الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كأن غنا الورقاء من فوق دوحها
…
قنان وأوراق الغصون ستور
تمايل فيها الغصن من نشوة الصبا
…
كأن عليه بالسلاف تدير
وهي أطول من ذلك أضربنا عنها للإطالة، انتهى.
1358 - ناظر الجيش
790 - 854هـ؟ 1388 - 1450م
عبد الباسط بن خليل بن إبراهيم، القاضي زين الدين، ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية.
هو دمشقي الأصل والمولد والمنشأ، مصري الدار والوفاة.
أخبرني من لفظه المقر الأشرف القاضي الكمال محمد بن البارزي - كاتب السر الشريف - أنه سأله في مرض موته عن مولده فقال: في سنة تسعين وسبعمائة أو في التي قبلها، انتهى.
قلت: ونشأ المذكور بدمشق بخدمة القاضي بدر الدين محمد بن موسى ابن محمد بن الشهاب محمود - كاتب سر دمشق المعروف بابن الشهاب محمود، ثم اتصل بخدمة الملك المؤيد شيخ المحمودي - قبل أن يتسلطن وهو يومئذ نائب الشام - ولا زال في ركابه حتى قدم معه إلى الديار المصرية بعد قتل الملك الناصر فرج بن برقوق وسلطته الخليفة المستعين بالله العباس في سنة خمس عشرة وثمانمائة، واستمر عنده إلى أن تسلطن الأمير شيخ المحمودي المذكور ولقب بالملك المؤيد، قربه وأدناه ورقاء حتى صار ناظر الخزانة الشريفة وكاتبها.
وكان لما قدم إلى القاهرة سكن بجورانا بالبندقيين، وتنقل في عدة أماكن إلى أن سألنا أن يسكن في دار لنا بالحارة فأجبناه إلى ذلك، وسكن بها سنين إلى أن اشترى بيت تنكز وعمره تجديداً، وانتقل إليه، وشرع في عمارة مدرسته التي تجاه داره المذكورة، وكلها في أواخر سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة.
ولما ولاه الملك المؤيد نظر الخزانة استقلها في نفسه، ولم يسعه طلب وظيفة أعظم منها لوجود من هو أعظم منه من جماعة الملك المؤيد، ولبعده عن العلوم والمباشرة، فأخذ هو يسير على قاعدة عظماء الدولة في الحشم والخدم والمماليك من سائر الأجناس والندماء والأصحاب، ونزل الملك المؤيد إليه بدارنا غير مرة.
وصار السلطان يخلع عليه الخلع السنية كالكوامل السمور وغيرها، وركب بسرج ذهب وكنبوش زركش وغير مرة.
وكان عنده شمم فصار لا يسلم على أحد إلا نادراً، فلزمته العامة وصاروا يقولون: يا باسط خذ عبدك، فشكاهم إلى الملك المؤيد فتوعدهم المؤيد بكل سوء، فصاروا يقولون: يا جبال
…
يا رمال
…
يا الله
…
يا لطيف، فلما رأى ذلك منهم، وعلم أنه لا يقدر عليهم ذل لهم وصار يسلم عليهم ويرحب بهم، فسكتوا عنه وأحبوه بعد ذلك.
ولا زال عبد الباسط هذا آية في الدولة المؤيدية إلى أن أثرى ونالته السعادة، وعمر هذه الأملاك، وأنشأ القيسارية المعروفة بالباسطية بالماطيين داخل باب زويلة التي كانت مدرسة لفيروز الطواشي، وكان فيروز المذكور وقف عليها عدة أوقاف - يأتي ذكر ذلك كله في ترجمة فيروز - كل ذلك في الدولة المؤيدية، وهو كاتب الخزانة لا غير.
واستمر على ذلك إلى أن مات الملك المؤيد شيخ في محرم سنة أربع وعشرين وثمانمائة وتسلطن من بعده ولده الملك المظفر أحمد بن شيخ، ثم خلع المظفر بالملك الظاهر ططر، وقدم من الشام إلى القاهرة، وعبد الباسط على ما هو عليه إلى
يوم الاثنين سابع ذي القعدة من سنة أربع وعشرين أخلع عليه ططر في نظر الجيش بعد عزل القاضي كمال الدين محمد بن البارزي عنها، فلم تطل مدة ططر ومات، وتسلطن ابنه الملك الصالح محمد، ثم خلع بعد مدة يسيرة بالملك الأشرف برسباي الدقماقي، فعند ذلك أخذ الزيني عبد الباسط يتقرب إليه بالتقادم الهائلة والتحف الظريفة، وفتح له أبواباً في جمع الأموال، وإنشاء العمائر، وكان عند الملك الأشرف بعيض طمع، فطال عبد الباسط بذلك واستطال حتى صار هو المشار إليه والمعول عليه في الدولة، ونالته السعادة، ورأى من الوجاهة والحرمة ما لم ينله أحد في زمانه.
على أنه كان في الغالب لا يسلم من معاند عند الملك الأشرف لكنه كان لا يظهر ذلك عنه لكل أحد لما كان يبذله من الأموال والهدايا والتحف، والمعاندون له أولهم عظيم الدولة الأشرفية الأمير جانبك الأشرفي الدوادار الثاني، فلا زال عبد الباسط يخدمه ويتقرب إليه حتى أراحه الله منه بالموت، فنبز له القاضي بدر الدين محمد بن مزهر كاتب السر، فصار حال عبد الباسط معه في شدة ورخاء إلا أن صوته في قول ضعيف، ثم نبز له الأمير صفي
الدين جوهر القنقباوي الخازندار وعظم في الدولة وصار أمور المملكة بيده، فخضع له عبد الباسط ودار معه حيثما أداره جوهر المذكور، كل ذلك لا يظهر عنه أنه انحط قدره عند السلطان.
ولا زال يتستر بقبوله كل ما أمره به الملك الأشرف من الكلف والوظائف التي عجز أربابها عن القيام بكلفها إلى أن مات الملك الأشرف، برسباي في سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، وتسلطن ولده الملك العزيز يوسف، وكثر الكلام بين المماليك الأشرفية في تفرقة الإقطاعات، حصل لعبد الباسط المذكور بعض إهانة من بعض الخاصكية الأشرفية، بالكلام، فالتجأ إلى الأمير الكبير جقمق العلائي، ثم مضت أيام وخلع الملك العزيز يوسف وتسلطن الملك الظاهر جقمق، فأخلع على عبد الباسط باستمراره في وظيفة نظر الجيش، فباشرها أشهراً، وقبض الملك الظاهر جقمق عليه وحبسه بالمقعد على باب البحرة المطل على الحوش السلطاني بقلعة الجبل في يوم الخميس ثامن عشرين ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة، وصمم على أنه يأخذ منه ألف ألف دينار، فأخذ القاضي كمال الدين البارزي كاتب السر يتكلم في أمره وساعده أيضاً جماعة
من أعيان الدولة، ولا زالوا بالسلطان حتى أخذ منه مائتي ألف دينار وخمسين ألف دينار بعد أن نقل إلى البرج بقلعة الجبل، وأهين باللفظ غير مرة، ثم أطلق واستمر بالقلعة، ورسم له بالتوجه إلى الحجاز، فأخذ في تجهيز أمره حتى انتهى حاله طلبه الملك الظاهر من نائب القلعة في يوم الثلاثاء ثماني عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين، فدخل إله ومعه أعيان أهل الدولة، فأخلع عليه السلطان وعلى عتيقة جانبك الإستادار، ونزلا من القلعة إلى مخيم عبد الباسط بالريدانية خارج القاهرة، واجتمع عليه أولاده وعياله وحواشيه، وسافر بهم الجميع إلى مكة في يوم الاثنين ثامن عشر إلى أن وصل إلى مكة وأقام بها إلى سنة أربع وأربعين وثمانمائة رسم له بالعود إلى الشام، فتوجه إلى دمشق وأقام بها سنيات، وقدم إلى القاهرة بإذن، فكان يوم قدومه يوماً مشهوداً، وطلع إلى السلطان بالحوش السلطاني وقبل الأرض، وأخلع عليه كاملية صوف أبيض بفرو سمور، وعلى أولاده، ونزل إلىداره، ثم قدم تقدمة هائلة - ذكرناها في الحوادث - وأقام بالقاهرة مدة، ثم عاد إلى دمشق بعد أن أنعم عليه السلطان بإمرة عشرين بها، واستمر بدمشق سنيات، ثم قدم إلى القاهرة ثانياً واستوطنها وحج في الرجبية في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة، وعاد بعد الحج إلى القاهرة في سنة أربع وخمسين، واستمر بها حتى مرض أشهراً ومات وقت المغرب من يوم الثلاثاء رابع شوال سنة أربع وخمسين وثمانمائة، وصلى عليه من الغد بمصلاة باب النصر، ودفن بتربته التي أنشأها بالصحراء، رحمه الله.
وكان جميلاً وسيماً، ذا شكالة حسنة ووجه مليح، وكان للطول أقرب رأيته بلحية سوداء ثم بيضاء، فكان في كليهما مليحاً صبيحاً.
وكان صاحب دهاء ومعرفة ورأي وتدبير، عارفاً بأمور دنياه، عالي الهمة، مقداماً، مبذلاً للأموال في نفوذ كلمته وإظهار حرمته، لا يلتفت إلى ما يتلفه من الأموال في هذا المعنى.
وكان صاحب معروف وصدقات وكرم وإنعام على حواشيه ومن يلوذ به، على أن سيئاته لهم كانت أضعاف حسناته لشراسة خلقه وبذاءة لسانه، وسوء بادرته، وحدة مزاجه، مع ظلم وعسف، وسطوة وجبروت، وخفة وطيش، بحيث إنه كان إذا تغير على أحد لا يمنعه منه إلا ذهاب روحه، وكان يعاقب على الذئب الخفيف الألف عصاه فما دونها، وقتل من خدمه جماعة تحت العقوبة، يعرف ذلك من له به إلمام وصحبة، هذا مع التكبر والتعاظم على من دونه، والتواضع والانخفاض لمن هو فوقه، مع أنه كان إذا حنق يتساوى عنده الكبير والصغير، غير أنه كان إذا راق مزاجه يتدارك أمره مع الكبير ويبذل له ما قل وما جل، ولا يزال به حتى يسترضيه، وأما الصغير فحاله موقوف معه إلى يوم القيامة.
وكان متجملاً في ملبسه ومركبه وحواشيه وذويه، مغرماً بالأشياء الحسنة من كل صنف، جماعة الجياد الحيل والتحف.