الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَاب
(حب)، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " تَجْتَمِعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ: أَيْنَ فُقَرَاءُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ ، فَيَقُومُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا عَمِلْتُمْ؟ ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا ، ابْتُلِينَا فَصَبَرْنَا، وَولَّيْتَ الْأُمُورَ وَالسُّلْطَانَ غَيْرَنَا ، فَيَقُولُ اللهُ عز وجل: صَدَقْتُمْ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ النَّاسِ، وَتَبْقَى شِدَّةُ الْحِسَابِ عَلَى ذَوِي الْأَمْوَالِ وَالسُّلْطَانِ "، قَالُوا: فَأَيْنَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟ ، قَالَ:" يُوضَعُ لَهُمْ كَرَاسِيُّ مِنْ نُورٍ، مُظَلَّلٌ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ، يَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَقْصَرَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ سَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ "(1)
(1)(حب) 7419 ، انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 3187، صحيح موارد الظمآن: 2193
(حم)، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (" هَلْ تَدْرُونَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللهِ؟ " ، فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ خَلْقِ اللهِ الْفُقَرَاءُ وَالْمُهَاجِرُونَ ، وفي رواية: (فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ)(1) الَّذِينَ تُسَدُّ بِهِمْ الثُّغُورُ (2) وَتُتَّقَى بِهِمْ الْمَكَارِهُ) (3)(وَإِذَا أُمِرُوا سَمِعُوا وَأَطَاعُوا ، وَإِذَا كَانَتْ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ حَاجَةٌ إِلَى السُّلْطَانِ لَمْ تُقْضَ لَهُ ، حَتَّى يَمُوتَ وَهِيَ فِي صَدْرِهِ ، وَإِنَّ اللهَ عز وجل يَدْعُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْجَنَّةَ ، فَتَأتِي بِزُخْرُفِهَا وَزِينَتِهَا ، فَيَقُولُ: أَيْنَ عِبَادِي الَّذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِي ، وَقُتِلُوا فِي سَبِيلِي ، وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِي؟ ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ ، فَيَدْخُلُونَهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ)(4)(فَيَقُولُ اللهُ عز وجل لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ مَلَائِكَتِهِ: ائْتُوهُمْ فَحَيُّوهُمْ ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: نَحْنُ سُكَّانُ سَمَائِكَ ، وَخِيرَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ ، أَفَتَأمُرُنَا أَنْ نَأتِيَ هَؤُلَاءِ فَنُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ؟ ، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ كَانُوا عِبَادًا يَعْبُدُونِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ، وَتُسَدُّ بِهِمْ الثُّغُورُ ، وَيُتَّقَى بِهِمْ الْمَكَارِهُ ، وَيَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ فِي صَدْرِهِ لَا يَسْتَطِيعُ لَهَا قَضَاءً ، قَالَ: فَتَأتِيهِمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (5) ") (6)
(1)(حم) 6571 ، وقال الشيخ شعيب الأرناءوط: صحيح
(2)
الثغر: الموضع الذي يكون حَدّا فاصلا بين بلاد المسلمين والكفار، وهو موضع المَخَافَة من أطراف البلاد.
(3)
(حم) 6570 ، وقال الأرناءوط: إسناده جيد ، وانظر الصَّحِيحَة: 2559
(4)
(حم) 6571 ، الصَّحِيحَة: 2559 ، صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1373
(5)
سورة: الرعد آية رقم: 23
(6)
(حم) 6570 ، (حب) 7421 ، وقال الأرنؤوط في (حب) إسناده صحيح
(ك)، وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " أَتَعْلَمُ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي؟ "، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ:" الْمُهَاجِرُونَ ، يَأتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ وَيَسْتَفْتِحُونَ، فَيَقُولُ لَهُمُ الْخَزَنَةُ: أَوَقَدْ حُوسِبْتُمْ؟ ، فَيَقُولُونَ: بِأَيِّ شَيْءٍ نُحَاسَبُ؟، وَإِنَّمَا كَانَتْ أَسْيَافُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا فِي سَبِيلِ اللهِ حَتَّى مِتْنَا عَلَى ذَلِكَ "، قَالَ:" فَيُفْتَحُ لَهُمْ، فَيَقِيلُونَ فِيهَا أَرْبَعِينَ عَامًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا النَّاسُ "(1)
(1)(ك) 2389 ، انظر صَحِيح الْجَامِع: 96 ، الصَّحِيحَة: 853
(خ م)، وَعَنْ حُصَيْنٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ (1) الْبَارِحَةَ؟ ، فَقُلْتُ: أَنَا ، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلَاةٍ ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ ، قَالَ: فَمَاذَا صَنَعْتَ؟ ، قُلْتُ: اسْتَرْقَيْتُ (2) قَالَ: فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ ، قُلْتُ: حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ ، فَقَالَ: وَمَا حَدَّثَكُمْ الشَّعْبِيُّ؟ ، قُلْتُ: حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ (3) فَقَالَ: قَدْ أَحْسَنَ مَنْ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ ، وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ (4) وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ (5) فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي ، فَقِيلَ لِي: هَذَا مُوسَى صلى الله عليه وسلم وَقَوْمُهُ ، وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ ، فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ ، ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ " ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّهُمْ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَعَلَّهُمْ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ ، وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ ، " فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ؟ " ، فَأَخْبَرُوهُ ، فَقَالَ: " هُمْ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ (6) وَلَا يَتَطَيَّرُونَ (7)[وَلَا يَكْتَوُونَ](8) وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " (9)
الشرح (10)
(1)(اِنْقَضَّ): سَقَطَ.
