الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من الاستصحاب فإن هنا أربع مراتب فعله أو أمره بما يضاد الوجوب كأمره بأن يعطى القاتل جميع السلب فإن هذا يضاد وجوب أخذ الخمس الثاني عدم أمر النبي صلى الله عليه وسلم مع قيام المقتضى فهذان نصان1 في عدم الوجوب والثالث عدم دليل السمع الموجب فإنه لا وجوب إلا به فعدم الموجب ملزوم عدم الوجوب الرابع استصحاب ما كان قبل السمع وكذلك عدم التحريم تارة يثبت بقوله أو فعله ما ينافي التحريم وتارة بعدم نهيه2 مع قيام المقتضى وهذا الذي يسمى تقريرا وثالثا بعدم المحرم ورابعا بالاستصحاب فهذه الدلائل العدمية دليل3 على عدم الوجوب والاستصحاب والتحريم والكراهة وبعضها مستلزمة لدليل ثبوتي ومن هذا فعله للشيء هل هو دليل على الحل الشرعي أو دليل على عدم التحريم مطلقا بحيث يكون النهى بعد ذلك نسخا عاما4 أولا يحكم يكون نسخا لأن الثابت إنما كان عدم التحريم.
1 في ب "فهذان نص".
2 في ب "لعدم بينة".
3 كلمة "دليل" ساقطة من ب.
4 في ب "نسخا خاصا".
مسألة يجوز الأخذ بأقل ما قيل ونفي ما زاد
لأنه يرجع حاصله إلى استصحاب دليل العقل على براءة الذمة فيما لم يثبت شغلها به وأما أن يكون الأخذ بأقل ما قيل أخذا وتمسكا بالإجماع فلا لأن النزاع في الاقتصار1 عليه ولا إجماع فيه قال بعضهم هذا نوع من أنواع الإجماع صحيح لا شك فيه وقال قوم بل يأخذ بأكثر ما قيل ذكرهما ابن حزم وقال بعضهم ليس بدليل2 صحيح.
قال شيخنا قلت: إذا اختلفت البينتان في قيمة المتلف فهل يوجب الأقل أو بسقطهما فيه روايتان وكذلك لو اختلف شاهدان فهذا يبين أن في إيجاب
1 في ب "الانتصار عليه" تحريف.
2 كلمة "بدليل" ساقطة من ا.
الأقل بهذا المسلك اختلافا وهو متوجه فإن إيجاب الثلث أو الربع ونحو ذلك لا بد أن يكون له مستند ولا مستند1 على هذا التقدير وإنما وقع الاتفاق على وجوبه اتفاقا فهو شبيه بالاجماع المركب إذا أجمعوا على مسألتين مختلفتي المأخذ ويعود الأمر إلى جواز انعقاد الإجماع بالبحث والاتفاقات وإن كان كل واحد من المجمعين ليس له مأخذ صحيح وأشار إليه ابن حزم.
فصل:
يتعلق بالقول بأقل ما قيل2 وضابطه دليل ظاهر لفظي أو عقلي.
انعقد الإجماع على عدم اعتباره مطلقا إجماعا مفردا أو مركبا وهو إذا كان اللفظ العام أو المطلق مقيدا بحد وقد اختلف في حده فهل يجوز الاستمساك بعمومه فيما زاد على أقل الحدود كعموم آية السرقة فإنه قد اتفق الفقهاء على أنها مخصوصة بنصاب فهل لمن يقطع بما زاد على الثلاثة الدراهم أن يحتج بعمومه فيما بين الثلاثة والعشرة أو يقال في نصاب هذا مما قد يستدل به طائفة من الفقهاء وقد استدل المالكية وأصحابنا مثل أبن أبى موسى في شرح الخرقي على الحنفية في مسألة أكثر الحيض بإطلاق قوله: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} 3 على أن في اللفظ عموما من كونه أذى وهذا لو ثبت فلا ريب في هذا الترتيب عندنا وعند الجمهور أن له قدرا مخصوصا قال أصحابنا وجب اجتناب الحائض مع وجود الحيض قل أو كثر إلا ما قام دليله وقد قام الدليل عندنا وعند أبى حنيفة أن ما نقص عن اليوم والليلة ليس بحيض وبقى ما زاد على ذلك على حكم الظاهر ثم إنهم أجابوا عن احتجاج مالك بالآية في القليل والكثير بما يبطل حجتهم على أبى حنيفة فركبوا هذا
1 كلمة "ولا مستند" ساقطة من ا.
2 في د "يتعلق بما مر".
3 من الآية "222" من سورة البقرة.
الدليل تارة وأبطلوه أخرى وهذا قريب من مثل هذا في البراءة مثل أن يقال في مسألة الحيض الأصل براءة ذمتها من الحيض وقد اتفقنا على عدم شغلها في اليوم السادس عشر فمن قال بالشغل قبل ذلك فعليه الدليل وقد يعارض بأن دلائل السمع العامة قد اقتضت وجوب الصلاة على كل مكلف خرج منه العشر فما دونها فبقى فيما زاد على العموم وهذه المعارضة أقوى لإزالة الدليل السمعي للبراءة الأصلية لكن القدح فيه أن الدليل إنما تناول غير الحائض ويستعمل مثل هذا في الزكاة وهذا الدليل فيه نظر فإن العلم بأن هذا الظاهر لم يرد منه المتكلم إلا قدرا مخصوصا يمنع أن يكون قصد به العموم وإذا علمنا لم يقصد به العموم امتنع الاستدلال به ومن هذا الوجه قد يفرق بينه وبين الاستصحاب.
[شيخنا] فصل:
فأما ان ثبت أن العموم أو الإطلاق أو الاستصحاب منزل على نوع دون نوع فهل يجوز الاستمساك به فيما عدا النوع المتفق على خروجه هذا أقوى من الأول وهو في الاستصحاب أقوى منه في الخطاب وذلك لأن صاحب التحديد بالثلاثة مثلا لا بد له من دليل يختص به على التحديد بها كما أن صاحب العشرة لا بد له من دليل على التحديد بالعشرة فتكافآ في ذلك فم يجز لأحدهما الاستدلال بالظاهر وحده لعدم دلالة الظاهر وحده على مذهبه وأما النوع فالدليل المخرج له من العموم يتفقان فيه فمن أراد إخراج نوع آخر فعليه دليل ثان وحاصله أن خروج نوع يتفقان في الدلالة عليه كما اتفقا في حكمه وخروج ما بينهما من المقدار لا يتفقان في دليله كما لا يتفقان في حكمه وإنما هو إجماع مركب فهو نظير القياس على أصل مركب وأضعف [منه] 1 ومثل ذلك في الفروع2 الاحتجاج
1 في ب "وأصعب".
2 في ب "في النوع".
بعموم آية السرقة في سارق ما أصله الإباحة وما يسرع فساده ولولا ذلك لما جاز الاستمساك بعام مخصوص وإنما يقبح ذلك إذا كثرت الأنواع المخصوصة بحيث يكون النوع المتروك أقل من الأنواع المخرجة فهذا فيه تفصيل ونظر وهذا قد يتعارض فيه الإضمار والتخصيص [1فقيل هما سواء وقيل التخصيص أولى ويتعارض فيه المجاز والتخصيص1] وهذا البحث قد يقدح في الاستمساك بأقل ما قيل لأن القائل بوجوب2 ثلث دية المسلم لا بد من دليل غير الإجماع وغير براءة الذمة إذ ليس الثلث بأولى من الربع ومن الخمس3 والمناظرة إنما هي مع ذلك القائل الأول لا مع الثاني والثالث وإجماعهم على وجوب الثلث نوع من الإجماعات المركبة فإن وجوبه من لوازم القول بوجوب النصف والجميع فالقائل بوجوب النصف يقول إنما وجبت النصف لدليل فإن كان صحيحا وجب القول به وإن كان ضعيفا فلست موافقا على وجوب الثلث كما يقال مثل ذلك في حلى الصغيرة وعشر الخضروات الخراجية وإجبار بنت خمس عشرة4 لكن القولان المركبان قد يكون كل واحد منهما أعم من الأخر5 كما في هذه النظائر وقد يكون أحدهما هو العام كما في نصاب السرقة وكما في التقابض فإن بعضهم يستعمل مثل هذا وفيه نظر مثل أن يقال للأم مع الأخوين اتفقوا على وجوب السدس واختلفوا فيما زاد عليه والأصل عدمه فإن القائل بالثلث كذلك فهذا يشبه القول بأقل ما قيل بل هو ولو قال أيضا قد اتفقوا على توريث الجد واختلفوا في توريث الأخوة لكان ضعيفا لأن القدر الذي اتفقوا عليه إنما هو ما لم يقل إنه حق الأخ إلا أن يحتج على ميراث الجد بنص وبنفي ميراث
1 ما بين المعقوفين ساقط من ا.
2 في ب "القائل يثلث دية المسلم".
3 في ب "من الخمسين".
4 في ا "وإجبار بنت عشر".
5 في ب "أعم من الأخص" خطأ.
الأخ بالأصل فهذا نوع آخر وقد يقال المقتضى لتوريث الجد الجميع ثابت بالاجماع وإنما المانع منه المزاحمة وهى منتفية بالأصل فهذا قريب من التمسك بأقل ما قيل بل هو أقوى منه لأن الإجماع على استحقاق الجميع عند عدم المزاحم إجماع مفرد لا مركب.
وهنا مسائل كثيرة من الظواهر السمعية والعقلية التي قد علم بالنص أو الإجماع أو العقل أن دلالتها ليست مطلقة وغالب كلام المتنازعين في هذا النوع من الأدلة [1وهو محتاج إلى تحقيق وتفصيل إذ الكلام في أنواع الأدلة1] ثم في أنواع التقييدات من جهة والتنويع والقلة والكثرة وغير ذلك والله أعلم.
وقد رأيتهم يستعملون مثل ما ذكرناه أولا في القياس كقولهم في أكثر الحيض دم يمنع فرض الصلاة وجواز الوطء فجاز أن يزيد على العشرة كالنفاس وهذا عندي من أفسد ما يكون من جهة أن الحكم في الأصل ليس بحكم الفرع ومن جهة أن لا يمكنه أن يقول مقتضى القياس الاستواء مطلقا وإنما خالفناه فيما زاد للإجماع لأن معارضة الإجماع للقياس في مقتضاه دليل في فساده بخلاف معارضته للنص أو الاستصحاب وأيضا فإن وجوب طرد القياس ليس2 كغيره من الأدلة.
1 ما بين المعقوفين ساقط من ا.
2 كلمة "ليس" ساقطة من اد.
مسألة: والنافي للحكم عليه الدليل
ذكره أبو الحسن التميمي والقاضي وابن برهان وأبو الطيب الشافعي وجماعة وقيل1 عليه الدليل في العقليات دون الشرعيات وقيل لا دليل عليه فيهما [ذكره الحلواني عن بعض الشافعية] والأول اختيار أبى الخطاب وجمهور العلماء.
1 في ا "وهل عليه الدليل" خطأ.
مسائل
أحكام المجتهد والمقلد وغير ذلك
مسألة المصيب في الأصوليات من المجتهدين واحد وهو قول الجماعة وحكي عن عبد الله العنبري [أنه قال المجتهدون من أهل القبلة مصيبون مع اختلافهم] .
قال شيخنا قال أبو المعالي ومما يداني مذهب العنبري مذهب أقوام قالوا: المصيب واحد في الأصول ولكن المخطئ معذور ويستحق الثواب لأنه بذل جهده فتجرى أحكام الكفرة على الكفرة ويقاتلون في الدنيا لأمر الشارع بذلك ولكن يثابون في الآخرة إذا لم يكونوا معاندين وقد يتمسكون في هذا المذهب بقول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} 1 الآية.
وقال الجاحظ وثمامة المعارف ضرورية وما أمر الرب الخلق بمعرفته ولا بالنظر بل من حصلت له المعرفة وفاقا فهو مأمور بالطاعة فمن عرف وأطاع استحق الثواب ومن عرف ولم يطع خلد في النار وأما من جهل الرب فليس مكلفا فإن مات2 جاهلا لم يعاقب ثم منهم من قال يصير ترابا ومنهم من قال يصير إلى الجنة فعوام الكفرة أحسن حالا من فسقة العارفين بالله وشنع على هذه المذاهب بعد شناعه على العنبري.
قال والمخطئ في الأصول لا شك في تأثيمه وتفسيقه وتبديعه وتضليله واختلف في تكفيره فمال بعض أئمتنا إلى أن كل من قال قولا يقود إلى ما هو كفر بالاجماع بكفر كمن قال: "إنه ليس بعالم" يكفر فمن قال ليس له علم وقدره يكفر ومال البغدادي إلى هذا القول وحكاه عن أبى الحسن في مواضع وكان الإمام أبو سهل الصعلوكي لا يكفره فقيل له إلا تكفر من
1 من الآية "62" من سورة البقرة.
2 في ب "فإن تاب جاهلا" خطأ.
كفرك فعاد إلى القول بأنه كفر وهذا مذهب المعتزلة فهم يكفرون خصومهم ويكفر كل فريق منهم الآخرين.
قال وصار معظم أصحابنا إلى ترك التكفير لمن قال قولا يعود إلى الكفر ويلزمه وقالوا إنما يكفر من جهل وجود الرب أما من علم1 وجوده ولكن فعل فعلا أو قال قولا أجمعت الأمة على أنه لا يصدر إلا من كافر فلا ومعظم كلام أبى الحسن يدل على هذا وهو اختيار القاضي في كتاب إكفار المتأولين.
[شيخنا] فصل:
ذكر أبو المعالي أن المسائل قسمان قطعية ومجتهد فيها والقطعية عقلية وسمعية فالعقلي ما أدرك بالعقل سواء كان لا يدرك إلا به كوجود الصانع وتوحيده وكونه متكلما قلت: الوحدانية منهم من يثبتها بالسمع وطائفة قليلة لا تثبتها إلا بالعقل2 وأما الكلام فأكثرهم على أنه يثبت بالسمع وكثير منهم يقول لا يثبت إلا بالسمع.
قال أو كان مما يدرك بالعقل والسمع جميعا كمسألة الرؤية وخلق الأفعال وأما الشرعية فما عرف من أحكام التكليف بنص كتاب أو سنة متواترة أو بإجماع كوجوب الصلوات وكتقديم خبر الواحد على القياس إذا كان نصا والمجتهدات ما ليس فيه دليل مقطوع به.
قلت تضمن هذا أن ما يعلم بالاجتهاد لا يكون قطعيا قط وليس الأمر كذلك فرب دليل خفي قطعي.
1 في ب "أو من علم وجوده" خطأ.
2 في ا "لا يثبتها إلا بالسمع" وليس بذاك.
قال وقد تكلموا في الفرق بين الأصول والفروع فقيل الأصل ما فيه دليل قطعي والفرع بخلافه فعند هؤلاء الأصل ما عددناه قطعيا وعبر عنه القاضي بأن كل مسألة يحرم الخلاف فيها مع استقرار الشرع ويكون معتقد خلافها جاهلا فهي من الأصول عقلية كانت أو شرعية والفرع ما لا يحرم الخلاف فيه أو ما لا يأثم المخطئ فيه.
قلت كثير من مسائل الفروع قطعي وإن كان فيها خلاف وإن كان لا يأثم المخطئ فيها لخفاء الدليل عليه كما قد سلمه فيما إذا خفي عليه النص.
قال وقيل الأصل ما لا يجوز التعبد به إلا بأمر واحد أو ما يعلم من غير تقديم ورود.
مسألة وكذلك في الفروع الحق عند الله واحد وعلى المجتهد طلبه فإن أصابه توفر أجره وإن أخطأه بالمؤاخذة موضوعة عنه
وهو مثاب مع كونه مخطئا نص عليه في مواضع ولا يقطع بخطأ واحد بعينه في ذلك وبهذا قال أكثر الشافعية وذكر أبو الطيب أنه مذهب الشافعي وكل مصنف1 من أصحابه المتقدمين والمتأخرين وإن المزني استقصى القول فيه وقال إنه مذهب مالك والليث وإن أبا علي الطبري أنكر على من نسب إلى الشافعي خلاف ذلك بعد ما ذكر أن قوما نسبوا إليه ما قدمناه عن الحنفية فأبطل ذلك وشدد النكير فيه وكذلك ذكره عبد الوهاب عن أصحابه وأكثر الفقهاء ورواه ابن وهب عن مالك والليث وذكر عن مالك نصوصا صريحة بذلك حتى قارب مذهب المؤثمين وهو قوله ليس كل واحد مصيبا لما كلف وأنه ليس الاختلاف بسعة وقد روى عن أحمد أنه سمى الاختلاف سعة ومن المتكلمين بشر المريسي وابن علية والأصم وأكثر الأشعرية منهم ابن فورك وأبو إسحاق الاسفرائينى وغيرهما وبالغ أبو الطيب الطبري فقال أعلم إصابتنا للحق وأقطع بخطأ من خالفنا وأمنعه من الحكم باجتهاده
1 في د "وكل منصف" بتقديم النون.
غير أنني لا أوثمه ولا أفسقه1 وقد حكى ابن برهان عن بشر المريسي وإسماعيل بن علية والأصم وأهل الظاهر الغلو بأن المصيب واحد والحق في جهة واحدة وما عداه ضلال وبدعة وفسق وحكى أبو الخطاب عن الأصم وابن علية والمريسي أن الحق في جهة واحدة وعليه دليل كلف المكلف إصابته فإن أداه اجتهاده أنه وصل إليه يقينا وينقض حكم من خالفه وحكاه بعضهم عن الشافعي2 واختاره الاسفرائينى وأبو الطيب قال وقد أومأ إليه أحمد في مسألة القياس3 وأنه لم يصب باجتهاده ما كلف وأنه لا بد في المسألة من أمارة هي أقوى قد كلف طلبها والحكم بها وقال في موضع آخر كلفوا الحكم عند الله قال القاضي في كتاب الروايتين الحق عند الله واحد وقد نصب عليه دليلا وكلف المجتهد طلبه فإن أصابه فقد أصاب الحق عند الله وفي الحكم وإن أخطأه فقد أخطأ عند الله وهل أخطأ في الحكم أيضا على روايتين إحداهما أنه مخطئ في الحكم إلا أن الخطأ موضوع عنه والثانية هو مصيب في الحكم وهذا الذي ذكره ابن عقيل عن حنبلي أظنه نفسه لما قال من نصر المصوبة معلوم أن الله قد كلف من خفيت عليهم القبلة الاجتهاد في طلبها ومن عدم الماء الاجتهاد في تحصيله ومن أبق منه العبد الذي غصبه الاجتهاد في طلبه ثم هم مصيبون لما كلفوه وإن لم يصبوا القبلة ولا الماء ولا العبد فقال الحنبلي ما من شيء ذكرتموه إلا وفيه خطأ لأن المصيب من صادف القبلة والباقون مصيبون في بلوغ وسعهم كما زعمت لا في إصابة القبلة التي هي عند الله قبلة الإسلام قال القاضي وقد أومأ أحمد إلى هذا في رواية بكر بن محمد عن أبيه عنه فقال الحق عند الله في واحد وعلى الرجل أن يجتهد ولا يقول لمخالفه انه مخطئ وقال بعده كلاما وإذا اختلف أصحاب محمد
1 في ب د "ولا أنقضه".
2 في ب "عن الشافعية".
3 في اب "المفلس".
صلى الله عليه وسلم في شيء فأخذ رجل بقول بعضهم وأخذ رجل آخر عن رجل آخر منهم فالحق واحد وعلى الرجل أن يجتهد ولا يدرى أصاب الحق أم أخطأ قال فظاهر كلامه في أول المسألة أنه مصيب في الحكم لأنه منع من إطلاق الخطأ عليه في الحكم وآخر كلامه يقتضي إطلاق ذلك عليه لأنه قال عليه أن يجتهد ولا يدري أصاب الحق أم لا فأطلق الخطأ عليه.
ووجه قول من قال: "كل واحد منهم مصيب في الحكم" إقرار الصحابة بعضهم بعضا وتسويغ استفتاء كل واحد للعامي ولأنه لو كان الحق في واحد من القولين لنصب عليه دليلا يوجب العلم كما قلنا في مسائل الأصول فلما لم ينصب دليلا يوجب العلم ثبت أن الحق فيما يعتقده في حقه دون غيره.
قال شيخنا قلت: أحمد إنما فرق لأن الأولين كل منهما استدل بنص والآخرين لا نص مع واحد منهما فعلى هذا من استمسك بنص لا يطلق عليه الخطأ في الحكم كالمصلي إلى القبلة المنسوخة قبل علمه بالناسخ ومن لا نص معه يقال هو مخطئ في الحكم بمنزلة الذي ليس هو على شريعة ولم تبلغه شريعة فصارت الأقوال ثلاثة والفرق هو المنصوص.
قال وقد اختلف أصحابنا فيما جرى بين علي ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة هل كل واحد منهم مصيب في ذلك أم أحدهم مصيب فحكى شيخنا أبو عبد الله عن أصحابنا في ذلك وجهين أحدهما أن كلا منهما مصيب في الحكم والثاني أن أحدهما مصيب والآخر مخطئ لا بعينه والثالث أن أحدهما مصيب وهو علي والآخر مخطئ وهو من قاتله.
قال القاضي ويجب أن يكون القول في ذلك مبنيا على الأصل الذي تقدم وإن الحق عند الله في ذلك في واحد منهما فإن أصابه فقد أصاب عند الله وفي الحكم وإن أخطأ عند الله فهل هو مخطئ في الحكم على روايتين أحداهما
أنه مصيب والثانية أنه مخطئ وقد نص أحمد على الإمساك فيما شجر بينهم وترك القول فيه بخطأ أو إصابة فقال المروذى جاء يعقوب رسول الخليفة يسأله فيما كان بين علي ومعاوية فقال ما أقول فيهم إلا بالحسنى وكذلك نقل أحمد بن الحسن1 الترمذي وقد سأله ما يقول فيما كان من أمر طلحة والزبير وعلي وعائشة فقال من أنا حتى أقول في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بينهم شيء الله أعلم به وكذلك قال في رواية حنبل قال الله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} 2 فقد صرح بالموقف.
واستدل القاضي على الوقف ومقتضاه إما تصوبيهما أو عدم تعيين المصيب.
قال شيخنا قلت: أحمد لم يرد الوقف الحكمي وإنما أراد الإمساك عن النظر في هذا والكلام فيه كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء وعن تفضيله على يونس3 نحو ذلك من الكلام الذي وإن كان حقا في نفس الأمر فقد يفضى إلى فتنة في القلب وإذا كان الأموات على الإطلاق ينبغي لنا إلا نخير بينهم إلا لحاجة فالصحابة الذين أمرنا بالاستغفار لهم وبمسألة4 أن لا تجعل في قلوبنا غلا لهم أولى والكلام فيما شجر بينهم يفضى إلى الغل المذموم ولهذا علل بأنها أمة قد سلفت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ونحن وإن علمنا بالنوع أن أد المختلفين مخطئ فليس علينا أن نعلمه بالشخص إلا في مسألة تتعلق بنا فأما اثنان اختلفا في مسألة تختص بأعيانهما فلا حاجة بنا إلى الكلام في عين المخطئ وهذا أصل مستمر ويدل على هذا أن أحمد بنى مسائله في قتال
1 في ا "نقل الحسن الترمذي".
2 من الآية "134" من سورة البقرة.
3 في ب د "عن موسى".
4 أي بأن نسأل الله ألا يجعل في قلوبنا غلا.
أهل البغي على سيرة علي ولما أنكر ابن معين على الشافعي ذلك قال له أحمد ويحك فماذا عسى أن يقول في هذا المقام إلا هذا يريد أنا لما أردنا أن نتكلم في نوع ذلك العمل لأجلنا عينا المصيب والمخطئ وأما الكلام في عين عملهما لا لأجل عملنا فلا حاجة لنا فيه فإن أكثر ما فيه نوع علم يقترن به غالبا من غل القلب ما يضر فيكون إثمه أكبر من نفعه كالغيبة مثلا.
قال القاضي في رأس المسألة الحق في واحد عند الله وقد نصب الله على ذلك دليلا إما غامضا وإما جليا وكلف المجتهد طلبه وإصابته بذلك الدليل فإن اجتهد وأصابه كان مصيبا عند الله وفي الحكم وله أجران أحدهما على اجتهاده والآخر على إصابته وإن أخطأه كان مخطئا عند الله وفي الحكم وله أجر على اجتهاده والخطأ موضوع عنه وردد هذا المعنى.
ثم قال في أثنائها فإن قيل كيف يستحق الأجر وقد أخطأ في الحكم وفي الاجتهاد قيل هو مصيب فيما فعل من الاجتهاد مخطئ في تركه للزيادة على ما فعله فهو مأجور على ما فعله مغفور له تركه ما ترك من الاجتهاد.
وقال أيضا فيها وأما منعه من العمل بما أدى اجتهاده إليه فلا يمنع منه لأن فرضه أن يحكم باجتهاده وبما يصح عنده فلا يصح منعه.
فقد أخبر أنه كلف إصابة الحكم المعين وأنه كلف الحكم باجتهاده وإن كان قد أفضى إلى غير المعين في الباطن وكلا القولين صحيح وبه ينحل الإشكال.
وقالت الحنفية كل مجتهد مصيب لما كلف من حكم الله تع إلى والحق واحد عند الله وهو الأشبه الذي لو نص الله على الحكم لنص عليه ولا شك أنه واحد وذكر أبو الخطاب أن هذا وفق قولنا إلا أن المكلف لم يكلف إصابته
بل كلف ما هو أشبه في ظنه ونظره وحكاه بعضهم عن الشافعي وحكي رواية عن الجبائي وقالت المعتزلة وأبو الهذيل وأبو هاشم كل مجتهد مصيب ثم اختلفوا هل هو عند الله حكم واحد مطلوب أم لا فمنهم من أثبته كقول الحنفية ومنهم من قال ليس هناك في الباطن حكم لله بل حكمه في كل مجتهد ما يؤديه اجتهاده إليه وليس على الحق دليل مطلوب وما كلف غير اجتهاده وحكي عن أبى حنيفة وهذا قول ابن الباقلاني وحكي عن أبى الحسن الأشعري فيها قولان: أحدهما كاختياره والذي حكاه ابن برهان عن الشافعي نفسه كمذهبنا وكذلك عن أبى الحسن الأشعري فيكون قوله الأخر1.
وذكر أبو المعالي أن القائلين بأن لا حكم لها في الباطن ولا واجب ولا مطلوب ولا دليل هم معظم المتكلمين فمنهم من قال يجب الاجتهاد كابن الباقلاني ومنهم من قال ما سبقنا فيه بالاجتهاد فليس علينا أن نجتهد فيه بل لنا أن نتخير من أقوال العلماء فنأخذ بما أردنا واستنبط ابن الباقلاني ذلك من كلام الشافعي والقول الثاني للمصوبة أن الحق عند الله واحد وعليه دليل منصوب هو المطلوب بالاجتهاد ولم يكلف المجتهد الإصابة وإنما كلف الاجتهاد فقط وهو مذهب أبى حنيفة والمزني واختاره.
وقال قوم منهم هو مأمور بطلب الأشبه عند الله وليس مأمورا بإصابته ويعزى إلى أبى يوسف ومحمد وابن أبان الكرخي فالأشبه هو أولى طرق العلة عند الله وقيل هو الذي لو ورد النص لما ورد إلا به وقيل هو معنى في القلب لا يقبل البيان باللسان.
وقال معظم الفقهاء المصيب واحد والمطلوب في كل مسألة العثور على حكم
1 في "فيكون اقولا آخر".
هو الحكم عند الله وعليه دليل وما يؤدى إلى خلافه فليس بدليل والمجتهد مكلف بإصابة ذلك الحكم المتعين عند الله وسلوك طريقه وإصابة دليله فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ عذر لغموض المدرك ووعورة المسلك وله أجر واحد ولأنه قصد طلب الحق وهذا هو المعزو إلى الشافعي1 وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق والأوزاعي ومن المتكلمين المحاسبي وعبد الله ابن سعيد.
وقال قوم المصيب واحد وليس ثم دليل منصوب عليه بل هو كالشيء المكنون يتفق العثور عليه.
وقال قوم المخطئ آثم غير معذور وهو مذهب داود ونفاة القياس والمريسي قال وقال الجبائي يتخير المجتهد في أقوال المجتهدين خرق الإجماع المنعقد على وجوب الاجتهاد على المجتهدين ويدانى هذا قول موسى بن عمران كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يفتى في الحوادث بما يشتهى والآن لصالحي الأمة أن يفتوا في الحوادث بما يشتهون من غير اجتهاد.
وقال قوم كل من أفتى في حادثة بحكم يريد التقرب به إلى الله فهو مصيب سواء كان مجتهدا أو لم يكن.
وطرد قوم هذا في مسالك العقول وحكى البغدادي هذا المذهب عن داود وأصحاب الظواهر وهذا يرد على العنبري لأن ذاك صوب كل مجتهد في الأصول وهذا القائل صوب كل من هذى بشيء2 من هذا وإن لم يكن مجتهدا بعد ما بذل وسعه.
[شيخنا] فصل:
إذا ثبت أن المصيب من المختلفين واحد فهل نقطع بصحة قولنا وخطأ
1 في اب "المعزي" والعربية تقتضي ما أثبتناه ونظيره "المغزو والمدعو" بتشديد الواو – اسم مفعول فعله غزا ودعا.
2 في د "كل من أفتى بشيء".
المخالف أم يجوز أن يكون الحق في ما غير قلناه قد نقل عن أبى الطيب الطبري أنه يقطع بخطأ مخالفه وينقض حكمه قال أبو الخطاب في التمهيد وقد أومأ إليه أحمد في رواية ابن الحكم وذكر نصه1 على نقض حكم من حكم بأن المشترى أسوة الغرماء والصحيح أن المسائل تنقسم قسمين إلى ما يقطع فيه بالإصابة وإلى ما ندرى 2أصاب الحق أم أخطأ بحسب الأدلة وظهور الحكم للناظر 3 [ولا أظن يخالف في هذا من فهمه وعلى هذا ينبني نقض حكم الحاكم وغيره3] ومن ذلك قول أبى بكر في الكلالة وقول عمر وغيره وعليه ينبني حلف الإمام أحمد في مسائل منها العينة4 وجبنه عن الحلف في آخر كالشفعة للجار وغير ذلك وهكذا قال ابن حامد في أصول الفقه في باب كتابة العلم وجمعه وتصنيفه قال الخلال على المذهب انه لا يرى الرد على أهل المدينة قال ابن حامد وإنما ذلك على أصل إمامنا في تخطئة أهل الاجتهاد وهل يسوغ لنا القطع بالخطأ أم لا فأهل المدينة قد قال أحمد إنهم للآثار يتبعون وإن من اجتهد بالأثر فالحق واحد والآخذ بالخبر الأخر معذور فأما أهل الرأي فلا خلاف عن أبى عبد الله أن أخذهم بالرأى مع الخبر مقطوع على خطئه فهو الذي يرد عليه ويبين عن خطئه.
[شيخنا] فصل:
لما تأول المخالف أن قوله: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ليس عائدا إلى الخطأ في الاجتهاد وإصابة الحكم بدليله لكن إلى كون المحكوم له يقتطع مال خصمه أو حقه بذلك الحكم لكذب الشهود أو مغالطة الخصم بكونه أخصم
1 في ب "وذكر نهيه".
2 في ا "وإلى ما ندري – إلخ"
3 ما بين هذين المعقوفين ساقط من ا.
4 في ا "منها العقيقة".
وألحن كما جاء [في] الحديث وهذا النوع من الخطأ هو الذي يستحق الحاكم فيه أجر اجتهاده وإصابة حكم الشرع1 حيث قضى بالبينة بظاهر العدالة وحرم أجر تحصيل الحق لمستحقيه بحكمه كمن يسقى المضطر ماء لا يعلم أنه مسموم فله أجر قصده لريه واستنقاذه من تلف العطش ولكن حرم ثواب إحياء نفسه باسقائه حيث لم يحصل له ذلك بإسقائه.
قال ابن عقيل الجهالة بكذب الشهود وما شاكل ذلك من إقرار الخصم على سبيل التهزي ونحو ذلك مما لا يضاف إلى الحاكم به الخطأ ولهذا من جهل نجاسة ماء فتوضأ به بناء على حكم الأصل أو أخطأ جهة القبلة مع اجتهاده ولم يعلم لا ينقض ثوابه ولا أجر عمله لحديث عمر في الميراث2.
قال شيخنا قلت: الحكم نوعان إنشاء وإبداء فالإنشاء كالحكم فيمن نزلوا على حكمه وكالحكم في الفرائض وفي لفظ الحرام وفي موجبات العقود ونحو ذلك فهذا مثل الفتيا سواء والثاني الإبداء وهو الحكم بموجب البينة والإقرار والدعوى مع كذبهما في الباطن وهذا الذي دل عليه حديث أم سلمة وهو نوعان أحدهما أن يعتقد البينة عدولا ولا تكون عدولا أو يعتقد اللفظ إقرارا ولا يكون كذلك فهذا كاعتقاده فيما ليس بدليل على الحكم أنه دليل والثاني أن تكون البينة عدلا لكن أخطأت واللفظ إقرار لكن أخطأ المقر وأحدهما أظهر حجته والآخر سكت عنها كما دل عليه حديث أم سلمة فهذا كما لو حكم بدليل وكانت دلالته مختلفة فحديث أم سلمة يدل على هذا.
[شيخنا] فصل:
قال ابن عقيل الأمور المنظور فيها والمستدل بها على الأحكام على ضربين منظور فيها يوصل النظر الصحيح فيها إلى العلم بحقيقة المنظور فيه فهذا دليل على
1 في ا "وإصابة حكم الفرع".
2 في د "في الميزاب".
قول الجماعة والضرب الأخر أمر يوصل النظر فيه إلى الظن وغالب الظن فيوصف بأنه أمارة من جهة الاصطلاح وقد ذكر في الجزء الأول فيه اصطلاحين قال ومرادنا بقولنا في هذا الضرب الذي يقع عند النظر فيه غالبا الظن أنه طريق للظن أو موصل أو مؤد إليه أنه مما يقع الظن عنده مبتدأ لا أنه طريق كالنظر في الدليل القاطع الذي هو طريق للعلم بمدلوله وإنما يتجوز بقولنا يوصل ويؤدى وأنه طريق للظن.
قال شيخنا قلت: هذا موافق لقول من قال من المعتزلة والأشعرية كابن الباقلاني ان كل مجتهد مصيب وإن الظنيات ليست في نفسها على صفات توجب الظن كالعلميات والصواب عند الجمهور خلافه وهى مسألة اعتقاد الرجحان ورجحان الاعتقاد.
مسألة يجوز عقلا للنبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد ويحكم بالقياس
في قول الجمهور وقال بعضهم لا يجوز ذلك.
مسألة فأما شرعا فاختلف أصحابنا
فقال بعضهم كان متعبدا به كأمته اختاره القاضي وأبو يوسف وأكثر الشافعية وابن بطة وقال بعض أصحابنا منهم العكبرى لم يكن متعبدا به وبه قال الجبائي وابنه وبعض الشافعية وقال عبد الجبار بن أحمد نحو ذلك ولا أقطع به لأنه ليس في العقل ولا في السمع أنه تعبد بذلك ولا أنه لم يتعبد به هذا نقل أبى الخطاب واختار الأول والثاني هو الذي في المجرد قال فأما الاجتهاد يعنى للأنبياء فيما يتعلق بأمر الشرع فالعقل غير مانع منه وأما ورود التعبد به شرعا فظاهر كلام أحمد ما كان لهم ولا كانوا متعبدين به قال في رواية عبد الله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى} 1 وذكر أنه يجوز لهم أن يجتهدوا فيما يتعلق بمصالح الدنيا وتدبير الحروب وذكر أبو الخطاب والجوينى مسألة اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم مسألتين إحداهما أنه يجوز له
1 من الآية "3" من سورة النجم.
أن يجتهد ويحكم بالقياس من جهة العقل وقال بعضهم لا يجوز وحكى الجويني عن الجبائي أنه يجوز ذلك في الآراء والحروب دون الأحكام الثانية هل كان متعبدا بالاجتهاد فيما يتعلق بأمر الشرع اختلف أصحابنا فيه وذكر ثلاثة أقوال الثالث قول عبد الجبار وهو اختيار الجويني يجوز ذلك ولا أقطع به لأنه ليس في العقل ولا في السمع ما يدل على أنه تعبد بذلك ولا أنه لم يتعبد بذلك قلت: هذا الخلاف في وقوع ذلك.
[شيخنا] فصل:
ويجوز أن تكون علة الأصل معلومة عنده ذكره أبو الخطاب قال وقيل لا نقطع نحن ولا هو على علة حكم الأصل وإن جاز أن نقطع على علة حكم الفرع.
مسألة قد كان يجوز لنبينا صلى الله عليه وسلم أن يحكم باجتهاده
فيما لم يوح إليه فيه ذكره ابن بطة والقاضي وابن عقيل وأبو الخطاب وأومأ إليه أحمد وبه قالت الحنفية وأكثر الشافعية خلافا للمتكلمين من المعتزلة الجبائي وابنه وكثير من الشافعية وقد حكى الشافعي في أول رسالته فيه خلافا والأشعرية وأبى حفص العكبري من أصحابنا واحتج بقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} 1 وبحديث ذكره وكذلك ذكر أنه لا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقضى برأي واجتهاد هذا قول أهل الحق كافة انه لا يجوز أن يحكم ويقضى في دين الله إلا بوحي وأحسبه كلام أبي عبد الله بن حامد في كتابه في أصول الدين وعن الشافعية كالمذهبين.
قال شيخنا قال ابن بطة فيما كتب به إلى أبن شاقلا في جوابات مسائل وقال والدليل على أن سنته وأوامره قد كان فيها بغير وحى وأنها كانت بآرائه
1 من الآية "4" من سورة النجم
واختياره أنه قد عوتب على بعضها ولو أمر بها لما عوتب عليها من ذلك حكمه في أسارى بدر وأخذه الفدية وإذنه في غزوة تبوك للمتخلفين بالعذر حتى تخلف من لا عذر له ومنه قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} 1 فلو كان وحيا لم يشاور فيه.
قال القاضي وقد أومأ أحمد إلى صحة ما قاله أبو عبد الله بن بطة في رواية الميموني لما قيل له هاهنا قوم2 يقولون ما كان في القرآن أخذنا به قال ففي القرآن تحريم لحوم الحمر الأهلية والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إلا أني أوتيت الكتاب ومثله معه" وما علمهم بما أوتى.
وأما أبو حفص العكبري فإنه ذكر في باب التسعير قوله: "لا يسألني الله عن سنة أحدثتها فيكم لم يأمرني الله بها" قال هذا يدل على أن كل سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته فبأمر الله وبهذا نطق القرآن.
قلت كلام أحمد لا يدل إن دل إلا على القول الثاني لأنه استدل بقوله أوتيت الكتاب ومثله معه والذي أوتيه هو السنة فلم يكن عند أحمد شيء مجتهد فيه وإنما اجتهاده في الأمور الجزئية قولية أو عملية من باب تحقيق المناط وهذا لا خلاف فيه وقصة داود من هذا الباب ويجب الفرق بين الأحكام الكلية العامة وبين أحكامه الشخصية الخاصة.
وأستدل القاضي بالقياس على استدلاله بالظواهر والعموم والصواب أن يقال ان استدل بها على حكم عام فهو معصوم في ذلك وله اختصاص ليس لغيره وإن كان الاستدلال على حكم شخصي فلا فرق بينه وبين القياس وبالجملة القياس الذي نستفيد به الأحكام قطعي في حقه وظني فأما القطعي فجائز وأما الظني فهو محل التردد.
1 من الآية "159" من سورة آل عمران.
2 في ب "ههنا فقيه يقولون".
فصل:
واختلف القائلون بجواز الحكم له بالاجتهاد في تطرق الخطأ عليه فيه فقال أصحابنا وذكره أبو الخطاب في مسألة تصويب المجتهدين وأكثر الشافعية وأهل الحديث يجوز ذلك لكن لا يقر عليه وسلم ابن عقيل وغيره امتناع الخطأ فيما أخبره به عن الله وفيما أجمعت الأمة عليه.
قال شيخنا قلت: هذا في الأمة مبنى على مسألة انقراض العصر وأما في التبليغ ففي جواز ما لا يقر عليه من ذلك خلاف معروف سببه حديث السهو قال الخطابي في معالم الحديث أكثر العلماء متفقون على أنه قد يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم الخطأ فيما لم ينزل عليه فيه وحى ولكنهم مجمعون على أن تقريره على الخطأ غير جائز وذكر ذلك عذرا لقول عمر في الكتاب الذي أراد أن يكتبه واستشهد بقوله: "إنما أنا بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما عبد لعنته أو سببته فأجعل ذلك له صلاة وزكاة".
ومن ذلك مراجعته في بعض الأمر حتى يعزم عليه فحينئذ لم يكن له أن يراجع وقال بعض الشافعية هو معصوم عن الخطأ ولا يجوز عليه وكذلك قال أبو الخطاب ان حكمه أن يصير معصوما بعصمته وإن صدر عن الظن كالإجماع ثم ذكر أنه إذا أقر عليه لم يكون إلا صوابا.
قال القاضي في ضمن مسألة تصويب المجتهدين لما احتج بقصة داود فإن قيل كيف يقع الخطأ على الأنبياء قيل يجوز عليهم كما يجوز على غيرهم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما أنسى لا سن وإنما الفرق بيننا وبينهم أنهم لا يقرون على الخطأ ونحن نقر عليه".
ثم قال في مسألة اجتهاده لما احتج المخالف بأن الاجتهاد يؤدى إلى غلبة الظن وهو قادر على الحكم بالعلم من طريق الوحي فقال الجواب أن النص من الله
مفقود في الحال وعلى أنه معصوم في اجتهاده كالأمة فلا يقول أن طريقه غلبة الظن واحتج بأن من رد قوله كفر خلو جاز أن يحكم بالاجتهاد لم يجز تكفيره لأن الاجتهاد حكم من طريق الظن وهذا لا يجوز تكفيره لإجماع المسلمين على عدم تكفيره والجواب أنه يكفر بكونه مكذبا للرسول في خبره وقولهم إن الاجتهاد يؤدى إلى غالب الظن فلا يصح لأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم في اجتهاده من الخطأ والزلل مقطوع بإصابته الحق ودرك الصواب وكذلك في مسألة انقراض العصر في أسئلة المخالف إن الرسول لا يرجع عما كان عليه لأنه يبين له الخطأ وإنما يرجع بأن يقول كنت على الصواب ولكن قد نسخ عنى ذلك وأمرت بغيره وليس كذلك المجمعون لأنهم يرجعون عما كانوا عليه لأنه قد تبين لهم الخطأ فيما كانوا عليه ولم يمنع القاضي ذلك.
مسألة ترجمها ابن برهان بهذه العبارة فقال يجوز أن يتعبد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالعمل بالقياس
كغيره من أمته وأنكرت طائفة ذلك.
مسألة قال القاضي [وابن عقيل] يجوز أن يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم احكم بما ترى أو بما شئت فانك لا تحكم إلا بصواب
قال القاضي بناء على المسألة قبلها وأنه كان يجوز لنبينا صلى الله عليه وسلم أن يجتهد فيما يتعلق بالشرع واختاره الجرجاني وهو قول الشافعية وجمهور أهل الحديث ذكره ابن عقيل ومنع منه أبو سفيان وجماعة من المعتزلة وأبو الخطاب وذكر أنه قول أكثر العلماء وحكي عن الشافعي نحو الأول وحكي عن يونس بن عمران والنظام جواز ذلك للنبي ولغيره من المجتهدين.
[شيخنا] فصل:
قال المخالف اتفاق الصدق في المستقبل لا يقع منا كذلك اتفاق الصواب فقال القاضي غير ممتنع أن يقع في الأمرين معا كما تتفق أمور كثيرة على طريقة واحدة
كما يقع في العلوم وقال يجوز أن يبعث الله رسولا ويجعل له أن يشرع الشريعة كلها فيما يمكن الوصول إليه من طريق الفكر والرأي إذا علم الله أن المصلحة فيه كما يجوز أن يبيح له أكل ما شاء إذا علم أنه لا يختار أكل الحرام وجوز بالنوعين ما يحكم فيه باجتهاد واستدلال وما يقوله إذا خطر بباله من غير اجتهاد إذا علم الله أنه يصيب ما هو المراد عند الله لأن التعبد قد ورد بمثله في العامي أنه يخير في تقليد من شاء من العلماء ويكون ذلك حكم الله عليه من غير أن يرجع إلى أصل يستدل به واحتج بما حرم إسرائيل على نفسه واحتج بالمخير والمطلق وهو ضعيف.
مسألة يجوز لمن كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد سواء كان غائبا عنه أو حاضرا معه
وبه قال أكثر الشافعية ومنع قوم منه لمن بحضرته أو قريبا منه وحكى الجرجاني عن أصحابه إن كان بإذنه جاز وإلا فلا هذا قول القاضي وابن عقيل وهو قول أبى الخطاب وهو مقتضى قول أحمد لأنه جعل القياس إنما يجوز عند الضرورة كما تقدم في مسألة القياس وقال قوم من المتكلمين لا يجوز ذلك لمن في حضرته حاضرا كان أو غائبا عنه حكاه ابن عقيل وهذا هو الذي في مقدمة المجرد إلا أن يكون غلطا أنه لا يجوز لمن حضر أو غاب والأول اختيار أبى الطيب وقال بعض أصحابنا وقوم من المتكلمين لا يجوز الاجتهاد بحضرته لأنه حكم بغلب الظن مع إمكان العلم وهذا هو الذي حكاه القاضي في كتاب الروايتين عن ابن حامد فقال هل يجوز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم أو في مجلسه قال شيخنا أبو عبد الله لا يجوز وعندي أنه يجوز وعلل قول شيخه بأنه رجوع إلى غالب الظن مع قدرته على القين وجعلهما أبو الخطاب مسألتين فقال مسألة يجوز لمن غاب عن النبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الحوادث وقال بعضهم لا يجوز ثم ذكر في المسألة الثانية أنه في الغيبة به حادة لأنه لا يمكنه سؤال الرسول وإن أخر الحادثة إلى وقت لقائه بطل الحكم وضاع الناس.
مسألة فإن كان بحضرته أو بموضع يمكنه سؤاله في الحادثة قبل ضيق وقتها جاز له الاجتهاد
بشرط أن يأذن له أو يسمع حكمه فيقره عليه وهو قول الحنفية وقال الجبائي وابنه وغيرهما لا يجوز وقال شيخنا وأكثر الشافعية يجوز بدون الشرط المذكور ونقل المقدسي كتفصيل أبى الخطاب في مسألة واحدة.
[شيخنا] فصل:
وللمفتى أن يرد الفتوى إذا كان في البلد من يقوم مقامه وإلا لزمه النظر فيها وقال أبو عمرو بن الصلاح ان لم يكون في البلد إلا هو تعين عليه الجواب وإن كان في الناحية اثنان واستفتيا معا فالجواب واجب عليهما على الكفاية وإن لم يحضر غيره وعند الحليمي يتعين عليه بسؤاله جوابه وليس له أن يحيله على غيره.
[شيخنا] فصل:
فإن كان في البلد من هو معروف عند العوام بالفتيا وهو في الباطن جاهل تعين على هذا الجواب والأظهر أنه لا يتعين عليه بذلك لحديث ابن أبى ليلي وإذا سأل العامي عما لم يقع لم تجب مجاوبته.