المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الرشيد والخليفة الثاني الكاذب - نوادر الخلفاء = إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس

[الإتليدي]

فهرس الكتاب

- ‌بسم الله الرحمن الرحيممقدمة المؤلف

- ‌عمر والعجوز المدينية

- ‌عمر والشاب القاتل وأبو ذَرّ

- ‌عمر والهرمزان

- ‌خبر جبلة بن الأيهملما هرب من عمر إلى هرقل وتنصر

- ‌القوي الفاجر

- ‌أجبن وأحيل وأشجع من لقي

- ‌يقتلع ذنب البعير

- ‌عبد الله بن رواحة وجاريته

- ‌أول دولة بني أمية

- ‌معاوية بن أبي سفيانرضي الله عنه

- ‌الأجوبة الهاشمية

- ‌معاوية والحسن

- ‌معاوية والطرماح بن الحكم

- ‌معاوية والأحنف بن قيس

- ‌معاوية وسودة الأسدية

- ‌معاوية وميسون الكلبية

- ‌ملك فارس والبوم الواعظ له

- ‌العاشق ذو المروءة

- ‌جعفر بن سليمان والعاشقان

- ‌في أيام دولة عبد الملك بن مروان

- ‌شجرة العروسين

- ‌العاشق الكتوم

- ‌تولية الحجاج للعراق

- ‌كيف ولد الحجاج

- ‌الحجاج والأعرابي

- ‌الحجاج والفتى المحدث

- ‌الأعرابي وحلوى الحجاج

- ‌علموا أولادكم الأدب

- ‌الحجاج والأسرى

- ‌الحجاج والمرأة الحرورية

- ‌الحجاج وهند بنت النعمان

- ‌الحجاج وقتله لسعيد بن جبير

- ‌خلافة الوليد بن عبد الملك بن مروان

- ‌خلافة سليمان بن عبد الملك بن مروان

- ‌صفات سليمان بن عبد الملك

- ‌سليمان والدلفاء

- ‌جابر عثرات الكرام

- ‌خلافة عمر بن عبد العزيزرضي الله عنه

- ‌عمر والشعراء

- ‌خلافة هشام بن عبد الملك بن مروانالوليد بن هشام ويونس الكاتب والجارية

- ‌هشام وزين العابدين والفرزدق

- ‌هشام والغلام الفصيح

- ‌عروة بن أذنية وهشام بن عبد الملك

- ‌ابتداء الدولة العباسية

- ‌أبو دلامة والسفاح

- ‌راعي الذمم

- ‌مفاخرة اليمن ومضر

- ‌خلافة أبي جعفر المنصور

- ‌حاج يعظ المنصور

- ‌القاضي ابن أبي ليلى والمنصور

- ‌الأمير الأموي وملك النوبة

- ‌بليتان. المنصور والطاعون

- ‌أبي هرمة والخمر

- ‌الرجل الثبت الجنان

- ‌خلاقة المهديالرؤيا الصالحة

- ‌المهدي والأعرابي

- ‌أبو نواس وجارية بنت المهدي

- ‌الشاعر المجنون

- ‌خلافة موسى الهادي بن محمد

- ‌الهادي والخارجي

- ‌الهادي وحبه لغادرة

- ‌خلافة هارون الرشيد بن محمد المهدي

- ‌هارون والأعرابي

- ‌ليلة عظيمة

- ‌الرشيد والمستقية

- ‌الضيف الطارق

- ‌هارون والجارية السكرى

- ‌الرشيد وجارية الخيزران

- ‌الأصمعي والجارية

- ‌إبراهيم الموصلي وإبليس

- ‌الرشيد وإسماعيل بن صالح

- ‌أعرابي يزاحم الرشيد

- ‌الحسين الخليع والجارية العاشقة

- ‌جميل والفتى العذري وحبيبته

- ‌إسحاق الموصلي وإبليس

- ‌إبليس يزور أبا نواس

- ‌إبليس والشعراء

- ‌الرشيد وأبو نواس وأبو طوق

- ‌الرشيد والرجل الأموي

- ‌الرشيد والخليفة الثاني الكاذب

- ‌الرشيد وجارية جعفر

- ‌هجرتك وزرتك

- ‌المجنون العاقل

- ‌الست بدور والأمير عمرو

- ‌من هم البرامكة

- ‌منزلة جعفر عند الرشيد

- ‌الفتى العاشق وجعفر

- ‌الوزير أبو عامر والملك الناصر والغلامحكاية أجنبية

- ‌سبب قتل البرامكة وما وقع لهم مع الرشيد

- ‌أحسن ما رأى جعفر

- ‌أعظم ما مر به

- ‌موت يحيى البرمكي

- ‌رأي الموصلي بالبرامكة

- ‌منتهى الكرم للبرامكة

- ‌فقر البرامكة وذلهم

- ‌من أقوال البرامكة

- ‌الرشيد يبكي على البرامكة

- ‌الرشيد وذقن أبي نواس

- ‌يضرب الشاة الحد

- ‌الرشيد يأمر بقتل أبي نواس

- ‌تغفر ذنوبه بأبياتٍ

- ‌هذه حكاية العجمي والكرديوما جرى بينهما على يد القاضي بسبب الجراب

- ‌معن بن زائدة الشيباني

- ‌خلافة المأمون بن هارونالرشيد واسمه عبد الله

- ‌المأمون والورد

