المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الثالثفي عدالة الصحابة - النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد - جـ ٣

[إبراهيم بن سعيد الصبيحي]

فهرس الكتاب

- ‌الْقسم الثالث«القواعد النظرية والاستقرائية التي بنى عليها المعلمي منهجه في النقد»

- ‌مقدمة

- ‌تمهيد

- ‌الباب الأولفي فصول نافعة في السنة وأهلها، وعناية الأئمة بها، ومدح أصحاب الحديث، وذم مخالفيهم من أهل الكلام والرأي

- ‌الفصل الأولفي تعريف "السنة

- ‌الفصل الثانيفي منزلة السنة من الدين

- ‌الفصل الثالثكتابة الحديث في العهد النبوي، وأسباب عدم انتشار ذلك حينئذٍ، والاستدلال بحفظ الله تعاله للسنة على دحض شبهات المخالف

- ‌الفصل الرابعتحقيق المقال في الأحاديث الواردة في النهى عن كتابة الحديث

- ‌الفصل الخامسعناية الأئمة بحفظ السنة واحتياطهم البالغ في نقد الرواة والأخبار

- ‌الفصل السادسفي الانتصار لأصحاب الحديث، وبيان مراعاتهم للعقل في نقد الأسانيد والمتون، وذم ما عليه المتكلمون والمتفلسفون لخوضهم في غوامض المعقول

- ‌الفصل السابعفي بيان بعض ما انتقد على أهل الرأي والكلام والكُتَّاب العصريين في دفع الصحيح من المرويات وقدح الثقات من الرواة وغير ذلك

- ‌الفصل الثامنفي رفع الإشكال عن كلمات في ذم الحديث وطلبته خرجت من أصحابها دون قصد ظاهرها

- ‌الفصل التاسعالإشارة إلى إعراض كثير من الناس في العصور المتأخرة عن هذا العلم العظيم، ووجوب تسليم مَن دون أئمة الحديث لهم في معرفة المقبول من المردود

- ‌الباب الثانيفي قواعد نقد الخبر وشرائط قبول الحديث

- ‌الفصل الأولالقواعد النظرية ومنزلتها من النقد

- ‌الفصل الثانيمراتب نقد الخبر، وشرائط قبول الحديث

- ‌المرتبة الأولى: النظر في أحوال رجال سنده واحدًا واحدًا

- ‌الشرط الأول: الإسلام

- ‌الشرط الثاني: البلوغ

- ‌الشرط الثالث: العقل

- ‌الشرط الرابع: العدالة

- ‌المبحث الأولفي معنى العدالة

- ‌المبحث الثانيفي ذكر بعض شروط تحقيق العدالة

- ‌المبحث الثالثفي عدالة الصحابة

- ‌المبحث الرابعفي عدالة التابعين

- ‌المبحث الخامسأوجه الطعن في العدالة

- ‌الوجه الأولرمي الراوي بالكذب في الحديث النبوي

- ‌المطلب الأولفي بيان حفظ الله تعالى للسنة من اختلاط الكذب ونحوه بها وأن وقوع الكذب في الرواية لا يمنع من معرفة الصدق فيها

- ‌المطلب الثانيفي ذم الكذب

- ‌المطلب الثالثفي الرواية عن الكذابين والمتروكين ونحوهم

- ‌المطلب الرابعفي رواية الأحاديث المكذوبة والباطلة والمنكرة في الكتب

- ‌المطلب الخامسفي سرقة الحديث

- ‌أولًا: المقصود بسرقة الحديث:

- ‌ثانيًا: الباعث على سرقة الحديث وقيمة معرفة ذلك:

- ‌ثالثًا: من دلائل الاتهام بسرقة الحديث:

- ‌رابعًا: بعض مسالك الكذابين والسارقين:

- ‌1 - تركيب الأسانيد على متون مسروقة:

- ‌2 - السارق يُدخل الحديثَ على من لا يُظن به الكذب ترويجًا له:

- ‌3 - الكذب على المغمورين أبعد عن الفضيحة:

- ‌4 - أمثلة للتهمة بسرقة الحديث ونظر المعلمي في ذلك:

- ‌خامسًا: السارق لا يُعتد بمتابعته:

- ‌المطلب السادسمن قواعد الحكم على الحديث بالبطلان أو الوضع، وأنه لا يلزم اشتمال إسناده على كذاب

- ‌أولا: قال الشيخ المعلمي في مقدمة الفوائد المجموعة:

