الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فقال: بكم.
قال: بدينارين.
قال: على شرط أنك لا تسرقها.
قال: نعم.
فأعطاه دينارين، فلم يعد الخادم يسرق بعدها شيئاً لما رأى من حلمه، والله أعلم.
الطفيلي الأديب والمأمون
وروى بعض أهل الأدب أن فتى من أهل الكوفة قد فاق أهل زمانه في الأدب والبيان والفصاحة باللسان ناقداً في صناعته، حافظاً للأقدار، راوياً للأشعار، خبيراً بسير الملوك في الأيام السالفة، بصيراً بالبحث عن أمورهم في الأيام الآنفة، حاذقاً في التصنيف، فائقاً في التأليف، صبيح الوجه، مقبول المشاهد، حلو الشمائل، وكان مع ذلك لا يتوجه له وجه من العمل إلا عارضه فيه عائق، وحال دونه حائل وقدر سابق، فبقي حيناً من الدهر، وقد برز في القدر والمال والجاه من كان عنده في الصناعة متأخراً، فضاق صدره وعيل صبره وضلت وّمقاليده، فخرج إلى بغداد واكترى في بعض خاناتها منزلاً وأجمع رأيه على أن يحمل نفسه على خطب هائل ليكون فيه هلكه أو ملكه، وتربص لذلك أن يرى وجهاً إلى أن عزم أمير المؤمنين أن يشرب يوماً هو وصنوه المعتصم، فأمر المأمون بالاستعداد ليوم سماه ليخلو فيه مع الجواري، منفردين عن سائر الندماء، فظهر خبرهما بذلك. وعرف الناس ذلك اليوم الذي عزم عليه، فعزم هذا الأديب المذكور على أن يتطفل في ذلك على المأمون وأخيه المعتصم، فمضى إلى إخوانه وأًصدقائه فاستعار من هذا قباء وجبة وردية، ومن آخر منطقة وخفاً وسيفاً، ومن آخر برذوناً، ومن آخر ما يحتاج إليه من الطيب واستعد لذلك اليوم، ودخل الحمام سحراً، وتطيب، ولبس وركب عند طلوع الشمس إلى دار المعتصم وقال للحاجب: عرف الأمير أني رسول أمير المؤمنين واستأذن لي عليه.
فسعى الحاجب عدواً حتى أخبر المعتصم، فأذن له. فلما دخل عليه، وتمثل بين يديه، قال له: سيدي إن أمير المؤمنين يقرئك السلام ويقول لك: أنسيت الوعد، ألم يقدم إليك بالركوب لنخلو ونستريح يومنا هذا؟ قال المعتصم: لا والله ما نسيت ذلك، ولكن
تربصت ساعة. ونمت نوماً لأتقوى بذلك على انتصاب سائر النهار.
فقال الفتى: فعجل الآن أيها الأمير، فإنه أمرني أن لا أفارقك حتى آتيه بك.
فأمر المعتصم بإسراج مركوبه وأسرع في التأهب، ولبس ثيابه وتطيب وركب الفتى معه، والمعتصم لا ينكر شيئاً من كلام الفتى ويتأمل لطافته وهيئته، ولم يتوهم إلا نه من بعض خواص المأمون، وأخذ الفتى يحدث المعتصم وأقبل عليه بكليته، ولم يتمكن من سؤاله شهوة لاستماع حديثه، حتى بلغ باب الخليفة فألقى الفتى نفسه عن دابته، وأخذ يمشي بين يديه، والحجاب لا ينكرون منه شيئاً ويظنون نه من خدم المعتصم، حتى نزل المعتصم، وأخذ الفتى بركابه، ودخل المجلس، فلما استقر المعتصم في مجلسه جلس الفتى بين يديه، وهو منهمك في نوادره وأخباره والمعتصم مصغ إليه تعجباً مما يسمع من حسن كلامه، وأخبر المأمون أن المعتصم قد وصل ومعه رقيق لا يعرف من هو.
فقال المأمون: أخي قد عرف أن هذا المجلس اتفقنا عليه لا ينبغي أن يحضره أحد من الناس إلا من هو عديل النفس. وقد أحسن أخي إذ جعل لنا ثالثاً، فإن المجلس إذا لم يحضره أكثر من اثنين تعطل لقيام أحدهما إلى الصلاة وإلى ما لا بد منه، ثم خرج من ساعته فرحاً وليس له همة إلا تصفح وجه الغلام واستنطاقه واعتبار قده وعقله، فلما استقر على سرير ملكه والفتى عالم بما وقع في نفس المأمون نهض قائماً فقبل يد المأمون، وعاد إلى مجلسه وأخذ في نوادره وحديثه ومضحكاته وحسن أخباره وغرائب أشعاره كأنه يغرف من بحر، وهو مع ذلك يوهم المأمون أنه من خواص المعتصم. فساعة يكنيه وساعة يسميه حتى غلب على قلب المأمون، وأظهر الحسد لأخيه في صحبة مثل هذا الغلام وكلامه، وأمر المأمون بإحضار المائدة، فنصبت بأنواع الطعام، فأكلوا وغسلوا أيديهم، ولمجلس الشراب انتقلوا، وأمر المأمون بإحضار الجواري من غير ستارة، فحضرن وأخذن في الغناء، فما من صوت يمر إلا والفتى عارف به، وبالغناء، ومتى قيل وفيمن قيل، فعز في عين المأمون حتى ملأ عينه، وتزايد حسده لأخيه في صحبة مثله فمس الفتى بولٌ، ولم يجد للمدافعة سبيلاً، فقام وهو متيقن أنهما سيذكرانه، ويتواصفان أمره وحاله، إذا خلا المجلس، فما هو إلا أن غاب من بين أيديهما حتى قال المأمون لأخيه المعتصم يا أبا إسحاق من صاحبك هذا؟ فوالله ما رأيت رجلاً قط أكثر منه أدباً ولا أنظف هيئة ولا اشرف من شمائله.