- ‌من يفعل الخير لا يعدم جوازيه

- ‌المأمون وزنبيل بوران

- ‌المأمون وجارية أبيه

- ‌المأمون والفتاة العربية

- ‌أخلاق المأمون

- ‌حلم المأمون

- ‌الطفيلي الأديب والمأمون

- ‌رقة قلب المأمون

- ‌المأمون ونذير الشؤم

- ‌المأمون ومدعي النبوة

- ‌أبو نواس والغلام الجميل والقاضي

- ‌المأمون ويحيى بن أكثم

- ‌سليب العقل لا الدين سكرة القاضي ابن أكثم

- ‌إبراهيم بن المهدي والمأمون

- ‌صيد الجواري

- ‌حيل الجواري

- ‌المأمون وزبيدة أم الأمين

- ‌المأمون والشاعر

- ‌إبراهيم بن المهدي وصاحبة المعصم

- ‌المعتصم وتميم بن جميلمن لطائف الحكايات

- ‌مخارق المغني والجارية الحسناء

- ‌حكاية غريبة

- ‌خلافة أمير المؤمنين الواثق بالله تعالى

- ‌الضب الناطقفائدة

- ‌ابن آدم

- ‌خلافة المتوكل على الله تعالى

- ‌يعفو عن الرأس والذنب

- ‌صرت من السجن

- ‌خلافة أمير المؤمنين المعتصم بالله أحمد

- ‌صاحب المغرب وصاحب طليطلة

- ‌الصعيدي والفرنجية

- ‌إن من البيان لسحراً

- ‌هذه القصيدة الزينبية

- ‌الخوارج كلاب النار

- ‌سارق الجمل

- ‌جاريتان برواية شعر

- ‌جارية ثمن إعراب بيت

- ‌الاسم الأعظم

- ‌‌‌فائدة

- ‌فائدة

- ‌فائدة

- ‌بهرام جور والرماية

- ‌حكاية في القطا

- ‌يا جامع الناس

- ‌‌‌الملك والمرأة العفيفة

- ‌الملك والمرأة العفيفة

- ‌‌‌فائدة

- ‌فائدة

- ‌فائدة عظيمة

- ‌‌‌فائدة

- ‌فائدة

- ‌دعاء

- ‌سك النقود في الإسلام

- ‌منام صادق

- ‌الذكاء والفهم

- ‌أبو حنيفة وجاره الإسكافي

- ‌دواء للصداع

- ‌فائدة

- ‌حكاية الهامة

- ‌فائدة

- ‌الحاكم بأمر الله وصاحب البستان

- ‌سخاء البرامكة

- ‌إسحاق الموصلي يتطفل

- ‌يزيد والأحوص بن جعفر

- ‌الرشيد في منزل إبراهيم الموصلي

- ‌الفخ والعصفور

- ‌إحدى النصائح

- ‌ابن الخياط والمهدي

- ‌الإمام أحمد بن حنبل ومناقبهرضي الله تعالى عنه

- ‌السكران والجلاد

- ‌من كلام الشافعي رضي الله عنه

- ‌رياض نجد

- ‌دار الحبيب

- ‌أنت ومالك لأبيك

- ‌الأصمعي في بلدة خراب

- ‌عدل ابن طولون

الفصل: ‌الرشيد والخليفة الثاني الكاذب

راجعاً كما سيرته حتى إذا وصلت إلى مجلسه الذي أخذته منه فودعه وانصرف.

قال منارة: فما زلت معه حتى انتهى إلى محله، ففرح به أهله وأعطاني عطاء جزيلاً وانصرفت، والله أعلم، وهذه الحكاية على سبيل الاختصار.

‌الرشيد والخليفة الثاني الكاذب

حكي أن الخليفة هارون الرشيد قلق في بعض الليالي قلقاً شديداً فاستدعى بوزيره جعفر البرمكي وقال له: يا وزيري إن صدري ضيق ومرادي الليلة التفرج في شوارع بغداد والنظر في مصالح العباد بشرط أن لا يعرفنا أحد من الناس ونتزيا بزي تجار الأكياس.

فقال له الوزير: السمع والطاعة.

فقاموا في الوقت والساعة وقلعوا ما عليم من ثياب الملك والافتخار ولبسوا ثياب التجار: الخليفة والوزير جعفر ومسرور السياف الأكبر، وتمشوا من مكان إلى مكان حتى وصلوا إلى الدجلة فرأوا بالأمر المقدور شيخاً قاعداً في شختور، فتقدموا إليه وسلموا عليه، وقالوا: يا شيخ، نشتهي من فضلك وإحسانك أن تفرجنا الليلة في مركبك، وخذ هذين الدينارين أجرتك انتفع بهما.

فقال لهم الشيخ: ومن يقدر على الفرجة، والخليفة هارون الرشيد ينزل كل ليلة في حراقة صغيرة إلى الدجلة ومعه مناد ينادي: يا معشر الناس كافة من جيد ورديء شيخ وصبي خاص وعام عبد وغلام، كل من نزل في مركب بالليل وشق الدجلة ضربت عنقه أو يشنق على صاري مركبه، وكأنكم الساعة بالحراقة وهي مقبلة.

فقال له الخليفة هارون الرشيد وجعفر البرمكي: يا شيخ خذ هذين الدينارين وادخل بنا قبواً من هذه الأقبية إلى أن تروح الحراقة.

فقال لهم الشيخ: هاتوا الذهب والله المستعان.