(2)
استرقى: طلب الرقية ، وهي التي تُقرأ على صاحب الآفة ، مثل الحمى ، أو الصَّرَع ، أو الحَسَد ، طَلبًا لشفائه.
(3)
قَالَ أَبُو دَاوُد: الْحُمَةُ: الْحَيَّاتِ ، وَمَا يَلْسَعُ.
(4)
(الرُّهَيْط): تَصْغِير الرَّهْط، وَهِيَ الْجَمَاعَة دُون الْعَشَرَة.
(5)
السَّوَادُ: الشَّخْصُ ، وَالْمَالُ الْكَثِيرُ ، وَمِنْ الْبَلْدَةِ قُرَاهَا ، وَالْعَدَدُ الْكَثِيرُ ، وَمِنْ النَّاسِ عَامَّتُهُمْ. تحفة الأحوذي - (ج 6 / ص 238)
(6)
قال الحافظ في الفتح (11/ 409): وَقَدْ أَنْكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، وَزَعَمَ أَنَّهَا غَلَطٌ مِنْ رَاوِيهَا، وَاعْتَلَّ بِأَنَّ الرَّاقِيَ يُحْسِنُ إِلَى الَّذِي يَرْقِيهِ ، فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مَطْلُوبَ التَّرْكِ؟.وَأَيْضًا ، فَقَدْ رَقَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَرَقَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ ، وَأَذِنَ لَهُمْ فِي الرُّقَى ، وَقَالَ:" مَنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ " ، وَالنَّفْعُ مَطْلُوبٌ.
قَالَ: وَأَمَّا الْمُسْتَرِقِي ، فَإِنَّهُ يَسْأَلُ غَيْرَهُ وَيَرْجُو نَفْعَهُ، وَتَمَامُ التَّوَكُّلِ يُنَافِي ذَلِكَ ، قَالَ: وَإِنَّمَا الْمُرَادُ وَصْفُ السَّبْعِينَ بِتَمَامِ التَّوَكُّلِ ، فَلَا يَسْأَلُونَ غَيْرَهُمْ أَنْ يَرْقِيَهُمْ وَلَا يَكْوِيهِمْ ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ مِنْ شَيْءٍ.
وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ، وَسَعِيدُ بْن مَنْصُورِ حَافِظٌ ، وَقَدْ اِعْتَمَدَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ، وَاعْتَمَدَ مُسْلِمٌ عَلَى رِوَايَتِهِ هَذِهِ ، وَبِأَنَّ تَغْلِيطَ الرَّاوِي مَعَ إِمْكَانِ تَصْحِيحِ الزِّيَادَةِ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى التَّغْلِيطِ مَوْجُودٌ فِي الْمُسْتَرِقِي ، لِأَنَّهُ اِعْتَلَّ بِأَنَّ الَّذِي لَا يَطْلُبُ مِنْ غَيْرِهِ أَنْ يَرْقِيَهُ تَامُّ التَّوَكُّلِ ، فَكَذَا يُقَال لَهُ ، وَالَّذِي يَفْعَلُ غَيْرُهُ بِهِ ذَلِكَ ، يَنْبَغِي أَنْ لَا يُمَكِّنَهُ مِنْهُ لِأَجْلِ تَمَامِ التَّوَكُّل، وَلَيْسَ فِي وُقُوع ذَلِكَ مِنْ جِبْرِيلَ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُدَّعَى ، وَلَا فِي فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ أَيْضًا دِلَالَةٌ ، لِأَنَّهُ فِي مَقَام التَّشْرِيعِ وَتَبَيُّنِ الْأَحْكَامِ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّمَا تَرَكَ الْمَذْكُورُونَ الرُّقَى وَالِاسْتِرْقَاءَ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ ، لِأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَأمَنُ أَنْ يَكِلَ نَفْسَهُ إِلَيْهِ ، وَإِلَّا فَالرُّقْيَة فِي ذَاتهَا لَيْسَتْ مَمْنُوعَةً ،
وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا مَا كَانَ شِرْكًا أَوْ اِحْتَمَلَهُ ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ صلى الله عليه وسلم " اِعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، وَلَا بَأسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ " ، فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عِلَّةِ النَّهْيِ.
