الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جديدًا بذلك، مع كفرهم الأول، وذلك في قوله تعالى:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} إلى قوله: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37)} .
وعلى كل حال، فلا شك أن كل من أطاع غير الله في تشريع مخالف لما شرعه الله، فقد أشرك به مع الله، كما يدل لذلك قوله:{وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ} فسماهم شركاء لما أطاعوهم في قتل الأولاد، وقوله تعالى:{أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} ، فقد سمى تعالى الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاء.
ومما يزيد ذلك إيضاحًا، أن ما ذكره الله عن الشيطان يوم القيامة، من أنه يقول للذين كانوا يشركون به في دار الدنيا:(إني كفرت بما أشركتمون من قبل) أن ذلك الإِشراك المذكور ليس فيه شيء زائد على أنه دعاهم إلى طاعته فاستجابوا له، كما صرح بذلك في قوله تعالى عنه:{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} الآية، وهو واضح كما ترى.
•
.
قوله تعالى: {فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} تقدم تفسيره في أول سورة فاطر.
وقوله: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} أي خلق لكم أزواجًا من أنفسكم، كما قدمنا الكلام عليه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:{وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً} ، وبينا أن المراد بالأزواج الإِناث، كما يوضحه قوله
تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} الآية، وقوله تعالى:{وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46)} ، وقوله:{فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39)} ، وقوله تعالى:{وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3)} الآية. وقوله في آدم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} الآية، وقوله تعالى فيه أيضًا:{هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيهَا} الآية، وقوله تعالى فيه أيضًا:{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} الآية.
وقوله تعالى: {وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} هي الثمانية المذكورة في قوله تعالى: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَينِ} الآية، وفي قوله:{خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} ، وهي ذكور الضأن والمعز والإِبل والبقر وإناثها، كما قدمنا إيضاحه في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى:{وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} الظاهر أن ضمير الخطاب في قوله: (يذرؤكم) شامل للآدميين والأنعام، وتغليب الآدميين على الأنعام في ضمير المخاطبين في قوله:(يذرؤكم) واضح لا إشكال فيه.
والتحقيق إن شاء الله أن الضمير في قوله: (فيه) راجع إلى ما ذكر من الذكور والإِناث من بني آدم والأنعام في قوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا} سواء قلنا إن المعنى: أنه جعل للآدميين إناثًا من أنفسهم أي من جنسهم، وجعل للأنعام أيضًا إناثًا كذلك، أو قلنا إن المراد بالأزواج الذكور والإِناث منهما معًا.
وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية الكريمة:(يذرؤكم) أي يخلقكم ويبثكم وينشركم (فيه)، أي فيما ذكر من الذكور والإِناث، أي في ضمنه، عن طريق التناسل كما هو معروف.
ويوضح ذلك في قوله تعالى: {اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} ، فقوله تعالى:{وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} يوضح معنى قوله: {يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ} .
فإن قيل: ما وجه إفراد الضمير المجرور في قوله: (يذرؤكم فيه) مع أنه على ما ذكرتم، عائد إلى الذكور والإِناث من الآدميين والأنعام؟
فالجواب: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن، رجوع الضمير أو الإِشارة بصيغة الإِفراد إلى مثنى أو مجموع باعتبار ما ذكر مثلًا.
ومثاله في الضمير: {قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ} الآية، فالضمير في قوله:(به) مفرد، مع أنه راجع إلى السمع والأبصار والقلوب.
فقوله: {يَأْتِيكُمْ بِهِ} أي بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، ومن هذا المعنى قول رؤبة بن العجاج:
فيها خطوط من سواد وبلق
…
كأنه في الجلد توليع البهق
فقوله: "كأنه" أي ما ذكر من خطوط من سواد وبلق.
ومثاله في الإِشارة: {لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ} أي بين ذلك المذكور من فارض وبكر، وقول عبد الله بن الزبعرى السهمي:
إن للخير وللشر مدى
…
وكلا ذلك وجه وقبل
أي كلا ذلك المذكور من الخير والشر.