الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محمد بن إسحاق بن خزيمة الإمام، وعلي بن الحسين بن الجنيد الرازي، وجعفر بن محمد الفريابي، وزكريا بن يحيى الساجي، وغيرهم.
وعنه: أبو عبد الله الحاكم في "مستدركه" ووصفه بالزاهد.
وقال في "تاريخه": كان من الصالحين، الملازمين للجامع، كتبنا عنه في دار الشيخ أبي بكر إسحاق، وغيره، وتوفي في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة. وساق من طريقه حديثًا في "المستدرك" ثم قال: رواة هذا الحديث كلهم ثقات
…
قال مقيده -عفا الله عنه-: روى عنه الحاكم كما سبق في "المستدرك" وقد فات كتاب "رجال الحاكم" والله المستعان.
قلت: [صدوق زاهد].
"المستدرك"(4/ 334/ 7559)، "مختصر تاريخ نيسابور"(51/ أ)، "الأنساب"(2/ 520)، "حاشية الإكمال"(4/ 241).
[891] محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون بن موسى بن عيسى بن إبراهيم بن بشر، أبو سهل، العجلي، الحنفي نسبًا، الأصْبَهانىِ أصلًا ومولدًا، النَّيْسابُوري دارًا، الصُّعلوكي، الفقيه الشافعي
.
سمع: أبا بكر بن خزيمة، وأبا العباس السَّرَّاج، وأحمد الماسرجسي، وأبا قريش محمد بن جمعة، وأحمد بن عمر المحمداباذي، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وإبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، وابن الأنباري، والمحاملي، وغيرهم.
وعنه: أبو عبد الله الحاكم وقال: الفقيه، إمام الشافعيين في عصره،
وقال مرة: إمام الشافعيين في عصره، بلا مدافعة من موافق ومخالف منصف. وعنه -أيضًا- أبو عبد الرحمن السلمي، وابنه أبو الطيب سهل، وأبو نصر بن قتادة، ووصفه بالإمام، وذكر أنه حدثه إملاءً، وروى عنه جماعة كثيرة آخرهم أبو حفص عمر بن أحمد بن مسرور الزاهد.
قال الحاكم في "تاريخه": الإمام الهمام، أبو سهل الصُّعلوكي، الفقيه الأديب، اللغوي النحوي الشاعر المتكلم المفسر المفتي الصوفي الكاتب العَرُوضي، إمام عصره بلا مدافعة، والمرجوع إليه في العلوم، وصار رئيس نيسابور، حبر زمانه، وبقية أقرانه، ولد سنة ست وسبعين ومائتين، وسمع أول ما سمع سنة خمس وثلاثمائة، وكان يليق به المتقدم أحضر للتفقه مجلس أبي علي الثقفي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، وكان عمه أبو الطيب أحمد بن سليمان يمنعه عن الاختلاف إلا إلى أبي بكر بن خزيمة وأصحابه، فلما توفي أبو بكر طلب الفقه، وتبحر في العلوم قبل خروجه إلى العراق بسنين، فإنه ناظر في مجلس الوزير أبي الفضل البلعمي سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وهو إذ ذاك يُقدَّم في المجلس، وَيستَعْظِم البلعمي كلامه، ثم خرج إلي العراق سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وهو أوحد بين أصحابه، ثم خرج إلى البصرة ودرس بها سنين، إلي أن استدعي إلي أصبهان وأقام بها سنين، فلما نُعي له عمه أبو الطيب، وعلم أن أهل أصبهان لا يخلون عنه في انصرافه، خرج متخفيًا منهم، فورد نيسابور في رجب سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، وهو على الرجوع إلي أهله وولده ومستقره من أصبهان، فلما وردها جلس لمِأتم عمه ثلاثة أيام، فكان الشيخ أبو بكر بن إسحاق على قلة حركته وقعوده عن قضاء الحقوق