وَقَدْ نَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ غَيْرِه أَنَّ اِسْتِعْمَالَ الرُّقَى وَالْكَيِّ قَادِحٌ فِي التَّوَكُّلِ ، بِخِلَافِ سَائِر أَنْوَاع الطِّبّ.
وَفُرِّقَ بَيْن الْقِسْمَيْنِ بِأَنَّ الْبُرْءَ فِيهِمَا أَمْرٌ مَوْهُومٌ ، وَمَا عَدَاهُمَا مُحَقَّقٌ عَادَةً ، كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، فَلَا يَقْدَحُ.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَكْثَرَ أَبْوَابِ الطِّبِّ مَوْهُومٌ، وَالثَّانِي: أَنَّ الرُّقَى بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى تَقْتَضِي التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ ، وَالِالْتِجَاءَ إِلَيْهِ ، وَالرَّغْبَةَ فِيمَا عِنْدَهُ ، وَالتَّبَرُّكَ بِأَسْمَائِهِ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي التَّوَكُّلِ ، لَقَدَحَ الدُّعَاءَ ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَقَدْ رُقِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَرَقَى ، وَفَعَلَهُ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ ، فَلَوْ كَانَ مَانِعًا مِنْ اللَّحَاقِ بِالسَّبْعِينَ ، أَوْ قَادِحًا فِي التَّوَكُّلِ ، لَمْ يَقَعْ مِنْ هَؤُلَاءِ ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ وَأَفْضَلُ مِمَّنْ عَدَاهُمْ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ بَنَى كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ السَّبْعِينَ الْمَذْكُورِينَ أَرْفَعُ رُتْبَةً مِنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقًا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَد وَصَحَّحَهُ اِبْن خُزَيْمَةَ وَابْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث رِفَاعَةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ:" أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَذَكَرَ حَدِيثًا وَفِيهِ: " وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا حَتَّى تَبَوَّءُوا أَنْتُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ أَزْوَاجكُمْ وَذُرِّيَّاتِكُمْ مَسَاكِنَ فِي الْجَنَّةِ " ،
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَزِيَّةَ السَّبْعِينَ بِالدُّخُولِ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِمْ، بَلْ فِيمَنْ يُحَاسَبُ فِي الْجُمْلَةِ مَنْ يَكُون أَفْضَلَ مِنْهُمْ ، وَفِيمَنْ يَتَأَخَّرُ عَنْ الدُّخُولِ مِمَّنْ تَحَقَّقَتْ نَجَاتُهُ ، وَعُرِفَ مَقَامُهُ مِنْ الْجَنَّةِ ، يَشْفَعُ فِي غَيْرِهِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ. أ. هـ
(7)
الْمُرَادُ أَنَّهُمْ لَا يَتَشَاءَمُونَ ، كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فتح (18/ 389)
(8)
(خ) 5378
(9)
(م) 220 ، (خ) 6175 ، (حم) 2448
(10)
قَوْله (وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُفَسِّرَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِرْقَاءِ وَالِاكْتِوَاءِ وَالطِّيَرَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ لِأَنَّ صِفَةَ كُلِّ وَاحِدَةً مِنْهَا صِفَةٌ خَاصَّةٌ مِنَ التَّوَكُّلِ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: لَا يَسْتَحِقُّ اسْمُ التَّوَكُّلَ إِلَّا مَنْ لَمْ يُخَالِطْ قَلْبَهُ خَوْفُ غَيْرِ اللهِ تَعَالَ، ى حَتَّى لَوْ هَجَمَ عَلَيْهِ الْأَسَدُ ، لَا يَنْزَعِجُ ، وَحَتَّى لَا يَسْعَى فِي طَلَبِ الرِّزْقِ ، لِكَوْنِ اللهِ ضَمِنَهُ لَهُ.
