الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقيل: إنه أوّل من أخذ الغناء عن ابن مسجح. وهو أوّل من غنّى بالرّمل وما غنّى قبله. وكان ابن محرز قليل الملابسة للناس، فأخمل ذلك ذكره. وأخذ أكثر غنائه جارية كانت لصديق له من أهل مكة كانت تألفه فأخذه الناس عنها.
ومات بعلّة الجذام، وكان ذلك سبب امتناعه من معاشرة الخلفاء ومخالطة الناس.
وحكى أنه رحل إلى العراق، فلما بلغ القادسيّة لقيه حنين فقال له: كم منّتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار؛ قال: هذه خمسمائة دينار فخذها وانصرف واحلف ألّا تعود، ففعل. فلما شاع ما فعل حنين لامه أصحابه: فقال: والله لو دخل العراق ما كان لى معه خبزا آكله ولاطّرحت ثم سقطت إلى آخر الدهر. ولم أقف من أخبار ابن محرز على أكثر من هذا فأورده. والسلام.
ذكر أخبار مالك بن أبى السّمح
هو أبو الوليد مالك بن أبى السّمح. واسم أبى السمح جابر بن ثعلبة الطائى. وأمّه قرشيّة من بنى مخزوم؛ وقيل: بل أمّ أبيه [منهم»
] ؛ وقيل فيه: مالك بن أبى السمح بن سليمان. وكان أبوه منقطعا إلى عبد الله بن جعفر بن أبى طالب ويتيما في حجره أوصى به أبوه إليه. وكان مالك أحول طويلا. وأخذ الغناء عن جميلة ومعبد وعمر، وأدرك الدولة العباسيّة. وكان منقطعا إلى بنى سليمان بن علىّ، ومات في خلافة أبى جعفر المنصور.
وروى الأصفهانىّ بسنده إلى الوردانىّ، قال:
كان مالك بن أبى السمح المغنّى من طيىء، فأصابتهم حطمة «2» فى بلادهم بالجبلين،
فقدمت به أمّه وبإخوة له وأخوات أيتام لا شىء لهم. وكان يسأل الناس على باب حمزة بن الزبير. وكان معبد منقطعا إلى حمزة يكون عنده في كل يوم. فسمع مالك غناءه فأعجبه واشتهاه. وكان لا يفارق باب حمزة يسمع غناء معبد إلى الليل ولا يطوف بالمدينة ولا يطلب من أحد شيئا ولا يريم موضعه «1» ، فينصرف إلى امه ولم يكسب شيئا فتضربه، وهو مع ذلك يترنّم بألحان معبد فيؤدّيها نغما بغير لفظ.
وجعل حمزة كلما غدا أو راح رآه ملازما لبابه؛ فقال لغلامه يوما: أدخل هذا الغلام إلىّ فأدخله الغلام اليه؛ فقال له حمزة: من أنت؟ قال: غلام من طيئ أصابتنا حطمة بالجبلين فهبطنا إليكم ومعى أمّ لى وإخوة، وإنى لزمت بابك فسمعت من دارك صوتا أعجبنى ولزمت بابك من أجله. قال: فهل تعرف منه شيئا؟
قال: أعرف لحنه كلّه ولا أعرف الشعر. فقال: إن كنت صادقا إنك لفهم.