يحضره كل يوم، فيقعد معه، وكذلك كل رئيس ومرؤوسٍ وقاضٍ ومفتٍ من الفريقين، فلما انقضت أيام العزاء عقدوا له المجلس غداة كل يوم للتدريس بين العشائين للإلقاء، وعشية الأربعاء للنظر، واستقرت به الدار، ولم يبق في البلد موافق ولا مخالف إلا وهو مقر له بالفضل والتقدم، وحضره المشايخ مرة بعد أخرى يسألونه نقل من خلَّفهم وراءه بأصبهان، فأجاب إلي ذلك ودرس وأفتى ورأس أصحابه بنيسابور اثنتين وثلاثين سنة، وصار مقدَّمًا للعلماء على الإطلاق، سمع بخراسان، وبالري، وبالعراق، وأظنني أول من كتب عنه الحديث، فإني سمعت الأستاذ يقول عند وروده في سنة سبع وثلاثين: كنت أمشي مع عمي، فلما وردنا باب عزرة استقبلنا أبو العباس السراج، فسلم عليه عمي، ثم قال: يا أبا العباس ابن أخي، فرحَّب بي أبو العباس ودعا لي، فقال له عمي: يا أبا العباس حدثه بحديث، فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جعفر بن سليمان، عن ثابت عن أنس؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدِّخر شيئًا لغدٍ حدثني به وهو قائم، وذلك سنة خمس وثلاثمائة، ثم إن الأستاذ سئل عن التحديث غير مرة، فامتنع أشد الامتناع إلى غرة رجب من سنة خمس وستين وثلاثمائة عشية الجمعة، فإنه أجاب إلي الإملاء، وقعد للتحديث، وحدث، وسمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق الإمام رحمه الله تعالي- غير مرة وهو يعوِّذ الأستاذ أبا سهل، وينفث على دعائه، ويقول: بارك الله فيك، لا أصابك العين، هذا في مجالس النظر عشية السبت للكلام، وعشية الثلاثاء للفقه، وسمعت أبا علي الإسفراييني يقول: سمعت المروزي يقول: ذهبت الفائدة من مجلسنا بعد خروج أبي سهل النَّيْسابُوري. وسمعت أبا الطاهر
الأنماطي الفقيه بالري يقول: سمعت الصاحب أبا القاسم بن عباد يقول: إني أعلم أنه لا يرى مثله، ولا رأى مثل نفسه، وسمعت أبا منصور الفقيه يقول: سُئل أبو الوليد النَّيْسابُوري عن أبي بكر القفال، وأبي سهل، أيهما أرجح؟ فقال: ومن يقدر أن يكون مثل أبي سهل! وسمعت أبا الفضل بن يعقوب يقول: سمعت أبا الحسن علي بن أحمد السوجردي يقول: كنت في حلقة أبي بكر الشافعي الصيرفي فسمعته يقول: خرج الصعلوكي إلى خراسان، ولم ير أهل خراسان مثله، وسمعت أبا بكر محمد بن علي القفال الفقيه ببخارى يقول: قلت للفقيه أبي سهل بنيسابور حين أراد مناظرتي: هذا ستر قد أسبله الله علي فلا تسبق إلى كشفه. سمعت الأستاذ أبا سهل، وقد دُفِعَ إليه ورقة فيها مسألة، فلما قرأها لنفسه قرأها علينا فإذا فيها:
تَمَنَّيْتُ شَهْرَ الصَّوْم لا لِعبادَةٍ
…
ولَكِنْ رجاءً أنْ أَرَى لَيْلَةَ القَدْرِ
فأَدْعُوا إله الناسِ دَعْوة عاشِقٍ
…
عسى أن يُريحَ العاشِقِينَ مِنَ الهَجْرِ
فطلب الأستاذ قلمًا، وكتب في الوقت في آخرها:
تَمَنَّيْتَ ما لوْ نِلْتَه فَسَدَ الهَوَى
…
وَحَلَّ بهِ لِلْحِينِ قاصمةُ الظَّهْرِ
فما في الهَوَى طِيْبٌ ولا لَذَّةٌ سِوَى
…
مُعاناة ما فيه يُقاسَى مِنَ الهَجْرِ
وروى الحاكم بإسناده إلي الأستاذ أبي سهل، بإسناده إلي أبي نُواس، قال: مضيتُ يومًا إلي أزهر السَّمّان، فوجدت ببابه جماعة من أصحاب الحديث، فجلست معهم أنتظر خروجَه، فمكث غير بعيد، وخرج، ووقف بين بابي داره، ثم قال لأصحاب الحديث: حوائجكم، فجعلوا يذكرونها له، ويحدِّثهم بما يسألونه، ثم أقبل عليَّ، وقال: حاجَتك يا حسن، فقلت:
ولقد كُنْتُمْ رويتُمْ
…
عن سعيد عن قتادهْ
عن سعيد بن المُسيَّب
…
أن سعْدَ بن عبادَهْ
قال من مات محُبًّا
…
فله أجْرُالشهادهْ
قال: نعم يا خليع، حدثنا سعيد بن أبي عَرُوْبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن عبادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من مات محُبًّا في الله فله أجر الشهادة".