- ‌ثانيًا: نماذج من تطبيق المعلمي لتلك القواعد:

- ‌الوجه الثانيأنواع من الكذب تُلحق بالكذب في الحديث النبوي

- ‌الوجه الثالثرمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي

- ‌الوجه الرابعالتهمة بالكذب

- ‌الوجه الخامسخوارم المروءة

- ‌الوجه السادسالبدعة

- ‌ قال العلامة المعلمي في كتاب "الاستبصار

- ‌ وقال في "عمارة القبور

- ‌ وقال المعلمي في القاعدة الثالثة من قسم القواعد من "التنكيل

- ‌الوجه السابعالجهالة

- ‌الفائدة الأولى: مناهج بعض الأئمة في توثيق المجاهيل

- ‌الفائدة الثانية: المجهول قد يَسْقُطُ أو يُتَّهَمُ بما يرويه إذا قامت القرائن على ذلك:

- ‌الفائدة الثالثة: عدم وقوف أمثالنا على ترجمة للرجل لا يُسَوِّغُ لنا الحكم عليه بالجهالة:

- ‌الفائدة الرابعة: أمثلة لـ: "مجهول الحال

- ‌الشرط الخامس من الشروط الواجب توفرها في الراوي: الضبط

- ‌ ضبط الصدر

- ‌المسألة الأولىالأصل فى الحفظ هو حفظ الصدور

- ‌المسألة الثانيةضبط الصغير المميز

- ‌المسألة الثالثةفي بيان حد الضابط لحديثه، وهل من شرط الضابط أن لا يقع له النسيان أو الشك

- ‌المسألة الرابعةهل الضبط يتجزأ

- ‌المسألة الخامسةالأمية وأثرها في ضبط الراوي

- ‌المسأله السادسةأوجه الطعن في ضبط الراوي أو مظاهر خفة ضبط الراوي

- ‌الوجه الأولوقوع الخطأ في حديث الراوي

- ‌المطلب الأولتفاوت درجات وقوع الخطأ في حديث الراوي، وأثر ذلك في الحكم عليه بالقبول والرد

- ‌المطلب الثانيالإصرار على الخطأ وأثره في قبول الراوي

- ‌الوجه الثاني من أوجه الطعن في ضبط الراوي

- ‌المطلب الأولكبر السن أو ذهاب البصر لا يستلزم التغير، فإنا كان فإنه لا يستلزم الاختلاط الاصطلاحي

- ‌المطلب الثانيقد يتغير الرجل أو يختلط ولا يظهر له في ذلك الحال ما يُنكر عليه

- ‌المطلب الثالثرواية حاكي الاختلاط عن المختلط هل يُعتد بها

- ‌الوجه الثالث من أوجه الطعن في الضبط: قبول التلقين

- ‌المطلب الأولمعنى التلقين وعلاقته بالوضع ونحوه

- ‌المطلب الثانيجواز التلقين على سبيل الامتحان مع بيان ذلك في المجلس وأن الشيخ يسقط بكثرة قبوله له

- ‌المطلب الثالثالإعلال باحتمال وقوع التلقين ممن جُرِّبَ عليه ذلك

- ‌الوجه الرابع من أوجه الطعن في الضبط: الإدخال في حديث الراوي

- ‌المطلب الأولالإدخال القادح وغير القادح

- ‌المطلب الثانيشأن من أُدخلت عليه أحاديث ألا يُقبل منه إلا ما رواه عنه متثبت ينظر في أصول كتبه

- ‌المطلب الثالثقد يسقط الرجل إذا حدث بأحاديث أدخلت عليه

- ‌الوجه الخامس من أوجه الطعن في الضبط: الغفلة

- ‌الوجه السادس من أوجه الطعن في الضبط: النسيان

- ‌ ضبط الكتاب

- ‌المطلب الأولأهميةُ الضبطِ بالكتابة، وعنايةُ المحدثين بأصلِ السماعِ، والمطالبةُ به إذا حَدَثتْ رِيبةٌ، وهل يُغمزُ الراوي حينيذٍ إذا لم يُبْرِزْهُ؟ وهل يُعذر أحيانا إذا لم يبرز بروايته أصلا