فأخذ الذهب وعوم بهم قليلاً، وإذا بالحراقة قد أقبلت من كبد الدجلة وفيها الشموع والمشاعل فقل لهم الشيخ: أما قلت لكم! يا ستار لا تكشف الأستار؟

فدخل إلى قبو ووضع عليهم مئزراً أسود، وصاروا يتفرجون من تحت المئزر، وإذا بالحراقة قد أقبلت والشمع يوقد فيها، وإذا في مقدم الحراقة مشاعلي بيده مشعل من

ص: 136

الذهب الأحمر يوقد فيه بالعود القاقلي وعلى المشاعلي قباء أطلس أحمر بطراز مزركش أصفر وعلى رأسه شاش موصلي وعلى كتفيه مخلاة من الحرير الأخضر ملأى من العود القاقلي. وهو يوقد به عوض الحطب، ومشاعلي آخر في مؤخر الحراقة مثله، ومائتا مملوك واقفون ميمنة ومسيرة، وكرسي منصوب من الذهب الأحمر وعليه شاب حسن جالس كالقمر وعليه خلعة سوداء بطرازين من الذهب الأصفر، وبين يديه إنسان كأنه الوزير جعفر. وعلى رأسه خادم واقف كأنه مسرور بسيف مشهر، وعشرون نديماً. فقال الخليفة: يا جعفر.

قال: لبيك، أمير المؤمنين.

قال: لعل أن يكون هذا أحد أولادي إما المأمون أو محمد الأمين.

فلما وصلت الحراقة إليهم وإذا بالمشاعلي ينادي: معاشر الناس كافة الخاص والعام، الجيد والرديء والعبد والغلام، جهاوات وغير جهاوات قد رسم خليفتنا هذا أن كل من تفرج في الدجلة أو فتح طاقته حل ماله وضربت رقبته ومن لا يصدق يجرب.

قال: فتأمل الخليفة هارون الرشيد في الشاب وهو جالس على كرسي من الذهب قد كمل بالحسن والجمال والبهاء والكمال فلما تأمله هارون الرشيد التفت إلى الوزير وقال: يا وزير.

قال له: لبيك يا أمير المؤمنين.

قال: والله ما أبقى شيئاً من شكل الخلافة، وهذا الذي بين يديه كأنه أنت يا جعفر لا محالة، والخادم الذي على رأسه كأنه مسرور، هذا، وهؤلاء الندماء كأنهم ندمائي، وقد حار عقلي في هذا الأمر.

فقال له الوزير: وأنا والله يا أمير المؤمنين كذلك.

ثم تقدمت الحراقة إلى أن غابت عن العين فعند ذلك خرج الشيخ بالشختور الذي فيه الجماعة من تحت القبوة. وقال: الحمد لله على السلامة، فإنه لم يصادفنا.

فقال له الخليفة: يا شيخ! وهذا الخليفة ينزل كل ليلة الدجلة؟ قال: نعم يا سيدي، له على هذه الحالة سنة كاملة.

فقال له الخليفة: يا شيخ! نشتهي من فضلك وإحسانك أن تقف لنا ليلة غد في هذه المكان، ونحن نعطيك خمسة دنانير، فإنا قوم غرباء وقصدنا التنزه، ونحن نازلون في الفندق.

ص: 137

فقال الشيخ: السمع والطاعة.

ثم إن الخليفة وجعفراً ومسروراً توجهوا من عند الشيخ المراكبي إلى القصر وقلعوا ما عليهم من لبس التجار ولبسوا ثياب الملك والافتخار، وجلس كل واحد في مرتبته، ودخلت الأمراء والحجاب والنواب. وانعقد المجلس بالناس، ولما انقضى النهار وتفرقت الأجناد قال الخليفة هارون الرشيد لوزيره: يا جعفر! انهض بنا للفرجة على الخليفة الثاني.

فضحك جعفر ومسرور، ولبسوا لبس التجار وخرجوا منشرحي الصدور، وكان خروجهم من باب السر، فلما وصلوا إلى الدجلة وجدوا الشيخ صاحب الشختور لهم في الانتظار فنزلوا عنده في المركب. فلما استقروا مع الشيخ المراكبي، وإذا بالخليفة الثاني في الحراقة، وقد أقبلت عليهم فتأمولها وإذا فيها مائتا مملوك غير المماليك الأول والمشاعلية تنادي على عادتهم، فقال الخليفة: يا وزير، هذا شيء لو سمعت به ما صدقت، ولكن رأيت هذا عياناً.

ثم إن الخليفة قال لصاحب الشختور: يا شيخ! هذه عشرة دنانير وسر بنا في مساواتهم، فإنهم في النور ونحن في الظلام ننظرهم ونتفرج عليهم. وهم لا ينظروننا.

فأخذ الشيخ العشرة دنانير وأطلق الشختور في مساواتهم وصار في ظلام الحراقة، ولم يزالوا سائرين في أثرهم إلى آخر البساتين، وإذا بزريبة بطول الحراقة التصقت عليها، وإذا بغلامين واقفين، ومعهما بغلة مسرجة ملجمة، فطلع الخليفة الثاني وركب البغلة وسار بين الندماء، وزعقت المشاعلية والجاويشية، واشتالت الغاشية، وطلع هارون الرشيد وجعفر ومسرور إلى البر وشقوا بين المماليك وساروا قدامهم، فلاحت من المشاعلية لتفاتة فرأوا ثلاثة أنفار لبسهم لبس التجار، وهم غرباً فأنكروهم غمزوا عليهم فمسكوهم وأحضروهم بين يدي الخليفة الثاني، فلما نظرهم قال: كيف وصلتم إلى هذا المكان وما الذي جاء بكم في مثل هذا الوقت؟ قالوا: يا مولانا! اليوم كان قدومنا، ونحن قوم غرباء تجار، وخرجنا نتمشى الليلة، وإذا بكم قد أقبلتم وجاء هؤلاء وقبضوا علينا وأوقفونا بين أيديكم، وهذا خبرنا.

