الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آية أخرى، وهي قوله تعالى في الشعراء:{قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155)} ، وشرب الناقة هو الذي حذرهم منه صالح لئلا يتعرضوا له في قوله تعالى:{فَقَال لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13)} .
•
قوله تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29)}
.
قوله: (فتعاطى)، قال أَبو حيان في البحر:(فتعاطى) هو مطاوع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضًا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. انتهى محل الغرض منه.
والعرب تقول: تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا ناوله، ومنه قول حسان رضي الله عنه:
كلتاهما حلب العصير فعاطني
…
بزجاجة أرخاهما للمفصل
وقوله: (فعقر) أي تعاطى عقر الناقة فعقوها، فمفعولا الفعلين محذوفان تقديرهما كما ذكرنا، وعبر عن عاقر الناقة هنا بأنه صاحبهم، وعبر عنه في الشمس بأنه أشقاهم وذلك في قوله:{إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12)} .
وهذه الآية الكريمة تشير إلى إزالة إشكال معروف في الآية، وإيضاح ذلك أن الله تعالى فيها نسب العقر لواحد لا لجماعة؛ لأنه قال:(فتعاطى فعقر)، بالإِفراد، مع أنَّه أسند عقر الناقة في آيات أخر إلى ثمود كلهم، كقوله في سورة الأعراف: {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ
أَمْرِ رَبِّهِمْ} الآية وقوله تعالى في هود: {فَعَقَرُوهَا فَقَال تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ} ، وقوله في الشعراء:{فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157)} ، وقوله في الشمس:{فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا} .
ووجه إشارة الآية إلى إزالة هذا الإشكال هو أن قوله تعالى: {فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29)} يدل على أن ثمود اتفقوا كلهم على عقر الناقة، فنادوا واحدًا منهم لينفذ ما اتفقوا عليه، أصالة عن نفسه ونيابة عن غيره، ومعلوم أن المتمالئين على العقر كلهم عاقرون، وصحت نسمة العقر إلى المنفذ المباشر للعقر، وصحت نسبته أيضًا إلى الجميع؛ لأنهم متمالئون، كما دل عليه ترتيب تعاطي العقر بالفاء في قوله:(فتعاطى فعقر) على ندائهم صاحبهم لينوب عنهم في مباشرة العقر في قوله تعالى: (فنادوا صاحبهم) أي نادوه ليعقرها.
وجمع بعض العلماء بين هذه الآيات بوجه آخر، وهو أن إطلاق المجموع مرادًا به بعضه أسلوب عربي مشهور، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب.
وقد قدمنا في سورة الحجرات أن منه قراءة حمزة في قوله تعالى: {فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ} بصيغة المجرد في الفعلين؛ لأن من قتل ومات لا يمكن أن يؤمر بقتل قاتله، بل المراد: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر. ونظيره قول ابن مطيع:
فإن تقتلونا عند حرة واقم
…
فإنا على الإسلام أول من قتل
أي فإن تقتلوا بعضنا.
وأن منه أيضًا: {قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} ؛ لأن هذا في