- ‌المطلب الثانيصحة كتاب الراوي تغني عن النص على ضبطه إذا كان صدوقا

- ‌المطلب الثالثهل تصح رواية الراوي من غير أصله إذا وثق به

- ‌المطلب الرابعهل الروايةُ من أصلٍ موثوقٍ فيه موثوقٍ أمتنُ أم الرواية من الحفظ

- ‌المطلب الخامستقديم المفضول على الفاضل في شيخٍ لروايته عنه من أصله

- ‌المطلب السادسرواية أهل الثبت والتحري عمن في أصوله سُقْمٌ واضطراب ونحو ذلك

- ‌المطلب السابعوقع الخطأ في الحداثة وبقاؤه في الأصل العتيق للشيخ

- ‌المطلب الثامنضياع الكتب أو دفنها وأثر ذلك على ضبط الراوي

- ‌المطلب التاسعرواية الضرير من كتبه

- ‌المطلب العاشرفوائد تتعلق بالنُسَخِ والأصولِ، وذِكْرِ التسميعات والتصحيحات، وعادة المحدثين في كتابة السماع في كل مجلس، وكيف تصح رواية الحفاظ المتأخرين للكتب الستة ونحوها

- ‌كثرةُ التسميعات والتصحيحات في الأصول القديمة لا ينفي وقوع الخلل فيها

- ‌عادةُ المحدثين كتابةُ السماع في كل مجلس، وما يترتب على ذلك

- ‌استغناء أهل العلم بالوثوق بصحة النسخة عن اشتراهما صحة السند إليها

- ‌المرتبة الثانية: النظر في اتصال الخبر

- ‌المطلب الأولقضية اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين

- ‌1 - البحث الذى ذكره الشيخ المعلمي في "عمارة القبور

- ‌2 - القاعدة التاسعة من مقدمة "التنكيل" تحت عنوان: مباحث في الاتصال والانقطاع:

- ‌المبحث الأول

- ‌المبحث الثاني

- ‌المبحث الثالث

- ‌المبحث الرابع

- ‌المبحث الخامس

- ‌3 - جواب المعلمي

- ‌المطلب الثانيفوائد متفرقة تتعلق بقضية التدليس

- ‌الأولى: أثر التدليس على العدالة

- ‌الثانية: الفرق بين حدِّ التدليس والإرسال:

- ‌الثالثة: الوصف بمطلق التدليس يُحمل على أخف أنواعه وهو: تدليس الشيوخ، أما تدليس التسوية فلا بد فيه من التصريح به:

- ‌الرابعة: عنعنة المدلسين داخل "الصحيحين

- ‌الخامسة: الإعلال بالتدليس:

- ‌المطلب الثالثضرورة إجراء القواعد في نقد صيغ الأداء الواردة في الأسانيد

- ‌المطلب الرابعقضايا ومسائل تتعلق بالسماع

- ‌1 - معنى السماع بمعناه الواسع:

- ‌2 - نفي السماع لا يلزم منه انتفاء جميع صور التحمل كالإجازة والمكاتبة ونحوها:

- ‌3 - لا ملازمة بين عدم التحديث وعدم اللقاء أو السماع؛ فإن كثيرا من الرواة لقوا جماعة من المشايخ وسمعوا منهم ثم لم يحدثوا عنهم بشيء:

- ‌4 - عادة المحدثين إثبات سماع الحاضرين في مجالس السماع:

- ‌المطلب الخامسالاعتماد على النظر في سني الولادة والوفاة للرواة لبحث قضية السماع أو الإدراك لاسيما إذا لم توجد نصوص في ذلك

- ‌المطلب السادسنقد بعض صور التحمل سوى السماع

- ‌1 - الوجادة:

- ‌2 - الإجازة:

الفصل: ‌المبحث الثالثفي عدالة الصحابة

‌المبحث الثالث

في عدالة الصحابة

وفيه:

إثبات القول بعدالة الصحابة مطلقًا، وبيان عصمة الله تعالى لهم من الكذب لا سيما على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ وفاءً بما تكفل به سبحانه من حفظ دينه، وصونًا لهم من الطعن المؤدي إلى الطعن في الإسلام جملةً، مع دحض الشبه المثارة حول القول بإطلاق تلك العدالة.

إِجْمالٌ قبل تفصيل:

قال أبو بكر الخطيب في "الكفاية"(ص 46):

باب: ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يُحتاج إلى سؤالٍ عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم.

كل حديث اتصل إسناده بكان من رواه وبين النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزم العمل به إلا بعد ثبوت عدالة رجاله، ويجب النظر في أحوالهم سوى الصحابي الذي رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم، وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن

(1).

