الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبشر المرّيسىّ وجماعة من أهل العراق. وذهب بعضهم الى أن الطّلاء الذى رخّص فيه إنما هو الرّبّ «1» والدّبس. والله عزّوجلّ أعلم.
ذكر آفات الخمر وجناياتها
وآفات الخمر وجناياتها كثيرة، لأنها أمّ الكبائر. وأوّل آفاتها أنها تذهب العقل، وأفضل ما في الإنسان عقله، وتحسّن القبيح وتقبّح الحسن. قال أبو نواس الحسن ابن هانىء عفا الله عنه ورحمه وغفر له ما أسلف:
اسقنى حتى ترانى
…
حسنا عندى القبيح
وقال أيضا:
اسقنى صرفا حميّا
…
تترك الشيخ صبيّا
وتريه الغىّ رشدا
…
وتريه الرّشد غيّا
وقال أبو الطّيب:
رأيت المدامة غلّابة
…
تهيّج للمرء أشواقه
تسىء من المرء تأديبه
…
ولكن تحسّن أخلاقه
وانفس ما للفتى لبّه
…
وذو اللبّ يكره إنفاقه
وقد متّ أمس بها ميتة
…
وما يشتهى الموت من ذاقه
قالوا: وإنما قيل لمشارب الرجل نديم، من الندامة؛ لأن الرجل معاقر الكأس اذا سكر تكلّم بما يندم عليه وفعل ما يندم عليه، فقيل لمن شاربه «نادمه» لأنه فعل مثل فعله فهو نديم له، كما يقال: جالسه فهو جليس له. والمعاقر: المدمن، كأنه لزم عقر الشىء أى فناءه. وقد شهر أصحاب الشراب بسوء العهد وقلّة الحفاظ،
وقالوا: صاحب الشراب صديقك ما استغنيت عنه حتى تفتقر، وما عوفيت حتى تنكب، وما غلت دنانك حتى تنزف، وما رأوك بعيونهم حتى يفقدوك. قال بعض الشعراء عفا الله تعالى عنه:
أرى كلّ قوم يحفظون حريمهم
…
وليس لأصحاب النّبيذ حريم
اذا جئتهم حيّوك ألفا ورحّبوا
…
وإن غبت عنهم ساعة فذميم
إخاؤهم ما دارت الكأس بينهم
…
وكلّهم رثّ الوصال سئوم
فهذا بيانى لم أقل بجهالة
…
ولكننى بالفاسقين عليم
قيل: سقى قوم أعرابيّة مسكرا، فقالت: أيشرب نساؤكم هذا الشراب؟
قالوا نعم. قالت: فما يدرى أحدكم من أبوه. وقال قصىّ بن كلاب لبنيه:
اجتنبوا الخمر فإنه يصلح الأبدان ويفسد الأذهان. وقيل لعدىّ بن حاتم: مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: معاف الله! أصبح حليم قوم وأمسى سفيههم. وقيل لأعرابىّ:
مالك لا تشرب النبيذ؟ قال: لا أشرب ما يشرب عقلى. وقيل لعثمان بن عفّان:
ما منعك من شرب الخمر في الجاهليّة ولا حرج عليك؟ قال: إنى رأيتها تذهب العقل جملة وما رأيت شيئا يذهب جملة ويعود جملة. وقال عبد العزيز بن مروان لنصيب ابن رباح: هل لك فيما يثمر المحادثة؟ يريد المنادمة، فقال: أصلح الله الأمير! الشّعر مفلفل واللون مرمدّ، ولم أقعد اليك بكرم عنصر ولا بحسن منظر، وإنما هو عقلى ولسانى؛ فإن رأيت ألّا تفرّق بينهما فافعل. ودخل نصيب هذا على عبد الملك ابن مروان فأنشده فاستحسن عبد الملك شعره فوصله؛ ثم دعا بالطعام فطعم معه.
فقال له عبد الملك: هل لك [أن «1» ] تنادم عليه؟ قال: يا أمير المؤمنين، تأمّلنى. قال: قد أراك. قال: يا أمير المؤمنين، جلدى أسود وخلقى مشوّه ووجهى قبيح ولست
فى منصب، وإنما بلغ بى مجالستك ومؤاكلتك عقلى، وأنا أكره أن أدخل عليه ما ينقصه. فأعجبه كلامه وأعفاه.
وقال الحسن: لو كان العقل عرضا لتغالى الناس في ثمنه؛ فالعجب لمن يشترى بماله شيئا ليشربه فيذهب عقله!.
وقال الوليد بن عبد الملك للحجاج بن يوسف في وفدة وفدها عليه وقد أكلا:
هل لك في الشراب؟ قال: يا أمير المؤمنين، ليس بحرام ما أحللت، ولكن أمنع أهل عملى، وأكره أن أخالف قول العبد «1» الصالح وهو قوله تعالى:(وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ) .
وقالوا: للنبيذ حدّان، حدّ لا همّ معه، وحدّ لا عقل معه؛ فعليك بالأوّل واتقّ الثانى.
ومن آفات الخمر افتضاح شاربها بريحها عند من يحتشم منه ويتّقيه ويخافه فلا يستطيع مع وجود ريحها إنكار شربها. والولاة تحدّ بالاستنكاه؛ لأن خمارها يثبت في الفم اليوم واليومين بعد تركها. فمن شربها ساعة وهو يحتشم من الناس أن يظهر ذلك عليه احتاج الى الانقطاع في بيته بعد زوال السكر وأوبة العقل حتى تزول الرائحة. وقد تحايل الذين يشربون الخمر على قطع ريحها من الفم وعالجوا ذلك بأدوية صنعوها يستعملونها بعد شربها. فأجود ما صنعوه من هذه الأدوية أن يؤخذ من المرّ والبسباسة «2» والسّعد «3» والجناح «4» والقرنفل أجزاء متساوية وجزءان من الصمغ، ويدقّ