الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
خلافة أمير المؤمنين الواثق بالله تعالى
قال انه محمد الذي يقال له المهتدي بالله، كان أبي الواثق بالله إذا أراد أن يقتل رجلاً أحضرنا في ذلك المجلس، فبينما نحن عنده ذات يوم إذ أتي بشيخ مقيد فقال: ائذنوا لأبي عبد الله، يعني ابن أبي دؤاد وأصحابه، وأدخل الشيخ مقيداً فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين.
فقال: لا سلم الله عليك.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين بئسما أدبك المؤدب، قال الله تعالى:" وإذا حييتم بتحيةٍ فحيوا بأحسن منْها أو رُدُّها ". وأنت والله ما حييتني بها ولا بأحسن منها.
فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين. الرجل متكلم.
فقال الواثق: كلمه.
فقال للشيخ: ما تقول في القرآن؟ فقال الشيخ: لم تسألني ولي السؤال أسأله؟ فقال الأمير: سله.
فقال الشيخ لابن أبي دؤاد: ما تقول في القرآن؟ فقال ابن أبي دؤاد: مخلوق. فقال الشيخ: هذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين والخلفاء الراشدون أم شيء؟ لا يعلمونه؟ فقال: شيء لا يعلمونه.
فقال: سبحان الله! شيء لا يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الصحابة ولا الخلفاء الراشدون وعلمته أنت.
قال: فخجل، وقال: أقلني.
فقال: قد فعلت، والمسألة بحالها.
قال: نعم.
قال: ما تقول في القرآن؟ فقال: مخلوق.
قال: هذا شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم والخلفاء الراشدون أم لم يعلموه.
قال: علموه ولم يدعوا الناس إليه.
قال: أفلا وسعك ما وسعهم؟ قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا الخلفاء الراشدون وعلمته أنت. سبحان الله، انتهى.
وذكر الحافظ أبو نعيم في حليته. قال الحافظ أبو بكر الآجري بلغني عن المهتدي رحمه الله، أنه قال: ما قطع أبي. يعني الواثق، إلا شيخ جيء به من المصيصة، فمكث في السجن مدة ثم إن أبي ذكره يوماً فقال: علي بالشيخ، فأتي به مقيداً، فلما وقف بين يديه سلم عليه، فلم يرد عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين، ما سلكت بي أدب الله ولا أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى:" وإذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها " وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برد السلام.
قال أبي، وعليك السلام، ثم قال لابن أبي دؤاد: سله؟ فقال: يا أمير المؤمنين، أنا محبوس مقيد أصلي في الحبس بتيممٍ منعت الماء، فمر بقيودي تحل، ومر بماء أتوضأ وأصلي، ثم سلني.
فأمر به فحلت قيوده وأمر له بماء فتوضأ وصلى. ثم قال لابن بي دؤاد: سله.
فقال الشيخ: المسألة لي، فمره أن يجبني.
فقال: سل. فأقبل الشيخ على ابن أبي دؤاد فقال له: أعن هذا الأمر الذي تدعو الناس إليه أشيء دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: لا. قال: أفشيء دعا إليه أبو بكر الصديق رضي الله عنه بعده؟ قال: لا. قال: أفشيء دعا إليه عمر بن الخطاب بعدهما؟ قال: لا. قال: أفشيء دعا إليه عثمان بن عفان بعدهم؟ قال: لا، قال: أفشيء دعا إليه علي بن أبي طالب بعدهم؟ قال: لا. قال الشيخ: أفشيء لم يدع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي تدعو أنت الناس إليه ليس يخلو أن تقول علموه أو جهلوه،
فإن قلت علموه وسكتوا عنه توسعاً، وسعنا وإياك من السكوت، ما وسع القوم، وإن قلت جهلوه وعلمته أنت، فيا لكع ابن لكع، شيء يجهله النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، وتعلمه أنت وأصحابك.