ثم قال: والأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما ورد في نص القرآن، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج

(1) ذكر الخطيب هنا آيات في فضل الصحابة، ستأتي وأزيد منها في بحث المعلمي، ثم ذكر الخطيب عدة أخبار في هذا المعنى أيضًا، منها خبر: "خير الناس قرني

" وخبر: "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا

".

ص: 164

أحد منهم مع تعديل الله تعالى لهم، المطلع على بواطنهم إلى تعديل أحد من الخلق له

(1).

هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء.

وذهبت طائفة من أهل البدع إلى أن حال الصحابة كانت مرضية إلى وقت الحروب التي ظهرت بينهم، وسفك بعضهم دماء بعض، فصار أهل تلك الحروب ساقطي العدالة، ولما اختلطوا بأهل النزاهة وجب البحث عن أمور الرواة منهم، وليس في أهل الدين والمتحققين بالعلم من يصرف إليهم خبر ما لا يحتمل نوعًا من التأويل وضربًا من الاجتهاد، فَهُم بمثابة المخالفين من الفقهاء المجتهدين في تأويل الأحكام لإشكال الأمر والتباسه. ويجب أن يكونوا على الأصل الذي قدمناه من حال العدالة والرضا؛ إذا لم يثبت ما يزيل ذلك عنهم. اهـ

تحقيق العلَّامة المعلمي لهذا الفصل:

وفيه مواضع:

الموضع الأول:

قال في "الاستبصار في نقد الأخبار"(ص 19 - 28):

"اسم الصحابي: يعمُّ الجمهورُ كُلَّ من رأى (2) النبي صلى الله عليه وسلم مسلمًا ومات على ذلك.

والمراد رؤيته إياه بعد البعثة وقبل الوفاة.

والاسم يشمل من ارتد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ممن كان قد رآه مسلما إذا عاد إلى الإسلام ومات عليه كطليحة بن خويلد، وعيينة بن حصن، وأضرابهما.

(1) هاهنا كلام للخطيب سينقله عنه المعلمي في بحثه الآتي قريبًا.

(2)

التعبير بلفظ الاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم أو لقائه أدقُّ؛ ليشملَ من كان أعمى، كعبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه.

ص: 165

لكن قضيته ما نُقل عن الشافعي وغيره -من أن الردة تحبط العمل الصالح قبلها ولو عقبتها توبة- أن هؤلاء لا حَظَّ لهم في فضل الصحبة.

وذهب الجمهور إلى أن الصحابة كلهم عدول، قال ابن الأنباري:

"وليس المراد بعدالتهم ثبوت العصمة لهم واستحالة المعصية منهم، وإنما المراد قبول رواياتهم من غير تكلف للبحث عن أسباب العدالة والتزكية، إلا إن ثبت ارتكاب قادح، ولم يثبت ذلك ولله الحمد، فنحن على استصحاب ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يثبت خلافه، ولا التفات إلى ما يذكره أصحاب السير فإنه لا يصح، وما صح فله تأويل صحيح""فتح المغيث"(ص 378).

وقال الخطيب في "الكفاية"(ص 46): "باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، وأنه لا يحتاج إلى سؤال عنهم، وإنما يجب فيمن دونهم

" فذكر عدة آيات وأحاديث في الثناء عليهم، إلى أن قال: "فهم على هذه الصفة، إلا أن يثبت على أحد ارتكاب ما لا يحتمل إلا قصد المعصية، والخروج من باب التأويل، فيحكم بسقوط العدالة، وقد برَّأهم الله من ذلك، ورفع أقدارهم، على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها -من: الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين- القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين".

أقول: أما الآيات فمنها:

1 -

{لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ

ص: 166

فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 8 - 10].

2 -

{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 100].

3 -

{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 117].

4 -

{لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18].

5 -

{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].

6 -

{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 172 - 174].

ص: 167

7 -

{لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10].

8 -

{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121].

9 -

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

10 -

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

ومن تدبر هذه الآيات وغيرها من القرآن وجد الثناء على المهاجرين عامًّا سالمًا من التخصيص، فإذا تَتَبَّع السنة أيضًا لم يجد ما ينافي ذلك سوى فلتات، ربما كانت تقع من بعضهم فلا تضرهم.

• فمنها: ما جرى منهم يوم بدر من ترجيح أخذ الفداء فأقرَّهم الله عز وجل عليه وأنزل: {لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنفال: 68، 69].

