الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَي الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81)}.
وبين في بعض المواضع، أن من آياته التي يريها بعض خلقه: معجزات رسله؛ لأن المعجزات آيات، أي دلالات وعلامات علي صدق الرسل، كما قال تعالى في فرعون:{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَي (56)} .
وبين في موضع آخر، أن من آياته التي يريها خلقه: عقوبته المكذبين رسله، كما قال تعالى في قصة إهلاكه قوم لوط:{وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35)} .
وقال في عقوبته فرعون وقومه بالطوفان والجراد والقمل إلخ: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ} الآية.
•
قوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا}
.
أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة الرزق، وأراد المطر؛ لأن المطر سبب الرزق، وإطلاق المسبب وإرادة سببه لشدة الملابسة بينهما أسلوب عربي معروف، وكذلك عكسه الذي هو إطلاق السبب وإرادة المسبب، كقوله:
أكلت دمًا إن لم أرُعْكِ بضرَّةٍ
…
بعيدة مهوى القرط طيبة النشر
فأطلق الدم وأراد الدية؛ لأنه سببها.
وقد أوضحنا في رسالتنا المسماة "منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإِعجاز" أن أمثال هذا أساليب عربية، نطقت بها العرب في لغتها، ونزل بها القرآن، وأن ما يقوله علماء البلاغة من أن في الآية
ما يسمونه المجاز المرسل الذي يعدون من علاقاته السببية والمسببية، لا داعي إليه، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه.
وإطلاق الرزق في آية المؤمن هذه على المطر جاء مثله في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في أول سورة الجاثية:{وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} ، فأوضح بقوله:{فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أن مراده بالرزق المطر؛ لأن المطر هو الذي يحيى الله به الأرض بعد موتها.
وقد أوضح جل وعلا أنه إنما سمى المطر رزقًا لأن المطر سبب الرزق، في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة:{وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ} الآية، والباء في قوله:(فأخرج به) سببية كما ترى، وكقوله تعالى في سورة إبراهيم:{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ} الآية، وقوله تعالى في سورة ق:{وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ} .
وبين في آيات أخر أن الرزق المذكور شامل لما يأكله الناس، وما تأكله الأنعام، لأن ما تأكله الأنعام يحصل بسببه للناس الانتفاع بلحومها، وجلودها، وألبانها، وأصوافها وأوبارها وأشعارها، كما تقدم، كقوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27)} ، وقوله:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ} الآية، فقوله:(فيه تسيمون) أي تتركون أنعامكم سائمة فيه تأكل منه من غير