فقال لهم الخليفة الثاني: طيبوا قلوبكم، فلا بأس عليكم لأنكم قوم غرباء، ولو كنتم من بغداد لضربت أعناقكم للمخالفة.

ثم التفت إلى وزيره وقال: خذ هؤلاء صحبتك ليكونوا ضيوفنا الليلة.

ص: 138

فقال: سمعاً وطاعة.

ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى قصر عظيم الشأن محكم البنيان ما حواه سلطان، قصر قام من التراب وتعلق بأكتاف السحاب، بابه من خشب الساج، مرصع بالذهب الوهاج، يدخل منه إلى إيوان بفسقية وشاذروان، وحصر عبدانية ومخدات اسكندرانية، وستر مسبول وفرش يذهل العقول، وعلى عتبة الباب مكتوب هذان البيتان:

قصر عليه تحية وسلام

نشرت عليه جمالها الأيام

فيه العجائب والغرائب نوعت

فتحيرت في نعتها الأقلام

قال: فدخل الخليفة الثاني إلى القصر، والجماعة في خدمته، إلى أن جلس على كرسي من الذهب مرصع بالدر والجوهر، وعلى الكرسي بشخانة من الحرير الأخضر لا يرى مثلها إلا عند كسرى وقيصر، مزركشة بالذهب الأحمر، معلقة في بكرة من الصندل، رباطاتها من الحرير الأصفر، هذا وقد جلس الندماء في مراتبهم، وصاحب سيف النقمة واقف بين يديه، فمدوا السماط وأكلوا ورفعوا الخوان، ولأيديهم غسلوا، وأحضرت آلة المدام، ووضعت الطاسات والأواني وصففت الأباريق والكاسات والقناني، ودار الدور إلى أن وصل إلى الخليفة هارون الرشيد، فامتنع من الشراب فقال الخليفة الثاني لجعفر: ما بال صاحبك لا يشرب.

فقال: يا مولاي له مدة ما شرب.

فقال الشاب: عندي مشروب غير هذا يصلح لصاحبك. علي بشراب التفاح! ففي الحال أ؛ ضر فقدم بين يدي هارون الرشيد وقال: كلما وصل إليك الدور فاشرب من هذا، ولا يزالون يشربون في انشراح وتعاطي أقداح إلى أن تمكن الشراب من رؤوسهم واستولى على عقولهم ونفوسهم فقال الرشيد لوزيره: والله يا وزير ما عندنا آنية مثل هذه الآنية، فيا ليت شعري من يكون هذا الشاب.

فبينما هما يتحدثنا بلطافة إذ لاحت من الشاب التفاتة فوجد الوزير يسار الخليفة، فقال: المسارة عربدة.

فقال الوزير: ما ثم عربدة، إلا أن رفيقي هذا يقول: سافرت غالب البلاد، ونادمت الملوك وعاشرت الأجناد ما رأيت أحسن من هذا النظام ولا مثل آنية هذا المدام، إلا أن أهل بغداد يقولون الشراب بلا سماع من جملة المجون.

ص: 139

فلما سمع الخليفة الثاني هذا الكلام تبسم وانشرح، وكان بيده قضيب، فضرب به على مدورة، وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم يحمل كرسياً من العاج مصفحاً بالذهب الوهاج، وخلفه جارية قد كملت بالحسن والجمال والبهاء والكمال، فنصب الخادم الكرسي وجلست عليه الجارية وهي كالشمس الضاحية، وبيدها عود من صنعة الهنود، وشدته وحنت إليه بعد أن ضربت أربعة وعشرين طريقة عليه، فأذهلت العقول وعادت إلى الطريقة الأولى وجعلت تقول:

لسان الهوى من مقلتي لك ناطق

يخبر عني أنني لك عاشق

ولي شاهد من طرف قلبي معذب

وقلبي جريح من فراقك خافق

وكم أكتم الحب الذي قد أذابني

وقلبي جريح والدمع سوابق

وما كنت أدري قبل حبك ما الهوى

ولكن قضا الرحمن في الخلق سابق

قال: فلما سمع الخليفة الثاني هذا الشعر من الجارية صرخ صرخة عظيمة، وشق البذلة التي كانت عليه إلى الذيل، فاسبلت عليه البشخانة، وأتي ببذلة غيرها أحسن منها، فلبسها وجلس على عادته، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدورة وإذا بباب قد فتح وخرج منه خادم حامل كرسياً من الذهب، وخلفه جارية أحسن من الأولى، وجلست على الكرسي وبيدها عود يكمد الحسود، وأنشدت تقول:

كيف اصطباري! ونار العشق في كبيد

والدمع من مقلتي صوفانه مدد

والله ما طاب لي عيش أسر به

وكيف يفرح قلب حشوه كمد

قال: فصرخ الشاب صرخة عظيمة، وشق ما عليه إلى الذيل وأسبلت عليه البشخانة على العادة وأتي ببذلة غيرها أحسن منها فلبسها، واستوى جالساً، ودار المدام وانبسط الكلام، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدور ففتح الباب وخرج منه خادم على العادة ومعه كرسي وخلفه جارية، فجلست على الكرسي، ومعها عود يذهل الأسود فغنت، وأنشدت تقول:

