الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومنهم محمد بن إسماعيل بن علىّ بن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما
.
كان عالما بالفقه والغناء جميعا. وكان يحيى بن أكثم وصفه للمأمون بالفقه، ووصفه أحمد بن يوسف بالغناء. فقال المأمون: ما أعجب ما اجتمع فيه العلم بالعلم والغناء!.
ذكر من غنّى من الأعيان والأكابر والقوّاد ممن نسبت له صنعة في الغناء
منهم أبو دلف العجلىّ
.
هو أبو دلف القاسم بن عيسى بن إدريس أحد بنى عجل بن لجيم بن مصعب بن علىّ بن بكر بن وائل. كان محلّه من الشجاعة وبعد الهمة وعلوّ المحلّ عند الخلفاء وعظم الغناء في المشاهد وحسن الأدب وجودة الشعر محلا كبيرا ليس لكثير من أمثاله.
قال أبو الفرج الأصبهانىّ: وله صنعة حسنة. فمن جيّد صنعته قوله- والشعر له أيضا-:
بنفسى يا جنان وأنت منّى
…
مكان الرّوح من جسد الجبان
ولو أنى أقول مكان نفسى
…
خشيت عليك بادرة الزمان
لإقدامى إذا ما الخيل حامت
…
وهاب كماتها حرّ الطّعان
قال: وكان أحمد بن أبى داود ينكر أمر الغناء إنكارا شديدا؛ فأعلمه المعتصم أن أبا دلف صديقه يغنّى. فقال: ما أراه مع عقله يفعل ذلك! فستر المعتصم أحمد بن أبى داود في موضع وأحضر أبا دلف وأمره أن يغنّى ففعل ذلك وأطال، ثم أخرج أحمد بن أبى داود عليه؛ فخرج والكراهة ظاهرة في وجهه. فلما رآه أحمد
قال: سوءة لهذا من فعل! أبعد [هذه «1» ] السنّ وهذا المحلّ تصنع «2» بنفسك ما أرى! فخجل أبو دلف وتشوّر «3» وقال: إنهم ليكرهونى على ذلك. فقال: هبهم أكرهوك على الغناء أهم أكرهوك على الإحسان فيه والإصابة!.
قال: وكان أبو دلف ينادم الواثق. فوصف للمعتصم فأحبّ أن يسمعه، وسأل الواثق عنه فقال له: يا أمير المؤمنين، أنا على نيّة الفصد غدا وهو عندى. وفصد الواثق فأتاه أبو دلف وأتته رسل الخليفة بالهدايا؛ فأعلمهم الواثق حصول أبى دلف عنده.
فلم يلبث أن أقبل الخدم يقولون: قد جاء الخليفة. فقام الواثق وكلّ من كان عنده حتى تلقّوه؛ وجاء حتى جلس، وأمر بندماء الواثق فردّوا إلى مجالسهم. وأقبل الواثق على أبى دلف فقال: يا قاسم، غنّ أمير المؤمنين. فقال: صوتا بعينه أو ما اخترت؟ قال: بل من صنعتك في شعر جرير. فغنّى:
بان الخليط برامتين فودّعوا
…
أو كلّما اعتزموا لبين تجزع
كيف العزاء ولم أجد مذ غبتم
…
قلبا يقرّ ولا شرابا ينقع
فقال المعتصم: أحسن أحسن- ثلاثا- وشرب رطلا. ولم يزل يستعيده حتى شرب تسعة أرطال. ثم دعا بحمار فركبه، وأمر أبا دلف أن ينصرف معه؛ فخرج معه فثبّت في ندمائه، وأمر له بعشرين ألف دينار.
قال: وكان أبو دلف جوادا ممدّحا. وفيه يقول علىّ بن جبلة من قصيدة بقول فيها:
ذاد ورد الغىّ عن صدره
…
وارعوى واللهو من وطره
ندمى أنّ الشباب مضى
…
لم أبلّغه مدى أشره
حسرت عنّى بشاشته
…
وذوى المحمود من ثمره
ودم أهدرت من رشأ
…
لم يرد عقلا على هدره
جاء منها:
دع جدا قحطان أو مضر
…
فى يمانيه وفي مضره
وامتدح من وائل رجلا
…
عصر «1» الآفاق من عصره
ومنها:
المنايا في مقانبه
…
والعطايا في ذرا حجره
ملك تندى أنامله
…
كانبلاج النّوء عن مطره
مستهلّ عن مواهبه
…
كابتسام الرّوض عن زهره
ومنها:
إنما الدنيا أبو دلف
…
بين باديه ومحتضره
فإذا ولّى أبو دلف
…
ولّت الدنيا على أثره
كلّ من في الأرض من عرب
…
بين باديه إلى حضره
مستعير منه مكرمة
…
يكتسيها يوم مفتخره
وهذان البيتان اللذان أحفظا المأمون على علىّ بن جبلة حتى سلّ لسانه من قفاه.