وَأَبَى هَذَا الْجُمْهُورُ ، وَقَالُوا: يَحْصُلُ التَّوَكُّلُ بِأَنْ يَثِقَ بِوَعْدِ اللهِ ، وَيُوقِنَ بِأَنَّ قَضَاءَهُ وَاقِعٌ ، وَلَا يَتْرُكَ اتِّبَاعَ السُّنَّةِ فِي ابْتِغَاءِ الرِّزْقِ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ، مِنْ مَطْعَمٍ وَمُشْرَبٍ وَتَحَرُّزٍ مِنْ عَدُوٍّ بِإِعْدَادِ السِّلَاحِ ، وَإِغْلَاقِ الْبَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَمَعَ ذَلِكَ ، فَلَا يَطْمَئِنُّ إِلَى الْأَسْبَابِ بِقَلْبِهِ ، بَلْ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا لَا تَجْلِبُ بِذَاتِهَا نَفْعًا ، وَلَا تَدْفَعُ ضُرًّا بَلِ السَّبَبُ وَالْمُسَبَّبُ: فِعْلُ اللهِ تَعَالَى ، وَالْكُلُّ بِمَشِيئَتِهِ ، فَإِذَا وَقَعَ مِنَ الْمَرْءِ رُكُونٌ إِلَى السَّبَبِ ، قَدَحَ فِي تَوَكُّلِهِ.
وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: وَاصِلٌ ، وَسَالِكٌ ، فَالْأَوَّلُ: صِفَةُ الْوَاصِلِ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَلْتَفِتُ إِلَى الْأَسْبَابِ وَلَوْ تَعَاطَاهَا ، وَأَمَّا السَّالِكُ: فَيَقَعُ لَهُ الِالْتِفَاتُ إِلَى السَّبَبِ أَحْيَانًا ، إِلَّا أَنَّهُ يَدْفَعُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِالطُّرُقِ الْعِلْمِيَّةِ ، وَالْأَذْوَاقِ الْحَالِيَّةِ ، إِلَى أَنْ يَرْتَقِيَ إِلَى مَقَامِ الْوَاصِلِ.
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ: التَّوَكُّلُ مَحَلُّهُ الْقَلْبُ ، وَأَمَّا الْحَرَكَةُ الظَّاهِرَةُ فَلَا تُنَافِيهِ إِذَا تَحَقَّقَ الْعَبْدُ أَنَّ الْكُلَّ مِنْ قِبَلِ اللهِ ، فَإِنْ تَيَسَّرَ شَيْءٌ ، فَبِتَيْسِيرِهِ ، وَإِنْ تَعَسَّرَ ، فَبِتَقْدِيرِهِ. فتح الباري (11/ 410)
(ت حم)، وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (" وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا ، وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي عز وجل (1)) (2) وفي رواية (3): " أُعْطِيتُ سَبْعِينَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، وُجُوهُهُمْ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ (4) وَقُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ (5) فَاسْتَزَدْتُ رَبِّي عز وجل (6) فَزَادَنِي مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ سَبْعِينَ أَلْفًا "
(1) قلت: بدون الثلاث حثيات يكونون عددهم سبعون مليونا ، نسأل الله أن يجعلنا منهم. ع
(2)
(ت) 2437 ، (جة) 4286
(3)
(حم) 22 ، انظر صَحيح الْجَامِع: 1057 ، والصحيحة: 1484
(4)
أي: كضيائه ليلة كماله ، وهي ليلة أربعة عشر. فيض القدير (1/ 726)
(5)
أي: متوافقة متطابقة في الصفاء والجلاء.
(6)
أي: طلبتُ منه أن يدخل من أمتي بغير حساب زيادة على السبعين ألف.
(حم)، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللهَ عز وجل وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَ مِائَةِ أَلْفٍ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:" وَهَكَذَا - وَجَمَعَ كَفَّهُ - "، قَالَ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ:" وَهَكَذَا "، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: حَسْبُكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَعْنِي يَا عُمَرُ، مَا عَلَيْكَ أَنْ يُدْخِلَنَا اللهُ عز وجل الْجَنَّةَ كُلَّنَا؟ ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللهَ عز وجل إِنْ شَاءَ أَدْخَلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" صَدَقَ عُمَرُ "(1)
(1)(حم) 12718 ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.
(مسند ابن الجعد)، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " سَأَلْتُ اللهَ عز وجل الشَّفَاعَةَ لِأُمَّتِي، فَقَالَ لِي: لَكَ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ، فَقُلْتُ: يَا رَبِّ زِدْنِي ، فَقَالَ: فَإِنَّ لَكَ هَكَذَا ، فَحَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَعَنْ يَمِينِهِ ، وَعَنْ شِمَالِهِ "، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: حَسْبُنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: دَعْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ لَنَا كَمَا أَكْثَرَ اللهُ تَعَالَى لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:" صَدَقَ أَبُو بَكْرٍ "(1)
(1)(مسند ابن الجعد) 2849 ، انظر الصَّحِيحَة: 1879