اقصروا هجركم وقولا جفاكم

ففؤادي وحقكم ما سلاكم

وارحموا مدنفاً كئيباً حزيناً

ذا غرام متيماً في هواكم

قد براه السقام من عظم وجد

يتمنى من الإله رضاكم

يا بدور محكم في فؤادي

كيف أختار في الأنام سواكم

ص: 140

قال: فصرخ الشاب وشق ما عليه من الثياب فأخوا عليه البشخانة وأتوا ببذلة غيرها، وعاد إلى حالته مع ندمائه ودارت الأقداح وطاب الانشراح، فلما وصل القدح إليه ضرب القضيب على المدورة، ففتح باب وخرج منه خادم حامل كرسياً وخلفه جارية فجلست على الكرسي، وأخذت العود وغنت تقول:

هل ينقضي حال التهاجر والقلى

ويعود لي ما قد تقضى أولا

أيام كنا والديار تلمنا

في طيب عيش والحواسد غفلا

غدر الزمان بنا وفرق شملنا

من بعد هاتيك المنازل والحلا

أتروم مني يا عذولي سلوةً

وأرى فؤادي لا يطيع العذلا

فدع الملام وخلني بصبابتي

فالقلب من أنس المحبة ما خلا

يا سادة نقضوا العهود وبدلوا

لا تحسبوا قلبي لبعدكم سلا

قال: فلما فرغت الجارية صرخ الشاب صرخةً عظيمة، وشق ما عليه من الثياب، ووقع إلى الأرض مغشياً عليه، وسقط منه القوى والحبل، فأرادوا أن يرخوا عليه البشخانة على العادة، فتعوقت حبالها بالإرادة، فلاحت من هارون الرشيد التفاتة فنظر على أجناب الشاب أثر مقارع، فقال الرشيد بعد النظر والتأكد لجعفر: إنه شاب مليح إلا أنه لص قبيح، وما عند أحد منه خبر. هل رأيت ما على جنبيه من الأثر.

وقد أسبلت البشخانة عليه على العادة وأتي ببذلة غيرها فلبسها وقد أفاق من غشيته فاستوى جالساً على العادة مع الندماء، فحانت منه التفاتة فوجد جعفراً والخليفة يتحدثان، فقال لهما: ما الخبر يا فتيان؟ فقال جعفر: يا مولاي خير، لا شك ولا خفاء، إن رفيقي هذا من التجار الكبار، وسافر إلى جميع الأمصار، وصحب الملوك والأخبار، قال: إن الذي حصل من مولانا الخليفة في هذه الليلة إسراف عظيم لم أر أحداً فعل هذا الفعل في هذه الأقاليم لأنه شق كل بذلة بخمسمائة دينار، وهذا شيء زائد في العيار.

فقال الشاب: يا هذا! المال مالي والقماش قماشي، وهذا من بعض إنعامي على الخدم والحواشي، فإن كل بذلة شققتها هي لواحد من الندماء الحضار، وقد رسمت لهم أن العوض على كل بذلة خمسمائة دينا.

فأنشد عند ذلك الوزير جعفر وقال:

بنت المكارم وسط كفك منزلاً

فجميع مالك للأنام مباح

وإذا المكارم أغلقت أبوابها

يوماً، فأنت لقفلها مفتاح

ص: 141

قال: فلما سمع الشاب من الوزير جعفر ذلك، رسم له بألف دينار وبذلة، ثم دارت بينهم الأقداح وطاب لهم شراب الراح، فقال الرشيد: يا جعفر، اسأله عن الضرب الذي رأيناه على جنبيه حتى ننظر ما يقول في جوابه.

فقال الوزير: يا مولاي لا تعجل وترفق بنفسك فالصبر أجمل.

فقال: وحياة رأسي وتربة العباس إن لم تسأله أخمدت منك الأنفاس.

فعند ذلك التفت الشاب إلى الوزير وقال: مالك مع رفيقك وما الخبر؟ فقال: خير يا مولانا.

فقال: سألتك بالله إلا ما أخبرتني بخبره، ولا تكتم عني شيئاً من أمره.

فقال: يا مولاي! إنه أبصر على جنبيك أثر سياط، فتعجب من ذلك غاية العجب وقال: يا لله العجب! الخليفة يضرب؟ وقصده يعلم ما السبب؟ فلما سمع الشاب هذا الكلام تبسم وقال: اللهم فنعم، واعلموا أن حديثي عجيبٌ وأمري غريبٌ لو كتب بالإبر على آماق البصر لكان عبرة لمن اعتبر، ثم تأوه وأن واشتكى وبكى وأنشد:

حديثي عجيب فاق كل العجائب

وحق إلهٍ غامر بالمواهب

فإن شئتمو أن تسمعوا إلي فأنصتوا

فيطرب هذا الجمع من كل جانب

وأصغوا إلى قولي، ففيه إشارة

وإن كلامي صادق غير كاذب

لأني قتيل من غرام ولوعة

وقاتلتي فاقت جميع الكواعب

لها مقلة كحلا وخد مورد

ويقتلني منها قسيُّ الحواجب

وقد حس قلبي أن فيكم إمامنا

خليفة هذا الوقت ابن الأطايب

وثانيكمو يدعى الوزير بجعفر

وفي الحق يدعى صاحباً وابن صاحب

وثالثكم مسرور سيفاف نقمةٍ

فإن كان هذا القول حقاً بصائب

فقد نلت ما أرجو على كل حالةٍ

وجاء سرور القلب من كل جانب

قال: فعند ذلك حلف له جعفر أنهم لم يكونوا المذكورين، فضحك الشاب وقال: الذي أعرفكم به أني ما أنا أمير المؤمنين، وإنما سميت نفسي بهذا الاسم لأبلغ ما أريد من أبناء المدينة، واسمي علي بن محمد الجوهري، وإن أبي كان من الأعيان، ومات وخلف لي أموالاً لا تأكلها النيران من ذهب وفضة ولؤلؤ ومرجان وياقوت وجوهر وزمرد وبهرمان وحمامات وغيطان وبساتين وفنادق وطواحين وعبيد وجوار وغلمان، فلما كان في بعض الأيام وأنا جالس في حانوتي وحولي الحشم والخمد، وإذا أنا بجارية

ص: 142

قد أقبلت على بغلة وفي خدمتها ثلاث جوار كأنهن الأقمار، ونزلت على دكاني وجلست وقالت: أنت علي بن محمد الجوهري.

فقلت لها: مملوكك وعبد رقك.

فقالت: هل عندك عقد جوهر يصلح لمثلي؟ فقلت: يا ستي الذي عندي يحضر بين يديك، فإن أعجبك شيء كان بسعد المملوك، وإن لم يعجبك شيء منه فبسوء حظي.

وكان عندي مائة عقد جوهر فعرضت عليها الجميع فلم يعجبها شيء منها، وقالت: أريد أحسن مما رأيت؛ وكان عندي عقد صغير شراؤه على والدي بمائة ألف دينار لم يوجد مثله عند أحد السلاطين الكبار، فقلت: يا سيدتي بقي عندي عقد الفصوص والجواهر الذي لم يملكه أحد من الأصاغر والأكابر.

فقالت: أرني إياه.

فلما رأته قالت: هذا الذي طول عمري أتمناه. ثم قالت: بكم ثمنه في الأسعار؟ فقلت: شراؤه على والدي بمائة ألف دينار.

فقالت: ولك خمسة آلاف زائدة.

فقلت لها: يا سيدتي العقد وصاحبه في الرق بين يديك، ولا خلاف.

فقالت: لا بد من الفائدة ولك الجميلة الزائدة.

وقامت من وقتها عجلة وركبت البغلة بسرعة، وقالت: يا سيدي نور الدين، باسم الله فلتكن في صحبتنا لتأخذ الثمن، فإن نهارك اليوم بنا مثل اللبن.

فقمت وأقفلت الدكان وسرت معهن في أمان إلى أن وصلنا إلى الدار، فوجدتها داراً عليها السعادة لائحة والافتخار وعلى بابها مكتوب بالذهب واللازورد العجيب هذه الأبيات:

ألا يا دار لا يدخلك حزنٌ

ولا يغدر بصاحبك الزمان

فنعم الدار أنت لك ضيفٍ

إذا ما ضاق بالضيف المكان

فنزلت الجارية، ودخلت الدار وأمرت بجلوسي إلى أن يأتي الصيرفي، فجلست على باب الدار ساعة لطيفة، وإذا بجارية خرجت إلي وقالت: يا سيدي ادخل إلى الدهليز فإن جلوسك على الباب قبيح.

ص: 143

فقمت إلى الدهليز وجلست على الدكة ساعة، وإذا بجارية خرجت إلي، وقالت: يا سيدي! تقول لك سيدتي ادخل واجلس على جانب الإيوان حتى تقبض مالك.

فقمت فدخلت وجلست حيث أمرتني، وإذا بكرسي من الذهب وعليه ستارة من الحرير الأحمر، وإذا بتلك الستارة قد رفعت فبان من تحتها تلك الجارية التي اشترت مني العقد، وقد أسفرت عن وجه كأنه دائرة القمر، والعقد في عنقها فدهش عقلي وحار ذهني ولبي من رؤية تلك الجارية وحسنها، فلما رأتني قامت من على الكرسي، وسعت نحوي، وقالت: يا نور الدين! هل رأيت جميلة مثلي؟ فقلت: يا سيدتي الحسن كله فيك، وهو من بعض معانيك.

فقالت: يا علي، اعلم أني أحبك وما صدقت أنك صرت عندي.

ثم إنها طوقتني وعانقتني، فقبلتها وقبلتني ثم جذبتني وعلى صدرها رمتني. فلما علمت مني أني أريد أن أهم بها قالت: يا علي، أتريد أنن تجتمع بي في الحرام، والله لا كان من يفعل الآثام ويرضى بقبيح الكلام، فإني بكر عذراء ما دنا مني أحد، ولست مجهولةً في البلد، أتعلم من أنا؟ فقلت: لا والله، وحلفت لها يميناً.

فقالت: أنا الست دنيا بنت يحيى بن خالد البرمكي، وأخي جعفر.

فلما سمعت منها ذلك جمعت خاطري عنها، وقلت: يا سيدتي ما لي ذنب في التهجم عليك، أنت التي أطمعتني في إحسانك والوصول إلى جنابك.

فقالت: لا بأس عليك ولا بد من الإحسان إليك فإن أمري بيدي، والقاضي ولي عقدي، والقصد أن أكون لك وتكون لي.

ثم إنها دعت بالقاضي والشهود وبذلت المجهود، فلما حضروا قالت لهم: هذا نور الدين علي بن الجوهري قد طلب زواجي ودفع لي هذا العقد مهري، وأنا قد قبلت ورضيت.