قال البَيْهَقِي في "البعث والنشور": أخبرنا أبو عبد الله الحافظ في "التاريخ"، ثنا أبو سهل محمد بن سليمان، وساق بسنده إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل من أهل الجنة ليولد له الولد كما يشتهي، يكون حمله وفصاله وشبابه في ساعة واحدة".
قال الأستاذ أبو سهل: أهل الزيغ ينكرون هذا الحديث، وقد روى فيه غير إسناد، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذاك فقال: يكون نحو ما رويناه، والله سبحانه يقول:{وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ} [الزخرف: 71]، وليس بالمستحيل أن يشتهي المؤمن الممكن من شهواته الصفي المقرب المسلط على لذاته قرة عين وثمرة فؤاد من أنعم الله عليهم بأزواج مطهرة، فإن قيل: ففي تأويله أنهن لا يحضن ولا ينفس وأنّي يكون الولادة، قلت: الحيض سبب الولادة الممتد أجله بالحمل على الكره والوضع عليه، كما أن جميع ملاذ الدنيا من المآرب والمطاعم والملابس على ما عرف من التعب والنصب وما يعقب كل مما يحذر منه، ويخاف من عواقبه، هذه خمرُ الدنيا المحرّمة المستولية على كل بلية قد أعدَّها الله تعالي لأهل الجنة منزوع البلية موفق اللذة فلِمَ لا يجوز أن يكون على مثله ولد.
وفي "سؤالات السجزي": قال الحاكم: الفقيه مفتي البلد وفقيهها، وأجدل من رأينا من الشافعيين بخراسان، ومع ذلك أديب شاعر نحوي كاتب عروضي، محب للفقراء. وذكر أبو العباس النسوي الصوفي أنه كان يقدم في علوم الصوفية، ويتكلم فيها بأحسن كلام، وصحب من أئمتهم: المرتعش، والشبلي، وأبا علي الثقفي، وغيرهم. وقال: وكان حسن السماع، روى الحديث عن عمه. قال الأستاذ أبو القاسم القُشَيْري: سمعت أبا بكر ابن فُوْرَك يقول: سئل الأستاذ أبو سهل عن جواز رؤية الله تعالي من طريق العقل؟ فقال: الدليل عليه شوق المؤمنين إلى لقائه، والشوق إرادة مُفْرِطة، والإرادة لا تتعلق بالمحال، فقال السائل: ومن الذي يشتاق إلى لقائه؟ فقال الأستاذ أبو سهل: يشتاق إليه كل حُرٍّ مؤمن، فأما من كان مثلك فلا يشتاق. وقال السُّلَمي: سمعته يقول: أقمت ببغداد سبع سنين، ما مرت بي جمعة إلا وَلي على الشبلي وقفة أو سؤال. وذكر الأستاذ أبو بكر بن فُوْرك أن أبا سهل رحل إلى العراق وقت الشيخ أبي الحسن -أي الأشعري- ودرس عليه. وقال أبو إسحاق الشيرازي في "طبقات الفقهاء": كان فقيهًا أديبًا شاعرًا متكلمًا مفسرًا صوفيًا كاتبًا، وعنه أخذ ابنه أبو الطيب وفقهاء نيسابور. وقال السُّلمي -أيضًا- سمعته يقول: ما عقدت على شيء قط، وما كان لي قُفل ولا مفتاح، ولا صررت على فضةٍ ولا ذهبٍ قط. قال السُّلمي: قلت يومًا للأستاذ أبي سهل في كلام جرى بيننا: لِمَ؟ فقال لي: أما علمت أن من قال لأستاذه: لِمَ لا يفلح أبدًا.
