الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلافة موسى الهادي بن محمد
لم أر فيه شيئاً ومن رأى فيه شيئاً فليضعه.
قال بعض الفضلاء: من حيث أن المؤلف أمر بأن من رأى فيه شيئاً فليضعه، فرأيت هذا النذر اليسير مذكوراً في تاريخ الإسحاقي فأحببت ذكره امتثالاً لأمره، فقلت:
الهادي والخارجي
ذكر صاحب الكردان: أن الهادي كان يوماً في بستان يتنزه على حمار، ولا سلاح معه وبحضرته جماعة، من خواصه وأهل بيته، فدخل عليه حاجبه وأخبره أن بالباب بعض الخوارج له بأس ومكايد، وقد ظفر به بعض القواد فأمر الهادي بإدخاله فدخل عليه بين رجلين قد قبضا على يديه. فلما أبصر الخارجي الهادي جذب يديه من الرجلين واختطف سيف أحدهما وقصد الهادي ففر كل من كان حوله وبقي وحده، وهو ثابت على حماره، حتى إذا دنا منه الخارجي وهم أن يعلوه بالسيف أومأ إلى وراء الخارجي وأوهمه أن غلاماً وراءه وقال: يا غلام اضرب عنقه، فظن الخارجي أن غلاماً وراءه والتفت الخارجي، فنزل الهادي مسرعاً عن حماره فقبض على عنق الخارجي وذبحه بالسيف الذي كان معه، ثم عاد إلى ظهر حماره من فوره، وأتباع الهادي ينظرون إليه ويتسللون عليه وقد ملئوا منه حياءً ورعباً، فما عاتبهم ولا خاطبهم في ذلك بكلمة، ولم يفارق السلاح بعد ذلك اليوم، ولم يركب إلا جواداً من الخيل. فانظر إلى هذا المقدار في ثبات جأش الملوك، فإنه قل من يفعل ذلك، وهذه مرتبة لم يصل إليها أحد إلا نادراً.
الهادي وحبه لغادرة
حكي عبد الحق أنه قال مما ابتلي به الهادي من المحبة أنه كان مغرماً بجارية تسمى غادراً، وكانت من أحسن النساء وجهاً وأطيبهم غناءً، اشتراها بعشرة آلاف دينار، فبينما هو يشرب مع ندمائه إذ فكر ساعة وتغير لونه وقطع الشراب، فقيل له: ما بال أمير المؤمنين؟ قال: وقع في قلبي أني أموت وأن أخي هارون بلي الخلافة ويتزوج غادراً فامضوا وأتوني برأسه.
ثم رجع عن ذلك وأمر بإحضاره، وحكى له ما خطر بباله فجعل هارون يترفق به، فقال: لا أرضى حتى تحلف علي بكل ما أحلفك به أني إذا مت لا تتزوج بها. فرضي
بذلك وحلف إيماناً عظيمة، ودخل إلى الجارية وحلفها أيضاً على مثل ذلك، فلم يلبث بعد ذلك سوى شهر ومات وولي الخلافة هارون الرشيد فطلب الجارية فقالت: يا أمير المؤمنين كيف تصنع بالإيمان؟ فقال: قد كفرت عنك وعني.
ثم تزوج بها ووقعت في قلبه موقعاً عظيماً وافتتن به أعظم من أخيه الهادي حتى كانت تسكر وتنام في حجره فلا يتحرك ولا ينقلب. فبينما هون في بعض الليالي وهي في حجره نائمة إذا بها انتبهت فزعة مرعوبة. فقال لها: ما بالك فديتك؟ قالت: رأيت أخاك الهادي الساعة في النوم فأنشدني هذه الأبيات:
أخلفت عهدي بعدما
…
جاوزت سكان المقابر
ونسيتني، وحنثت في
…
إيمانك الزور الفواجر
ونكحت غادرة أخي
…
صدق الذي سماك غادر
لا يهنك الإلف الجدي؟
…
د ولا تدر عنك الدوائر
ولحقتني قبل الصبا - ح وصرت حيث غدوت صائر قالت: ثم ولى عني وكأن الأبيات مكتوبة في قلبي ما نسيت منها كلمة.
فقال لها: هذه أحلام الشيطان.
فقالت: كلا، والله يا أمير المؤمنين. ثم اضطربت بين يديه وماتت في تلك الساعة، ولا تسأل عن هارون الرشيد وما لقي بعدها.