• ومنها: تولِّي بعضهم يوم أحد فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155].

ومنها: قصة مسطح بن أثاثة لما خاض مع أهل الإفك فكان ما كان، وأقسم أبو بكر أن لا ينفق عليه، فأنزل الله عز وجل:{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22].

ص: 168

• ومنها قصة حاطب بن أبي بلتعة

• وأشد ما وقع من ذلك قصة عبد الله بن أبي سرح، مع أنه ليس من المهاجرين الأولين، وإنما كان ممن أسلم قُبيل الفتح، ثم ارتد، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقتله فلم يُقتل وأسلم.

قال ابن عبد البر: "فحسن إسلامه فلم يظهر منه شيء ينكر عليه بعد ذلك وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش"، ثم ذكر ولايته مصر وفتحه إفريقية والنوبة، ثم قال:"ودعا ربه فقال: اللهم اجعل خاتمة عملي صلاة الصبح، فتوضأ ثم صلى الصبح، فقرأ في الركعة الأولى بأم القرآن والعاديات، وفي الثانية بأم القرآن وسورة، ثم سلم من يمينه، وذهب يسلم عن يساره فقبض الله روحه، ذكر ذلك كله يزيد بن أبي حبيب وغيره".

ومع ذلك فلم يَرِدْ عنه من الحديث شيء إلا حديث واحد قد رواه غيره من الصحابة، ومع ذلك لم يصح السند إليه (1).

(1) هو ما رواه ابن لهيعة قال: حدثنا عياش بن عباس القتباني، عن الهيثم بن شُفي، عن عبد الله بن سعد ابن أبي سرح قال:"بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وعشرة من أصحابه معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وغيرهم على جبل، إذ تحرك بهم الجبل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اسكن حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد"، وابن لهيعة ليس بحجة.

رواه ابن عبد الحكم في "فتوح مصر وأخبارها"(ص 172) عن أبي الأسود النضر بن عبد الجبار عن ابن لهيعة به. وقال: ليس لهم -يعني أهل مصر- عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث غيره وحديث آخر مرسل بِشَكٍّ، وهو حديث: ضمام بن إسماعيل عن عياش بن عباس القتباني قال: لما حصروا الإسكندرية قال لهم صاحب المقدمة: لا تعجلوا حتى آمركم برأيي، فلما فتح الباب دخل رجلان فقتلا، فبكى صاحب المقدمة. قال ضمام: أظنه عبد الله بن سعد.

فقيل له: لم بكيت وهما شهيدان؟ قال: ليت أنهما شهيدان! ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل الجنة عاص".

ص: 169

وأما الأنصار فحالهم قريب من حال المهاجرين، إلا أنه لم يعم الإيمان جميع الأوس والخزرج، بل كان منهم أفراد منافقون، وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كتابه، لكن أولئك الأفراد كانوا قليلين كما يظهر من الآيات والأحاديث، وكما يعلم ذلك بدلالة المعقول؛ فإنهم لو كانوا هم الأكثر أو كثيرا لكانوا أظهروا كفرهم، ولم يحتاجوا إلى النفاق، ومع ذلك فقد كانوا معروفين عند النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، إن لم يكن علم اليقين فالظن، قال الله عز وجل:{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 29، 30].

وكانوا مع ذلك خائفين كما قال الله عز وجل فيهم: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [المنافقون: 4].

وكانوا مع ذلك إلى نقصٍ بالهلاك أو التوبة والإخلاص، والغالب على الظن أن من بقي منهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض أحدٌ منهم لِأَن يَذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا لخوفهم من المؤمنين، وعلمهم بنفاقه: حذيفة أو غيره ممن كان قد أسرَّ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين.

وأما الأعراب فقد قال الله عز وجل: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14].

والظاهر أن أهل هذه الآية آمنوا بعد ذلك أو غالبهم كما تقتضيه كلمة "لمَّا".

وقد ذكر الله عز وجل فِرقَهُم في سورة التوبة الآيات من (95 - 105) فذكر أن منهم منافقين، ومنهم مؤمنين مخلصين، ومنهم مخلطين يرجى لهم الخير، وقال في آخر ذلك:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} .

ص: 170

ثم ابتلاهم الله عز وجل بعد غزوة العسرة بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتد أقوام من الأعراب فعرفهم المؤمنون حق المعرفة.