فقال المعتصم: والله ما أعلم من هو، وإنما جاءني مبكراً برسالة أمير المؤمنين.
فقال المأمون: سألتك بالله يا أخي أهو كذلك؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو.
فقال المأمون: طفيلي، ورب الكعبة، وغضب وأمر الجواري بالنهوض، فنهض وأقبل الفتى راجعاً فلما نظر إلى خلو المجلس من الجواري وإلى تغير وجه المأمون، وقف على رأس المجلس وأقبل بوجهه على المعتصم وقال: يا أبا إسحاق! كأني بك قد أخذت في نوع الزور والبهتان، وهذا المجلس من المجالس التي لا تحمل المزاح، وما هكذا وعدتني. ثم قل: والله يا أمير المؤمنين، ما بليت من أحد من الناس مثل ما بليت من هذا لأنه دائماً أبداً يعرضني لمثل هذا وأشباهه، ويغري بي ويوقعني في كل ورطة.
ثم أقبل على المعتصم وقال: يا أبا إسحاق، سألتك بالله وبحق أمير المؤمنين إلا ما أعفيتني من ملاعبتك التي لا تحتمل وتؤدي إلى مؤاخذة أمير المؤمنين.
ولم يزل يأتي بهذا وأمثاله حتى شك المأمون في أمره والتفت إلى أخيه المعتصم وقال: سألتك بالله يا أخي، بحياتي عليك إلا ما علمتني بحقيقة أمره؟ فقال المعتصم: يا أمير المؤمنين برئت من ذمة الله ورسوله ومن حياتك وولايتك إن كنت عرفه أو رأيته قط إلا في يومي هذا.
فقال الفتى: كذب والله يا أمير المؤمنين لقد كنت معه دهري الطويل وفي موضع كذا وكذا، وإن هذا فعله معي أبداً.
فضحك المأمون تعجباً، وقال: ادخل فدخل، وأمره بالجلوس فجلس، ثم قال لك الأمان إن صدقتني.
فصدقه الحديث على وجهه فأعجب من حسن منطقه ولطف مدخله ودقيق تصرفه وأمر بإعادة الجواري إلى مجلسهن، فطربوا سائر يومهم. فقال له المأمون: أخبرني بأعجب ما لحقك في قدومك من الكوفة إلى بغداد واجعله نظماً ولا تكتم عني شيئاً.
فقال: نعم، ثم أنشأ يقول:
بينا أنا راقد في البيت مكتئب
…
مفكر في حصول الكد والقوت
وليس في البيت لي شيء ألم به
…
وبي من الجوع ما يدني إلى الموت
إذا بصوت بباب الدار أسمعه
…
والأذن مصغية مني إلى الصوت
ناديت من ذا الذي أرجوه لي فرجاً؟
…
نادى: أنا فرجٌ زن لي كرا البيت
فضحك المأمون حتى استلقى على فراشه، ثم ضرب برجله الأرض من شدة إعجابه وقال: ثم ماذا؟ قال: يا أمير المؤمنين فخرجت فإذا هو صاحب الخان يطالبني بالكراء، فوعدته بأن يرجع إلي مرة أخرى، فمضى ومضيت على وجهي لا أعلم أين أتوجه، فسألت كل من لقيته من صديق لي كنت أستأنس به فخطر على بالي بيتان من الشعر في ذلك وهما.
غريب الدار ليس له صديقٌ
…
جميع سؤاله: أين الطريق؟
تعلق بالسؤال لكل شخصٍ
…
كما يتعلق الرجل الغريق
فأشرفت يا أمير المؤمنين علي جارية كأنها البدر ليلة كماله، وهي تقول:
ترفق يا غريب فكل حر
…
يمر بحاله سعةٌ وضيق
وكل ملمةٍ إن أنت فيها
…
صبرت لها أتيح لها طريق
ثم قالت: خذ هذه فادفع بها فاقتك، فوالله ما هي إلا مؤاساة من قوت، ورمت إلى صدري بقرطاس، وإذا فيه عشرة دراهم، فرجعت من فوري، فوجدت صاحب الكراء قائماً على الباب، فدفعت إليه خمسة دراهم، واستعنت بالباقي إلى أن وقعت هذه القصة، وهذا الأمر الذي كلفني وحملني على ما فعلت وأنشأ يقول:
لم آتِ فعلاً غير مستحسن
…
جهلاً بفعل الأحسن الأملح
لكنني في حالة أوجبت
…
ضرورة إتيان مستقبح
فأعجب المأمون أمره واستحسنه وأمر له بمائة ألف درهم يصلح بها شأنه وألحقه بمراتب الخاصة، ورفعت منزلته، وصار أقرب الناس إليه، وآخر خارج من عنده وأول داخل إليه، وسمي طفيلي المعتصم، وأنشد للمأمون يوماً يقول:
كانت لقلبي أهواء مفرقة
…
فاستجمعت مذ رأتك العين أهوالي
تركت للناس دنياهم ودينهم
…
شغلاً بذكرك عن ديني ودنيائي
وصار يحسدني من كنت أحسده
…
وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي
فاستحسن المأمون الأبيات، وأمر بكتبها على الستارة، وصار الفتى إذا حضر يوم سرور المأمون لم يكن للمأمون هم إلا اقتراح هذه الأبيات إلى أن ينقضي المجلس، ثم إن الفتى بعد أن حسنت حالته، أرسل إلى الدار التي أشرفت عليه منها الجارية، فإذا هي