الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث التاسع: الخشوع في الصلاة من إقامتها
لا شك أن الخشوع في الصلاة من إقامتها؛ فإن إقامة الصلاة لا تكون إلا بإقامة: شروطها، وأركانها، وواجباتها، والخشوع واجب على الصحيح؛ لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، قال تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (1)، فأمرنا بإقامتها، وهو الإتيان بها: قائمة تامة القيام، والركوع، والسجود، والأذكار، وقد علّق الله سبحانه الفلاح بخشوع المُصلِّي في صلاته، فمن فاته خشوع الصلاة لم يكن من أهل الفلاح، ويستحيل حصول الخشوع مع العجلة والنقر قطعاً؛ بل لا يحصل الخشوع قط إلا مع الطمأنينة، وكلما زاد طمأنينة ازداد خشوعاً، وكلما قلّ خشوعه اشتدت عجلته، حتى تصير حركة يديه بمنزلة العبث الذي لا يصحبه خشوع، ولا إقبال على العبودية، ولا معرفة حقيقة العبودية، والله سبحانه قد قال:{} وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (2)، وقال:{الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ} (3)، وقال:{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} (4)، وقال:{فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} (5)، وقال:{وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ} (6)، وقال إبراهيم عليه السلام:{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ} (7)، وقال لموسى:{فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (8)، فلن تكاد تجد ذكر الصلاة
(1) سورة البقرة، الآية:43.
(2)
سورة البقرة، الآية:43.
(3)
سورة المائدة، الآية:55.
(4)
سورة هود، الآية:114.
(5)
سورة النساء، الآية:103.
(6)
سورة النساء، الآية:162.
(7)
سورة إبراهيم، الآية:40.
(8)
سورة طه، الآية:14.
في موضع من التنزيل إلا مقروناً بإقامتها، فالمصلُّون في الناس قليل، ومقيم الصلاة منهم أقل القليل، كما قال عمر رضي الله عنه:((الحاج قليل والركب كثير)) (1).
فالعاملون يعملون الأعمال المأمور بها على الترويج تحلَّةَ القسم، ويقولون: يكفينا أدنى ما يقع عليه الاسم، وليتنا نأتي به، ولو علم هؤلاء أن الملائكة تصعد بصلاتهم فتعرضها على الربّ جل جلاله بمنزلة الهدايا التي يتقرب بها الناس إلى ملوكهم وكبرائهم، فليس من عمد إلى أفضل ما يقدر عليه، فيُزيِّنه ويُحسِّنه ما استطاع، ثم يتقرّب به إلى من يرجوه ويخافه، كمن يعمد إلى أسقط ما عنده وأهونه عليه، فيستريح منه، ويبعثه إلى من لا يقع عنده بموقع (2).
وليس من كانت الصلاة ربيعاً لقلبه، وحياةً له، وراحةً، وقرةً لعينه، وجلاءً لحزنه، وذهاباً لهمه وغمه، ومفزعاً له إليه في نوائبه ونوازله، كمن هي سحت لقلبه، وقيد لجوارحه، وتكليف له، وثِقَلٌ عليه، فهي كبيرة على هذا، وقرّةُ عينٍ وراحة لذلك.
قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ*الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} (3)، فإنما كبرت على غير هؤلاء لخلوّ قلوبهم من محبّة الله تعالى، وتكبيره، وتعظيمه، والخشوع له، وقلَّة رغبتهم فيه؛ فإن حضور العبد
(1) مصنف عبد الرزاق، 5/ 19، برقم 8837.
(2)
الصلاة لابن القيم، ص 109.
(3)
سورة البقرة، الآيتان: 45 - 46.