ثم إن القاضي حمد الله تعالى وأثنى عليه وكتب الكتاب فدخلت عليها بعد أن أعطت للقاضي شيئاً ما له حساب، وأحضرت المدام وأحضرت الأقداح بأحسن نظام، فلما لعبت الخمرة في رؤوسنا أمرت جارية عوديةً أن تغني فأنشأت تقول:

قلبي وآمالي بباب رجاكمو

لا أبتغي في الكون غير رضاكمو

يا جيرة جاروا علي ببعدهم

حنوا علينا وارحموا مضناكمو

ص: 144

حاشاكمو، يا سادتي، أن تهجروا

صباً معنى مغرماً بهواكمو

بالله جودوا وارحموا لمتيم

لم يستمع فيكم حديث سواكمو

مرسى فؤادي فوق بحر رضاكمو

فإذا شجاه حسنكم ناجاكمو

قال: فأطربتنا الجارية بحسن غنائها ولم تزل الجواري يغنين جارية بعد جارية وينشدن الأشعار إلى أن غنت عشر جوارٍ، فعند ذلك أخذت العود الست دنيا وأنشدت تقول:

قسماً بلين قوامك المياس

إني لنار الهجر منك أقاسي

فارحم لصب في هواك متيمٍ

يا بدر تم أنت سيد الناس

أنعم بوصلك كي أبيت بليلةٍ

أجلو جمالك في ضياء الكاس

ما بين ورد جمعت ألوانه

مع نرجس أيضاً وحسن الآس

قال الشاب: ثم إني أخذت منها العود وضربت عليه وغنيت هذه الأبيات:

سبحان ربي جميع الحسن أعطاكِ

حتى بقيت أنا من بعض أسراك

يا من لها ناظر تسبي الأنام به

خذي الأمان لنا من سحر عيناك

فالماء والنار في خديك قد جمعا

والورد جوري نبت وسط خداك

أنت الغرام لقلبي والنعيم له

فما أمرك في قلبي وأحلاك

قال: فلما سمعت مني ما قلت فرحت فرحاً شديداً، ثم إنها صرفت الجواري وقمنا إلى أحسن مكان قد فرش لنا فيه من سائر الألوان، ونزعت ما عليها من الثياب وخلوت بها خلوة الأحباب، فوجدتها بنتاً بكراً بختم ربها، ففرحت بي وفرحت بها فرحاً لم أجد في عمري ليلة أطيب منها، وفيها أنشدت أقول:

يا ليل! دم لي لا أريد صباحاً

يكفي بوجه معانقي مصباحا

طوقته طوق الحمام بساعدي

وجعلت كفي للمنام مباحا

هذا هو الفوز العظيم فخلنا

متعانقين، فلا نريد براحا

فأقمت عندها شهراً كاملاً، وقد نسيتُ الدكان والأهل والأوطان إلى ذات يوم من الأيام قالت: يا نور الدين قد عزمت اليوم على المسير إلى الحمام، وأنت اقعد على هذا السرير إلى أن أرجع إليك.

فقلت: سمعاً وطاعةً.

ص: 145

وحلفتني أن لا أنتقل من موضعي، فأخذت جواريها وذهبت إلى الحمام، فوالله يا إخواني ما لحقت أن تخرج من رأس الزقاق، إلا والباب قد فتح ودخلت منه عجوز وأي عجوز، وقالت: يا نور الدين الست زبيدة تدعوك، فقد سمعت بشبابك وطيب غنائك.

فقلت: والله علي يمين أنني ما أقوم من مقامي حتى تأتي الست دنيا.

فقالت العجوز: يا نور الدين لا تخل الست زبيدة تصير عدوتك، فقم كلمها وارجع.

فقمت من وقتي إليها والعجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الست زبيدة، فلما وصلت إليها، قالت: يا نور الدين أنت معشوق الست دنيا؟ فقلت: مملوكك وعبد رقك.

فقالت: صدق الذي وصفك بالحسن والجمال، فإنك فوق الوصف والمقال، ولكن عن لي شيئاً حتى أسمعك؟ فقلت: السمع والطاعة، فأتتني بعود فغنيت عليه وأنشدت أقول:

قلب المحب مع الأحباب متعوب

وجسمه بيد الأسقام منهوب

ما في الركائب من زمت حمولهم

إلا وكان له في الظعن محبوب

أستودع الله لي في حبكم قمراً

يهواه قلبي وعن عيني محجوب

يرضى ويغضب، ما أحلى تدلله

وكل ما يفعل المحبوب محبوب

فقالت لي: حفظ الله بدنك وطيب أنفاسك، فلقد كملت في الحسن والظرف والمعنى، فقم إلى مكانك قبل أن تجيء إليه الست دنيا فلا تجدك فتغضب عليك.

فقبلت الأرض وخرجت العجوز أمامي إلى أن أوصلتني إلى الباب الذي خرجت منه، فدخلت وجئت إلى السرير لأجلس فوجدتها جاءت من الحمام ونامت على السرير، فقعدت عند رجليها وصرت أكبسها، ففتحت عينيها فرأتني فجمعت رجليها ورفستني فرمتني من على السرير وقالت: يا نور الدين! خنت اليمن وكذبت. وذهبت إلى الست زبيدة؟ ووالله لولا خوفي من الهتيكة والفضيحة لخربت قصرها على رأسها. ثم قالت لعبدها: يا صواب، قم اضرب رقبة هذا النذل الكذاب، فلا حاجة لنا به.