وقال لي يومًا: عقوق الوالدين يمحوها الاستغفار، وعقوق الأستاذين لا يمحوها شيء. وقال أبو منصور الثعالبي في "يتيمته": معلوم
أنه كان في العلم علمًا، وفي الكمال عالمًا، ومن شاهد الآن ابنه الشيخ الإمام أبا الطيب رأى شجرة للعلم نمت عروقها، ونفسًا غذيت في حجر الفضل فجرت على سنن أولها، وأحيت فضائله بفضائلها، وولدًا أشبه والده في الإمامه، عند الخاصة والعامة، وله شعر كثير يذكر في شعر الأئمة، ويروى لشرف صاحبه وتحسين الكتب بذكره، فمن ذلك:
سلوت عن الدنيا عزيزًا فنلتها
…
وجدت بها لما تناهت بأمالي
علمت مصير الدهركيف سبيله
…
فزايلته قبل الزوال بأحوال
وقال -أيضًا-:
دع الدنيا لعاشقها
…
ستُصْبح من ذبائحها
ولا تغررك رائحة
…
تُصِيبُك من روائحها
فمادحها بغفلته
…
يصير إلى فضائحها
ومن شعره -أيضًا-:
أنام على سهو وتبكي الحمائمُ
…
وليس لها جُرْمٌ ومنِّي الجرائمُ
كذبتُ وبيتِ الله لو كنتُ عاقلًا
…
لماسبقتني بالبكاء الحمائمُ
قال الذهبي: مناقب هذا الإمام جمَّة.
قال مقيده -عفا الله عنه-: جاء في "التبيين" لابن عساكر: أنشدنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أنشدنا أبو منصور محمد بن إبراهيم النحوي القهستاني يمدح الأستاذ أبا سهل:
إمام الهدى إني لفعلك شاكر
…
إمام الهدى إني بودك فأخر
أبا سهل الحبر المقدم أصبحت
…
لدي إياد منك غر ظواهر
أأكفر إحسانًا لبست جماله
…
إذًا لم تلدني المحصنات الطواهر
أبو سهل السباق في كل مجلس
…
على الخصم سيف صارم الحدباتر
له مكرمات يقصر الوصف دونها
…
ومن رام إحصاءً لها فهو قاصر
خصال أبي سهل نجوم مضيئة
…
وألفاظه المستعذبات جواهر
وهمته فوق السماء وذكره
…
إلى كل أطراف البسيطة سائر
أحار أبا سهل وفيك تحيري
…
وها أنا في مستعجم الأمر حائر
فيا عجبًا من واحدٍ سبق الورى
…
فما فيهم مثل له ومفاخر
لعمري لقد أحيا الشريعة علمه
…
ولولاه أضحى رسمها وهو داثر
مساميه يبغي أبعد الشأو في العلا
…
وهل مدرك شأو المها قط حافر
ألا قصروا أنى لكم مثل فهمه
…
وذلك بحرموجه الدهر زاخر
هم يسهرون الليل في ضبط حجة
…
تزول إذا ما جالش للشيخ خاطر
هو الصدرالمتبوع في كل مجلسٍ
…
وعن رأيه العالي مباهيه صادر
أغار عليه حين ينثر درَّه
…
إذا وطئ المنثور من ذاك باقرُ
ويوحشني مهما يساميه مفحم
…
كليل بطيء بالسفاهة خابر
ودادي له هز القريض وصاغه
…
وما لي من طبع وما أنا شاعر
بلوت فما فيهم سواك مظاهر
…
فأنت إمام الدين عندي ظاهر
بقيت وسهلًا ما أقام متالع
…
وما ناح قمري وغرد طائر
وقال أبو بكر بن إشكاب: رأيت الأستاذ أبا سهل الصعلوكي في المنام على هيئة حسنة لا توصف، فقلت له: يا أستاذ، بماذا نلت هذا؟ فقال: بحسن ظني بربي، بحسن ظني بربي.