الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بحديثك الحسن الذى لو كلّمت
…
وحش الفلاة به لجئن سراعا
وإذا مررت على البهار منضّدا
…
فى السوق هيّج لى إليك نزاعا
والله لو علم البهار بأنها
…
أضحت سمّيته لصار ذراعا
فقال: أصبت وأحسنت، سل حاجتك؛ فقلت: يا أمير المؤمنين، تأمر بأن يملأ هذا الكانون دراهم- وكان بين يديه كانون عظيم- فأمر به فملىء فوسع ثلاثين ألف درهم. فلمّا حصّلتها قال لى: يا ناقص الهمة، والله لو سألت أن أملأه لك دنانير لفعلت. فقلت: أقلنى يا أمير المؤمنين. قال: لا سبيل الى ذلك ولم يسعدك الجدّ به. وقد رويت هذه الحكاية في موضع آخر، وذكر أنّ الذى غنّاه غير هذا الشعر، وأن الكانون وسع ستّ بدر، فدفعها اليه.
ذكر أخبار يزيد حوراء
هو رجل من أهل المدينة من موالى بنى ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة؛ ويكنى أبا خالد. مغنّ محسن كثير الصنعة، من طبقة ابن جامع وإبراهيم الموصلىّ.
وكان ممن قدم على المهدىّ في خلافته فغنّاه. وكان حسن الصوت حلو الشمائل.
فحسده إبراهيم الموصلىّ على شمائله وإشاراته في الغناء، فاشترى عدّة جوار وشاركه [فيهنّ «1» ]، وقال له: علّمهنّ، فما رزق الله تعالى من ربح فيهنّ فهو بيننا. وأمرهنّ أن يجعلن وكدهنّ «2» أخذ إشاراته ففعلن ذلك. فكان إبراهيم يأخذها عنهنّ هو وابنه ويأمرهنّ بتعليم كل من يعرفنه ذلك حتى شهرها في الناس، فأبطل عليه ما كان منفردا به من ذلك.
قال عبد الله بن العباس الرّبيعىّ:
كان يزيد حوراء نظيفا ظريفا حسن الوجه شكلا، لم يقدم علينا من الحجاز أنظف منه ولا أشكل، وما كنت تشاء أن ترى خصلة جميلة لا تراها في أحد منهم إلا رأيتها فيه. وكان يتعصّب لإبراهيم الموصلىّ على ابن جامع، فكان إبراهيم يرفع منه ويشيع ذكره بالجميل وينبّه على مواضع تقدّمه [وإحسانه «1» ] ، ويبعث بابنه إسحاق [إليه «2» ] يأخذ عنه.
وحكى أبو الفرج بسند رفعه الى يزيد حوراء قال:
كلّمنى أبو العتاهية في أن أكلّم المهدى في عتبة؛ فقلت: إن الكلام لا يمكننى، ولكن قل شعرا أغنّيه به؛ فقال:
نفسى بشىء من الدنيا معلّقة
…
الله والقائم المهدىّ يكفيها
إنى لأيأس منها ثم يطمعنى
…
فيها احتقارك للدّنيا وما فيها
قال: فعملت فيه لحنا وغنّيته. فقال: ما هذا؟ فأخبرته خبر أبى العتاهية؛ فقال: ننظر فيما سأل؛ فأخبرت بذلك أبا العتاهية. ثم مضى شهر فجاءنى فقال: هل حدث خبر؟ قلت لا. قال: فاذكرنى للمهدىّ. فقلت: إن أحببت ذلك فقل شعرا تحرّكه به وتذكّره وعده حتى أغنّيه به؛ فقال:
ليت شعرى ما عندكم ليت شعرى
…
فلقد أخّر الجواب لأمر
ما جواب أولى بكل جميل
…
من جواب يردّ من بعد شهر
قال يزيد: فغنّيت المهدىّ، فقال: علىّ بعتبة فأحضرت؛ فقال: إن أبا العتاهية كلّمنى فيك، فما تقولين ولك عندى وله ما تحبّان مما [لا «3» ] تبلغه أمانيكما؟ فقالت:
قد علم أمير المؤمنين ما أوجب الله علىّ من حقّ مولاتى، وأريد أن أذكر هذا لها.
قال: فافعلى. قال: فأعلمت أبا العتاهية. ومضت أيام فسألنى معاودة المهدىّ؛ فقلت: قد عرفت الطريق، فقل ما شئت حتى أغنّيه به؛ فقال:
أشربت قلبى من رجائك ما له
…
عنق يخبّ إليك بى ورسيم
وأملت نحو سماء جودك ناظرى
…
أرعى مخايل برقها «1» وأشيم
ولقد تنسّمت الرّياح لحاجتى
…
فإذا لها من راحتيك نسيم
ولربما استيأست ثم أقول لا
…
إن الذى وعد النّجاح كريم
قال يزيد: فغنّيته الشعر، فقال: علىّ بعتبة فجاءت؛ فقال: ما صنعت؟ فقالت:
ذكرت ذلك لمولاتى فكرهته وأبت أن تفعل، فليفعل أمير المؤمنين ما يريد. قال:
ما كنت لأفعل شيئا تكرهه. فأعلمت أبا العتاهية بذلك، فقال:
قطّعت منك حبائل الآمال
…
وأرحت من حلّ ومن ترحال
ما كان أشأم إذ رجاؤك قاتلى
…
وبنات وعدك يعتلجن ببالى
ولئن طمعت لربّ برقة خلّب
…
مالت بذى طمع ولمعة آل
وقد حكى أبو الفرج أيضا هذه الحكاية واختصرها، ولم يذكر الأبيات التى منها
أشربت قلبى من رجائك ماله
إلا أنّه غيّر قوله: «أشربت قلبى» بقوله: «أعلمت نفسى من رجائك» . وقال:
فصنع فيه يزيد لحنا وغنّاه المهدىّ. فدعا بأبى العتاهية وقال له: أما عتبة فلا سبيل إليها، لأن مولاتها قد منعت منها، ولكن هذه خمسون ألف درهم فاشتر ببعضها خيرا من عتبة فحملت إليه، فأخذها وانصرف.