فتقدم ذلك الخادم إلي وشرط ذيلي وعصب عيني، وأراد أن يضرب رقبتي فقامت إليها الجواري الكبار والصغار، وقلن لها: يا ستاه، ما هو بأول من أخطأ ما عرف خلقك، وأنت ما تبغضينه، وما فعل ذنباً يوجب أن تقتليه.

ص: 146

فقالت: والله لا بد أن أؤثر فيه أثراً. ثم أمرت بضربي فضربت على أضلاعي الضرب الذي رأيتموه، وأمرت بإخراجي. فأخرجوني وأبعدوني عن القصر، ورموني ورجعوا وتركوني، فلمت نفسي: فمشيت قليلاً قليلاً إلى أن وصلت إلى منزلي، وأحضرت جراحاً وأريته الضرب فلاطفني وسعى في مصالحي. فلما صح جسمي دخلت الحمام وزالت عني الأوجاع والأسقام. وجئت إلى الدكان وأخذت جميع ما فيه وبعته وجمعت ثمنه واشتريت أربعمائة مملوك ما جمعهم أحد من الملوك يركب معي في كل يوم مائتان، وعملت هذا المركب الحراقة بألف ومائتين من الذهب العين، وسميت نفسي بالخليفة، ورتبت من معي من الخدام كل واحد في وظيفة وناديت: كل من تفرج في الدجلة ضربت عنقه بلا مهلة. ولي على هذه الحالة سنة كاملة ولم أسمع لها بخبر ولا وقفت لها على أثر، ثم إنه بكى وأن واشتكى وأنشد يقول:

والله ما كنت طول الدهر ناسيها

ولا دنوت إلى من ليس يدنيها

كأنها البدر في تكوين خلقتها

سبحان خالقها سبحان باريها

صدت ولا ذنب لي إلا محبتها

فكيف حال الذي قد بات نابيها

وصيرتني حزيناً ساهياً دنفاً

والقلب قد حار مني في معانيها

قال: فلما سمع هارون الرشيد كلام الشاب وما أبداه من الخطاب تعجب غاية العجب. وقال: سبحان من جعل لكل شيء سبباً.

ثم إنهم طلبوا من الشاب الانصراف وأضمر الرشيد للشاب الإنصاف وأن يتحفه غاية الإتحاف، فانصرفوا من عنده سائرين وإلى قصر الخلافة طالبين، ولما استقر بهم في منزلهم الجلوس غيروا ما كان عليهم من الملبوس ولبسوا أثواب الموكب والملك والزينة، وكذلك مسرور سياف النقمة والعطب، فقال الخليفة لجعفر المهيب: يا وزير! علي بالشاب.

فخرج إليه في الحشم والخدم وسار إلى منزل الشاب فخرج إليه وسلم عليه فقال له الوزير جعفر: أجب أمير المؤمنين.

فقال: سمعاً وطاعة لأمير المؤمنين وحامي حوزة الدين.

فسار معه إلى القصر وهو من الترسيم عليه في حصر، فلما دخل إلى الخليفة ورفع الوزير الستر عن السدة الشريفة ورأى الشاب الخليفة عرفه، فقبل الأرض بين يديه ودعا له بدوام العز وأثنى عليه وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين وحامي حوزة الدين

ص: 147

وقامع المفسدين وإمام المتقين هناك الله بما أعطاك وجعل الجنة مأواك والنار مثوى لأعداك وأنشد يقول:

لا زال بابك كعبة مقصودةً

وترابها فوق الجباه رسوم

حتى ينادي في البلاد بأسرها

هذا المقام وأنت إبراهيم

فعند ذلك تبسم الخليفة في وجهه، ورد عليه السلام وأظهر له الإحسان والإكرام وقربه إليه، وأجلسه بين يديه وقال له: يا نور الدين أريد أن تحدثني بحديثك الليلة يا مسكين، فإنه من أعجب الأمور.

فقال الشاب: العفو يا أمير المؤمنين، أعطني منديل الأمان ليهدأ روعي ويطمئن قلبي.

فقال الخليفة: لك الأمان.

فشرع الشاب يتحدث بالذي جرى له من أوله إلى آخره، فعلم الخليفة من غير إطالة أن الصبي عاشق لا محالة، فقال الخليفة: أتحب أن أردها إليك يا مسكين؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ثم أنشد يقول:

إن رمت إحساناً فهذا وقته

أو رمت معروفاً فهذا حينه

فعند ذلك التفت الرشيد إلى الوزير وقال له: أحضر أختك الست دنيا بنت الوزير يحيى.

فقال له: السمع والطاعة.

فأحضرها في الوقت فلما مثلت بين يديه قال لها: أتعرفين هذا من؟ فقالت: أين للنساء معرفة بالرجال؟

فتبسم وقال: يا دنيا قد عرفنا الحال وسمعنا الحكاية من أولها إلى آخرها وفهمنا باطنها وظاهرها، والأمر لا يخفى وإن كان مستوراً.

فقالت: كان ذلك في الكتاب مسطوراً، وأن أستغفر الله مما جرى مني، وأسأل من فيض الفضل العفو عني.

فضحك الخليفة وأحضر القاضي والشهود وعقد له ثانياً عليها. وحصل له سعد السعود، وأكمد العدو والحسود وجعله نديمه وزاد تكريمه، وعاش بقية عمره في أهنإ عيش ونعمةٍ، يجالس الخليفة في الليل والنهار، تؤانسه الست دنيا ذات الفخار.

ص: 148