وأما الطلقاء من أهل مكة فلم يرتد منهم أحد بعده صلى الله عليه وسلم، وقد شملتهم بعض الآيات المتقدمة كما يعلم بمراجعتها، وكذلك تشملهم بعض الأحاديث كالحديث المشهور: "خير الناس قرني

".

وبالجملة فتعديل الله عز وجل ورسوله ثابت للمهاجرين عامة، ولم يجيء ما يخصصه.

وأما الأنصار فالثناء عليهم عام، ولكن قد كان من الأوس والخزرج منافقون لكنهم قليل، ولم يحضر من المنافقين أحد بيعة العقبة، ولا شهد بدرا ولا أُحُدا؛ لأن كبيرهم اعتزل بهم، والظاهر أنه لم يبايع تحت الشجرة أَحَدٌ منهم، وقد قيل إنه كان هناك واحد منهم فلم يبايع، وقد سُمي (1).

وقول الله عز وجل في ذكر تخلفهم عن غزوة تبوك: {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [التوبة: 46، 47].

يقتضي أنه لم يشهد تبوك أحد منهم، ولكن روي أن اثني عشر منهم اعترضوا النبي صلى الله عليه وسلم مرجِعَهُ من تبوك، وأرادوا ترديته من العقبة.

وقد يقال - إن صح الخبر (2): لعل هؤلاء لم يشهدوا تبوك، وإنما ترصدوا قدومه صلى الله عليه وسلم من تبوك فالتقوه ببعض الطريق لما همّوا به، ومع ذلك ففي الخبر أن حذيفة عرف هؤلاء.

(1) هو الجدّ بن قيس. راجع "الإصابة"(1/ 238).

(2)

وقفت له على طريقين: الأول: أحمد بن عبد الجبار -وهو العطاردي- عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق به. والثاني: ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة به. وفيهما ضعف ظاهر وإرسال. انظر "الدلائل" للبيهقي (5/ 257) وكذا "سننه"(9/ 32).

ص: 171

هذا وقد سبق أن الظاهر أن من بقي من المنافقين لم يَرِدْ عن أَحَدٍ منهم شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما الأعراب فقد تم امتحانهم بوفاته صلى الله عليه وسلم، فمن ثبتت منهم الإسلام (1) فقد ثبتت عدالته، ومن ارتد فقد زالت، فمن عاد بعد ذلك إلى الإسلام فيحتاج إلى عدالة جديدة.

وأما الطلقاء فقد شملتهم بعض الآيات كما عرفت، ولم تقع منهم رِدَّةٌ.

ولو اقتصر المخالف في المسألة على القول بأن من تأخر إسلامُه وَقلَّت صحبتُه يحتاج إلى البحث عنهم، لكان لقوله وجهٌ في الجملة، وأوجهُ من ذلك من كان من الأعراب ويحتمل أنه ممن ارتد عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأما من عُلم أنه ممن ارتدَّ فالأمر فيه أظهر.

هذا وقد كان العرب يتحاشون من الكذب، وتأكد ذلك فيمن أسلم؛ وكان أحدهم وإن رَقَّ دينُه - لا يبلغ به أن يجترئ على الكذب على الله ورسوله، وكانوا يرون أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون، وأنه إن اجترأ أحد على الكذب افتضح.

ولو قال قائل: إن الله تبارك وتعالى منع القوم من تعمُّد الكذب على نبيه صلى الله عليه وسلم بمقتضى ضمانه بحفظ دينه ولا سيما مع إخباره بعدالتهم لما أبْعَدَ.

ومن تدبر الأحاديث المروية عمن يُمكن أن يتكلم فيه من الطلقاء ونحوهم ظهر له صدق القوم؛ فإن المروي عن هؤلاء قليل، ولا تكاد تجد حديثا يصح عن أحد منهم إلا وقد صح بلفظه أو معناه عن غيره من المهاجرين أو الأنصار، وقد كانت بين القوم إِحَنٌ بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فلو استساغ أحد منهم الكذب لاختلق أحاديث تقتضي ذم خصمه، ولم نجد من هذا شيئًا صحيحا صريحا.

(1) كذا في المطبوع ولعل الصواب: "فمن ثبت منهم على الإسلام".