في الصلاة، وخشوعه فيها، وتكميله لها، واستفراغه وِسْعَه في إقامتها، وإتمامها على قدر رغبته في الله
…
وها هنا عجيبة تحصل لمن تفقَّه قلبه في معاني القرآن من عجائب الأسماء والصفات، وخالط بشاشة الإيمان بها قلبه؛ بحيث يرى لكل اسم وصفة موضعاً من صلاته، ومحلاًّ منها، فإنه إذا انتصب قائماً بين يدي الرب تبارك وتعالى شاهد بقلبه قيُّوميَّته، وإذا قال:((الله أكبر)) شاهد كبرياءه، وإذا قال:((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)) شاهد بقلبه رباً مُنزَّهاً عن كل عيب، سالماً من كل نقص، محموداً بكل حمد، فَحَمْدُهُ يتضمن وصفه بكل كمال، وذلك يستلزم براءته من كل نقص، تبارك اسمه، فلا يُذكُر على قليلٍ إلا كثَّرهُ، وعلى خيرٍ إلا أنماه، وبارك فيه، ولا على آفةٍ إلا أذهبها، ولا على شيطانٍ إلا ردَّه خاسئاً داحراً، وكمال الاسم من كمال مُسمَّاه، فإذا كان شأن اسمه الذي لا يضر معه شيء في الأرض ولا في السماء، فشأن المُسمَّى أعلى وأجل، وتعالى جدُّه، أي ارتفعت عظمته، وجلت فوق كل عظمة، وعلا شأنه على كل شأن، وقهر سلطانه على كل سلطان، فتعالى جدُّه أن يكون معه شريك في ملكه وربوبيَّتِه، أو في إلهيَّته، أو في أفعاله، أو في صفاته، كما قال مؤمن الجنّ:{وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً} (1)، فكم في هذه الكلمات من تجلٍّ لحقائق الأسماء والصفات على قلب العارف بها غير المُعطِّل لحقائقها.
(1) سورة الجن، الآية:3.
وإذا قال: ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) فقد أوى إلى ركنه الشديد، واعتصم بحوله وقوته من عدوِّه الذي يريد أن يقطعه عن ربه، ويبعده عن قربه؛ ليكون أسوأ حالاً.
فإذا قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وقف هُنَيْهَةً يسيرة ينتظر جواب ربه له بقوله: ((حمدني عبدي))، فإذا قال:{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} انتظر الجواب بقوله: ((أثنى عليَّ عبدي)) فإذا قال: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} انتظر جوابه: ((مَجَّدني عبدي)) فيا لّذة قلبه، وقرّة عينه، وسرور نفسه بقول ربه: عبدي ثلاث مرات، فوالله لولا ما على القلوب من دخان الشهوات، وغيم النفوس، لاستطيرت فرحاً وسروراً بقول ربها، وفاطرها، ومعبودها:((حمدني عبدي، أثنى عليَّ عبدي، مجدني عبدي))
…
فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [انتظر جواب ربه بقوله: ((هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل))]، ففيها سر الخلق والأمر، والدنيا والآخرة، وهي متضمنة لأجلّ الغايات، وأفضل الوسائل، فأجل الغايات عبوديته، وأفضل الوسائل إعانته، فلا معبود يستحق العبادة إلا هو، ولا معين على عبادته غيره، فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجلّ الوسائل.
فإذا قال: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ* صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} انتظر جواب ربه بقوله: ((هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل)) ثم يشهد الداعي شدة فاقته، وضرورته إلى هذه المسألة التي ليس هو إلى شيء أشدّ فاقة، وحاجة منه إليها البتة؛ فإنه محتاج إليه في كل نَفَسٍ، وطرفة عين، وهذا المطلوب من
هذا الدعاء لا يتمّ إلا بالهداية إلى الطريق الموصل إليه سبحانه، والهداية فيه، وهي هداية التفصيل، وخلق القدرة على الفعل، وإرادته، وتكوينه، وتوقيعه لإيقاعه له على الوجه المرضي المحبوب للرب سبحانه وتعالى، وحفظه عليه من مفسداته حال فعله، وبعد فعله.
ولما كان العبد مفتقراً في كل حالٍ إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره
…
فرض الله سبحانه عليه أن يسأله هذه الهداية في أفضل أحواله مرات متعددة في اليوم والليلة.
ثم بيَّن أن أهل هذه الهداية هم المختصُّون بنعمته دون المغضوب عليهم، وهم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، ودون الضالين، وهم الذين عبدوا الله بغير علم، فالطائفتان اشتركتا في القول في خلقه وأمره وأسمائه وصفاته بغير علم، فسبيل المنعم [عليهم] مغايرة لسبيل أهل الباطل كلها عِلْماً وعملاً.
فلما فرغ من هذا الثناء، والدعاء، والتوحيد، شُرِعَ له أن يطبع على ذلك بطابع من التأمين، يكون كالخاتم له، وافق فيه ملائكة السماء، وهذا التأمين من زينة الصلاة، كرفع اليدين الذي هو زينة الصلاة، واتباع للسنة، وتعظيم أمر الله، وعبودية اليدين وشعار الانتقال من ركن إلى ركن (1).
وقد تَبيَّن بما تقدم: أن الخشوع يدخل في الأمر بإقامة الصلاة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1) كتاب الصلاة لابن القيم، ص 109 - 114 بتصرف.