وقوله فيه:
أنت الذى تنزل الأيام منزلها
…
وتنقل الدهر من حال إلى حال
وما مددت مدى طرف إلى أحد
…
إلّا قضيت بأرزاق وآجال
تزورّ سخطا فتضحى البيض ضاحكة
…
وتستهل فتبكى أعين المال
وكان سبب مدح علىّ بن جبلة أبا دلف بقوله:
إنما الدنيا أبو دلف
ما رواه أبو الفرج الأصفهانى بسنده عن علىّ بن جبلة قال: زرت أبا دلف بالجبل، فكان يظهر من برّى وإكرامى والتحفّى بى أمرا عظيما مفرطا حتى تأخرت عنه حياء، فبعث إلىّ معقلا وقال: يقول لك الأمير: قد انقطعت عنّى، وأظنّك قد استقللت برّى، فلا يغضبنك ذلك فإنى سأزيد فيه حتى ترضى. فقلت: والله ما قطعنى إلا الإفراط في البرّ، وكتبت إليه:
هجرتك لم أهجرك من كفر نعمة
…
وهل يرتجى نيل الزيادة بالكفر
ولكننى لمّا أتيتك زائرا
…
فأفرطت في برّى عجزت عن الشكر
فم الآن لا آتيك إلّا مسلّما
…
أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر
فإن زدتنى برّا تزايدت جفوة
…
ولم تلقنى طول الحياة إلى الحشر
فلما قرأها معقل استحسنها وقال: أحسنت والله! أمّا إن الأمير يعجبه هذا من المعانى. فلما أوصلها إلى أبى دلف قال: قاتله الله! ما أشعره وأرقّ معانيه! وأجابنى لوقته- وكان حسن البديهة حاضر الجواب-:
ألا ربّ طيف طارق قد بسطته
…
وآنسته قبل الضّيافة بالبشر
أتانى يرجّينى فما حال دونه
…
ودون القرى والعرف من نائلى سترى
وجدت له فضلا علىّ بقصده
…
إلىّ وبرّا زاد فيه على برّى
فزوّدته ما لا يدوم بقاؤه
…
وزوّدنى مدحا يدوم على الدهر
قال: وبعث بالأبيات وصيفا وبعث إلىّ معه بألف دينار. فقلت حينئذ:
إنما الدنيا أبو دلف
الأبيات.
وروى أبو الفرج عن أحمد بن عبيد الله بن عمّار قال: كنا عند أبى العبّاس المبرّد يوما وعنده فتى من ولد أبى البخترىّ وهب بن وهب، أمرد حسن الوجه،
وفتى من ولد أبى دلف البجلىّ شبيه به في الجمال. فقال المبرّد لابن أبى البخترىّ:
أعرف لجدّك قصّة ظريفة من الكرم حسنة لم يسق إليها. قال: وما هى؟ قال:
دعى رجل من أهل الأدب إلى بعض المواضع فسقوه نبيذا غير الذى يشربون منه؛ فقال فيهم:
نبيذان في مجلس واحد
…
لإيثار مثر على مقتر
فلو كان فعلك ذا في الطعام
…
لزمت قياسك في المسكر
ولو كنت تفعل فعل الكرام
…
صنعت صنيع أبى البخترى
تتّبع إخوانه في البلاد
…
فأغنى المقلّ عن المكثر
فبلغت الأبيات أبا البخترىّ فبعث إليه ثلاثمائة دينار. قال ابن عمار: فقلت وقد فعل جدّ هذا الفتى في هذا المعنى ما هو أحسن من هذا. قال: وما فعل؟
قلت: بلغه أنّ رجلا افتقر من ثروة، فقالت له امرأته، افترض في الجند، فقال:
إليك عنّى فقد كلّفتنى شططا
…
حمل السلاح وقول الدّارعين قف
تمشى المنايا إلى قوم فأكرهها
…
فكيف أمشى إليها عارى الكتف
حسبت أنّ نفاد المال غيّرنى
…
أو أنّ روحى في جنبى أبى دلف
فأحضره أبو دلف وقال: كم أمّلت امرأتك أن يكون رزقك؟ قال: مائة دينار، قال: كم أمّلت أن تعيش؟ قال: عشرين سنة. قال: فذلك لك على ما أمّلت وأمّلت امرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه. قال: فرأيت وجه ابن أبى دلف يتهلّل وانكسر ابن أبى البخترىّ. وهذه الأبيات رويت لابن أبى فنن.