسنده إلى محمد بن جعفر بن يحيى بن خالد قال:
شهدت أبى جعفرا وأنا صغير وهو يحدّث جدّى يحيى بن خالد في بعض ما كان يخبره به من خلوته مع هارون الرشيد، قال: يا أبت، أخذ بيدى أمير المؤمنين وأقبل فى حجره يخترقها حتى انتهى إلى حجرة مغلقة، ففتحها بيده ودخلها ودخلت وأغلق بابها من داخل بيده، ثم صرنا إلى رواق ففتحه، وفي صدره مجلس مغلق فقعد على باب المجلس، ونقر الباب بيده نقرات فسمعنا حسّا، ثم أعاد النّقر ثانية فسمعنا صوت عود، ثم أعاد النقر ثالثة فغنّت جارية ما ظننت والله أنّ الله جلّ وعزّ خلق مثلها فى حسن الغناء وجودة الضرب. فقال [لها «1» ] أمير المؤمنين بعد أن غنّت أصواتا:
غنّى صوتى؛ فغنت صوته، وهو:
ومخنّث شهد الزّفاف وقبله
…
غنّى الجوارى حاسرا ومنقّبا
لبس الدلال وقام ينقر دفّه
…
نقرا أقرّ به العيون وأطربا
إنّ النساء رأينه فعشقنه
…
فيشكون شدّة ما بهنّ فأكذبا
قال: فطربت والله طربا هممت معه أن أنطح برأسى الحائط. ثم قال: غنّى:
طال تكذيبى وتصديقى فغنّت:
طال تكذيبى وتصديقى
…
لم أجد عهدا لمخلوق
إنّ ناسا في الهوى غدروا
…
حسّنوا نقض المواثيق
لا ترانى بعدهم أبدا
…
أشتكى عشقا لمعشوق
قال: فرقص الرشيد ورقصت معه؛ ثم قال: امض بنا، فإنى أخشى أن يبدو منّا ما هو أكثر من هذا، فمضينا. فلمّا صرنا إلى الدّهليز قال وهو قابض على يدى: