الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
•
قوله تعالى: {قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14)}
.
قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة ص، في الكلام على قوله تعالى:{وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ} .
•
قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}
.
الصرصر: وزنه بالميزان الصرفي "فعفل"، وفي معنى الصرصر لعلماء التفسير وجهان معروفان:
أحدهما: أن الريح الصرصر هي الريح العاصفة الشديدة الهبوب، التي يسمع لهبوبها صوت شديد، وعلى هذا، فالصرصر من الصرة، التي هي الصيحة المزعجة.
ومنه قوله تعالى: {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} أي في صيحة، ومن هذا المعنى: صرير الباب والقلم، أي صوتهما.
الوجه الثاني: أن الصرصر من الصر الذي هو البرد الشديد المحرق، ومنه على أصح التفسيرين قوله تعالى:{كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} الآية. أي فيها برد شديد محرق، ومنه قول حاتم الطائي:
أوقد فإن الليل ليل قر
…
والريح يا واقد ريح صرُّ
علَّ يرى نارك من يمر
…
إن جلبت ضيفًا فأنت حرُّ
فقوله: ريح صر، أي باردة شديدة البرد.
والأظهر أن كلا القولين صحيح، وأن الريح المذكورة جامعة بين الأمرين، فهي عاصفة شديدة الهبوب، باردة شديد البرد.
وما ذكره جل وعلا من إهلاكه عادًا بهذه الريح الصرصر، في تلك الأيام النحسات، أي المشؤومات النكدات؛ لأن النحس ضد السعد، وهو الشؤم = جاء موضحًا في آيات من كتاب الله.
وقد بين تعالى في بعضها عدد الأيام والليالي التي أرسل عليهم الريح فيها، كقوله تعالى:{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8)} ، وقوله تعالى:{وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)} ، وقوله تعالى:{إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20)} ، وقوله تعالى:{بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} الآية.
وهذه الريح الصرصر هي المراد بصاعقة عاد في قوله تعالى: {فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ} الآية.
وقرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وأبو عمر:(نَحْسات) بسكون الحاء. وعليه، فالنحس وصف أو مصدر نزل منزلة الوصف.
وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي:(نَحِسات) بكسر الحاء، ووجهه ظاهر.
وقد قدمنا أن معنى النحسات: المشؤومات النكدات.
وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: {فِي يَوْمِ نَحْسٍ} . قال: النحس، البلاء والشدة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول:
سواء عليه أي يوم أتيته
…
أساعة نحس تتقى أم بأسعد
وتفسير النحس بالبلاء والشدة تفسير بالمعنى؛ لأن الشؤم بلاء وشدة. ومقابلة زهير النحس بالأسعد في بيته يوضح ذلك، وهو معلوم.
ويزعم بعض أهل العلم، أنها من آخر شوال، وأن أولها يوم الأربعاء وآخرها يوم الأربعاء، ولا دليل على شيء من ذلك.
وما يذكره بعض أهل العلم من أن يوم النحس المستمر، هو يوم الأربعاء الأخير من الشهر، أو يوم الأربعاء مطلقًا، حتى إن بعض المنتسبين لطلب العلم وكثيرًا من العوام صاروا يتشائمون بيوم الأربعاء الأخير من كل شهر، حتى إنهم لا يقدمون على السفر والتزوج ونحو ذلك فيه، ظانين أنه يوم نحس وشؤم، وأن نحسه مستمر على جميع الخلق في جميع الزمن، لا أصل له ولا معول عليه، ولا يلتفت إليه من عنده علم؛ لأن نحس ذلك اليوم مستمر على عاد فقط الذين أهلكهم الله فيه، فاتصل لهم عذاب البرزخ والآخرة بعذاب الدنيا، فصار ذلك الشؤم مستمرًا عليهم استمرارًا لا انقطاع له، أما غير عاد فليس مؤاخذًا بذنب عاد؛ لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى.
وقد أردنا هنا أن نذكر بعض الروايات التي اغتر بها من ظن استمرار نحس ذلك اليوم، لنبين أنها لا معول عليها.
قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش {فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19)} قال: "يوم الأربعاء".
وأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "قال لي جبريل: اقض باليمين مع الشاهد. وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر".
وأخرج ابن مردويه عن علي قال: "نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم باليمين مع الشاهد، والحجامة، ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر".
وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يوم نحس: يوم الأربعاء".
وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأيام، وسئل عن يوم الأربعاء، قال: يوم نحس. قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: أغرق فيه الله فرعون وقومه، وأهلك عادًا وثمود".
وأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر".
فهذه الروايات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر باللَّه ولم يعصه؛ لأن أغلبها ضعيف، وما صح معناه منها فالمراد بنحسه شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله بسبب كفرهم ومعاصيهم.