ودعا بمعبد فأمره أن يغنّى صوتا فغنّاه، ثم قال لمالك: هل تستطيع أن تقوله؟
قال نعم. قال: هاته؛ فاندفع فغنّاه فأدّى نغمه بغير شعر «2» ، يؤدّى مدّاته وليّاته وعطفاته ونبراته ومتعلقاته لا يخرم منه حرفا. فقال لمعبد: خذ هذا الغلام إليك وخرّجه فليكوننّ له شأن. قال معبد: ولم أفعل ذلك؟ قال: لتكون محاسنه منسوبة إليك وإلّا عداك إلى غيرك فكانت محاسنه منسوبة إليه. فقال معبد: صدق الأمير، وأنا أفعل ما أمرتنى به. قال حمزة لمالك: كيف [وجدت «3» ] ملازمتك لبابنا؟ قال: أرأيت إن قلت فيك غير الذى أنت له مستحقّ من الباطل أكنت ترضى بذلك؟ قال لا. قال: وكذلك لا يسرّك أن تحمد بما لم تفعل؛ قال نعم. قال: فو الله ما شبعت على بابك شبعة قط، ولا انقلبت إلى أهلى منه بخير. فأمر له ولأمّه ولإخوته بمنزل
وأجرى عليهم رزقا وكسوة وأمر لهم بخادم يخدمهم وعبد يسقيهم الماء، وأجلس مالكا معه في مجالسه، وأمر معبدا أن يطارحه فلم ينشب أن مهر. فخرج مالك يوما فسمع امرأة تنوح على زيادة الذى قتله هدبة بن خشرم- والشعر لأخى زيادة-:
أبعد الذى بالنّعف نعف كويكب
…
رهينة رمس ذى تراب وجندل
أذكّر بالبقيا على من أصابنى
…
وذلك أنّى جاهد غير مؤتلى «1»
فلا يدعنى قومى لزيد بن مالك
…
لئن لم أعجّل ضربة أو أعجّل
وإلّا أنل ثأرى من اليوم أو غد
…
بنى عمّنا فالدّهر ذو متطوّل
أنختم علينا كلكل الحرب «2» مرّة
…
فنحن منيخوها «3» عليكم بكلكل
فغنّى في هذا الشعر لحنين، أحدهما نحا فيه نحو المرأة في نوحها ورقّقه وأصلحه، والآخر نحا فيه نحو معبد في غنائه. ثم دخل على حمزة فقال له: أيها الأمير، إنى قد صنعت غناء في شعر سمعت أهل المدينة ينشدونه وقد أعجبنى، فإن أذن الأمير غنّيته. قال:
هات؛ فغنّى اللحن الذى نحا فيه نحو معبد؛ فطرب حمزة وقال: أحسنت يا غلام، هذا الغناء غناء معبد بطريقته. قال: لا تعجل أيها الأمير واسمع منّى شيئا ليس من غناء معهد ولا طريقته؛ فغنّاه اللحن الذى تشبّه فيه بنوح المرأة. فطرب حمزة حتى ألقى عليه حلّة كانت عليه قيمتها مائتا دينار. ودخل معبد فرأى حلّة حمزة على مالك فأنكرها. وعلم حمزة بذلك فأخبر معبدا بالسبب، وأمر مالكا فغنّاه الصوتين. فغضب معبد لمّا سمع الصوت الأوّل وقال: قد كرهت أن آخذ هذا الغلام فيتعلّم غنائى فيدّعيه
لنفسه. فقال حمزة: لا تعجل واسمع غناء [صنعه «1» ] ليس من شأنك ولا غنائك، وأمره أن يغنّى الصوت الآخر فغنّاه، فأطرق معبد. فقال له حمزة: والله لو انفرد بهذا لضاهاك ثم تزايد على الأيام، وكلما كبر وزاد شخت أنت وانتقصت، فلأن يكون منسوبا إليك أجمل. فقال له معبد وهو منكسر: صدق الأمير. فأمر حمزة لمعبد بخلعة من ثيابه وجائزة حتى سكن وطابت نفسه. فقام مالك على رجليه وقبّل رأس معبد وقال له: يا أبا عبّاد، أساءك ما سمعت منى؟ والله لا أغنّى لنفسى شيئا أبدا ما دمت حيّا! وإن غلبتنى نفسى فغنّيت في شعر استحسنته لا نسبته إلا إليك، فطب نفسا وارض عنّى. فقال له معبد: أتفعل هذا وتفى به؟ قال: إى والله وأزيد. فكان مالك إذا غنّى صوتا وسئل عنه قال: هذا لمعبد، ما غنّيت لنفسى شيئا قط، وإنما آخذ غناء معبد فأنقله إلى الأشعار وأحسّنه وأزيد فيه وأنقص منه. وحضر مالك بن أبى السّمح عند يزيد بن عبد الملك مع معبد وابن عائشة فغنّوه، فأمر لكلّ واحد منهم بألف دينار.
وحكى عن ابن الكلبىّ قال: قال الوليد بن يزيد لمعبد:
قد آذتنى ولولتك هذه، وقال لابن عائشة: قد آذانى استهلالك هذا، فاطلبا لى رجلا يكون مذهبه متوسّطا بين مذهبيكما. فقالا له: مالك بن أبى السمح؛ فكتب فى إشخاصه إليه وسائر من بالحجاز من المغنّين. فلما قدم مالك على الوليد بن يزيد فيمن معه نزل على الغمر بن يزيد، فأدخله على الوليد فغنّاه فلم يعجبه. فلما انصرف قال له الغمر: إنّ أمير المؤمنين لم يعجبه شىء من غنائك، فقال له: جعلنى الله فداك! اطلب لى الإذن عليه مرّة أخرى، فإن أعجبه شىء ممّا أغنّيه وإلا انصرفت إلى بلادى. فلما جلس الوليد في مجلس اللهو ذكره الغمر له؛ فأذن له فشرب مالك