قال المهتدي: فرأيت أبي وثب قائماً ودخل الحجرة، فجعل ثوبه في فيه وجعل يضحك ثم جعل يقول: صدق الشيخ، إلى آخر ما تقدم، وقال المهتدي: ما زلت أقول القرآن مخلوقٌ صدراً من خلافة الواثق حتى أقدم علينا أحمد بن دؤاد شيخاً من أهل الشام، فأدخل الشيخ على الواثق مقيداً وهو جميل الوجه تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له فما زال يدنيه ويقربه حتى قرب منه، فسلم عليه الشيخ فأحسن السلام ودعا فأبلغ وأوجز فقال له الواثق: اجلس، ثم قال: يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي دؤاد يقل ويصغر، ويضعف عن المناظرة.
فغضب الواثق وأعاد مكان الرقة له غضباً، وقال: أبو عبد الله بن أبي دؤاد يقل ويصغر ويضعف عن مناظرتك أنت.
قال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين، ما بك، وائذن لي في مناظرته.
فقال الواثق: ما دعوتك إلا للمناظرة.
فقال الشيخ: يا أحمد يا ابن أبي دؤاد إلام دعوت الناس ودعوتني إليه؟ فقال: أن تقول: القرآن مخلوقٌ لأن كل شيء دون الله مخلوق.
فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، إن رأيت أن تحفظ علي وعليه ما نقول.
فقال: أفعل. فقال الشيخ: يا أحمد، أخبرني عن مقالتك هذه أواجبة داخلة في عقد الدين، فلا يكون الدين كاملاً حتى يقال فيه ما قلت؟ قال: نعم. فقال الشيخ: أخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه الله عز وجل إلى عباده، هل ستر شيئاً مما أمره الله به في دينه.؟ فقال: لا. قال الشيخ: أفدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقالتك هذه؟ فسكت ابن أبي دؤاد فقال الشيخ: تكلم فسكت، فالتفت الشيخ إلى الواثق فقال: يا أمير المؤمنين قل: واحدة.
فقال الواثق: واحدة.
فقال الشيخ: يا أحمد أخبرني عن الله عز وجل حين أنزل آخر القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
الإسلام ديناً ". أكان الله صادقاً في إكماله أم أنت الصادق في نقصانه، فلا يكون كاملاً حتى يقال فيه بمقالتك هذه، فيكون كاملاً.
فسكت ابن أبي دؤاد فقال الشيخ: أجب يا احمد، فلم يجبه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين، قل: اثنتان.
فقال: اثنتان. فقال الشيخ: يا احمد أخبرني عن مقالتك هذه أعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم جهلها.؟ فقال ابن أبي دؤاد: علمها. فقال: أفدعا الناس إليها؟ فسكت ابن أبي دؤاد. فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين قل: ثلاثة.
فقال الواثق: ثلاثة. فقال الشيخ: يا أحمد، أفاتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما زعمت، ولم يطالب أمته بها؟ قال: نعم: فقال الشيخ: واتسع لأبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم؟ فقال ابن أبي دؤاد: نعم. فأعرض الشيخ عنه وأقبل على الواثق، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قدمت أن أحمد يقل ويصغر ويضعف عن المناظرة، يا أمير المؤمنين ألم يتسع لك من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، فلا وسع الله على من لم يتسع له منا ما اتسع لهم من ذلك.
فقال الواثق: نعم إن لم يتسع لنا من الإمساك عن هذه المقالة ما اتسع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر وعمر عثمان وعلي رضي الله عنهم، فلا وسع الله علينا، ثم قال: اقطعوا قيد الشيخ. فلما قطع ضرب الشيخ بيده فأخذ القيد فوضعه في كمه، فقال الواثق: لم فعلت هذا؟ فقال الشيخ: لأني نويت أن أقدم إلى من أوصي إليه إذا مت، أن يجعله بيني وبين كفني، حتى أخصم به هذا الظالم عند الله عز وجل يوم القيامة، وأقول: يا رب سل عبدك هذا لم قيدني وروع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي.
وبكى الشيخ وبكى الواثق وبكينا، ثم سأله الواثق أن يجعله في حل وسعة مما ناله منه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أنت رجل من أهله.
فقال الواثق: لي إليك حاجة.