الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وخرج تعبا نصبا، وأعقبه ذلك مرضا شديدا أشرف منه على الموت، وعاهد الله ألّا يعود الى كلام الجارية، فلم تر منه بعد ذلك شيئا تكرهه. قال: وتعشّى عبد الله ليلة ومعه رجل من الأنصار، فوقع حجر في الدار ووقع آخر وثالث؛ فقال للجارية:
اخرجى فانظرى: أذّنوا المغرب أم لا؛ فخرجت وجاءت بعد ساعة، وقالت: قد أذّنوا وصلّوا. فقال الرجل الذى كان عنده: أليس قد صلّينا قبل أن تدخل الجارية؟
قال: بلى، ولكن لو لم أرسلها تسأل عن ذلك لرجمنا الى الغداة، أفهمت؟! قال:
نعم، قد فهمت. قال وسمع عبد الله بن أبى عتيق قول عمر بن أبى ربيعة.
من رسولى الى الثّريّا فإنى «1»
…
ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
فركب بغلته من المدينة، وسار يريد مكة، فلما بلغ ذا الحليفة «2» قيل له: أحرم؛ قال:
ذو الحاجة لا يحرم، وجاء حتى دخل على الثريّا. فقال لها: ابن عمك يقول:
ضقت ذرعا بهجرها والكتاب
ثم ركب بغلته وعاد.
ذكر شىء من مجون الأعراب
سئل أعرابىّ عن جارية له يقال لها زهرة، فقيل له: أيسرّك أنك الخليفة وأن زهرة ماتت؟ فقال: لا والله! تذهب الأمة وتضيع الأمّة. وجد أعرابىّ مرآة وكان قبيح الصورة، فنظر فيها فرأى وجهه فاستقبحه، فرمى بها وقال: لشرّ ما طرحك أهلك. وقيل لأعرابىّ: لم يقال: باعك الله في الأعراب؟ فقال: لأنّا نجيع كبده، ونعرى جلده، ونطيل كدّه. وتزوّج أعرابىّ على كبر سنه، فقيل له
فى ذلك؛ فقال: أبادره باليتم، قبل أن يبادرنى بالعقوق. ومرّ أعرابىّ وفي يده رغيف برجل في يده سيف، فقال: بعنى هذا السيف بهذا الرغيف؛ فقال: أمجنون أنت؟ فقال الأعرابىّ: ما أنكرت منى؟ أنظر أيهما أحسن أثرا في البطن.
وحكى أن المهدىّ خرج للصيد فغلبه فرسه حتى انتهى به الى خباء لأعرابىّ، فقال: يا أعرابىّ، هل من قرى؟ قال نعم، وأخرج له فضلة من خبز ملّة فأكلها وفضلة من لبن فسقاه، ثم أتى بنبيذ في زكرة «1» فسقاه قعبا «2» . فلما شرب قال: أتدرى من أنا؟
قال: لا والله. قال: أنا من خدم الخاصّة؛ قال: بارك لك الله في موضعك.
ثم سقاه آخر؛ فلمّا شربه قال: أتدرى من أنا؟ قال: نعم، زعمت أنك من خدم الخاصة؛ قال: بل أنا من قوّاد أمير المؤمنين؛ فقال له الأعرابىّ: رحبت بلادك؛ وطاب مزادك ومرادك. ثم سقاه قدحا ثالثا؛ فلما فرغ منه قال: يا أعرابىّ، أتدرى من أنا؟ قال: زعمت أخيرا أنك من قوّاد أمير المؤمنين؛ قال: لا ولكنى أمير المؤمنين. فأخذ الأعرابىّ الزكاة فأوكاها «3» وقال: والله لئن شربت الرابع لتقولنّ:
إنك لرسول الله؛ فضحك المهدىّ. ثم أحاطت بهم الخيل، فنزل أبناء الملوك والأشراف؛ فطار قلب الأعرابىّ؛ فقال له المهدىّ: لا بأس عليك! وأمر له بصلة. فقال: أشهد أنك صادق، ولو ادّعيت الرابعة لخرجت منها.
ودخل أعرابىّ على يزيد بن المهلّب وهو على فرشه والناس سماطان، فقال:
كيف أصبح الأمير؟ قال يزيد: كما تحبّ. فقال الأعرابىّ: لو كنت كما أحبّ كنت أنت مكانى وأنا مكانك؛ فضحك يزيد.