ص: 172

وفوق هذا كله فأهل السنة لم يدَّعُوا عصمَة القوم، بل غاية ما ادَّعوه أنه ثبتَ لهم أصلُ العدالة، ثم لم يثبت ما يزيلها، والمخالف يزعم أنه قد ثبت عنده في حق بعضهم ما يزيل العدالة، فانحصر الخلاف في تلك الأمور التي زعمها، فإذا أثبتَ أهلُ السنة أنها لم تصح، وأن ما صح منها لا يقتضي زوال العدالة استتب الأمر.

فأما من ثبتت شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بالمغفرة فقد تضمن ذلك تعديلهم أولًا وآخرًا. والله الموفق.

تنبيه:

أما الخطأ فقد وقع من بعض الصحابة كقول ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر في رجب وغير ذلك مما يُعرف بتتبُّع كتب السنة.

مسألة:

قال الخطيب في الكفاية (ص 52):

"ومن الطريق إلى معرفة كونه صحابيًّا تظاهر الأخبار بذلك، وقد يحكم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينًا مقبول القول إذا قال: صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وكثر لقائي له

(1) وإذا قال: أنا صحابي ولم نجد (2) عن الصحابة رَدَّ قوله ولا ما يعارضه

وجب إثباته صحابيا حكمًا بقوله لذلك، أو قول آحاد الصحابة".

أقول: فعرف من هذا أن من لم تثبت صحبته إلا بقوله، حُكْمُهُ حُكْمُ التابعين في البحث عن عدالته؛ لأنها لا تثبت صحبته حتى تثبت عدالته. اهـ

(1) تمام كلام الخطيب: "فيحكم بأنه صحابي في الظاهر لموضع عدالته، وقبول خبره، وإن لم يقطع بذلك، كما يعمل بروايته عن الرسول صلى الله عليه وسلم وإن لم يقطع بسماعه ولو رُدَّ قوله: إنه صحابي لرُدَّ خبره عن الرسول صلى الله عليه وسلم

".

(2)

في الكفاية: "يحك".

ص: 173

قال أبو أنس:

يتعلق بهذا المبحث في هذه المناسبة قضايا تتصل بمعرفة الصحابة، وكيف تثبت الصحبة؟ وهل كل من ترجم له في الكتب المصنفة في الصحابة قد ثبتت صحبتهم بحيث يكون جميع ما ورد عنهم من الأخبار التي تروى عنهم موصولة؟

وحتى لا أقطع على القارىء تصدي المعلمي للدفاع عن عدالة من ثبتت صحبته وكشفه لشبهات أهل الأهواء في ذلك أرجىء تلك القضايا لآخر هذا المبحث، والله تعالى الموفق.

الموضع الثاني:

وقال في "الأنوار الكاشفة"(ص 266 - 277):

"الآيات القرآنية في الثناء على الصحابة والشهادة لهم بالإيمان والتقوى وكل خير معروفة، ومن آخرها نزولا قول الله عز وجل:{لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا} [التوبة: 117، 118] ساعة العسرة: غزوة تبوك.

وكلمة "المهاجرين" هنا تشمل السابقين واللاحقين ومن كان معهم من غير الأنصار، ولا نعلمه تخلف ممن كان بالمدينة من هؤلاء أحد إلا عاجز أو مأمور بالتخلف مع شدة حرصه على الخروج، وفي "الصحيح" قول النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من تبوك: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم

حبسهم العذر".

وفي "الفتح": أن المهلب استشهد لهذا الحديث بقول الله تعالى {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ} [النساء: 95] وهو استشهاد متين. والمأمور بالتخلف أولى بالفضل.

ص: 174

وفي هذا وآيات أخرى ثناء يعم المهاجرين ومن لحق بهم لا نعلم ثَمَّ ما يخصصه.

فأما الأنصار فقد عمت الآية من خرج منهم إلى تبوك والثلاثة الذين خلفوا والعاجزين، ولم يبق إلا نفر كانوا منافقين.

وفي "الصحيح" في حديث كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين خُلفوا: "فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء".

وفي هذا بيان أن المنافقين قد كانوا معروفين في الجملة قبل تبوك، ثم تأكد ذلك بتخلفهم لغير عذر وعدم توبتهم، ثم نزلت سورة براعة فقشقشتهم، وبهذا يتضح أنهم قد كانوا مشارًا إليهم بأعيانهم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

فأما قول الله عز وجل: {لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} فالمراد -والله أعلم- بالعلم ظاهره أي اليقين، وذلك لا ينفي كونهم مغموصين أي متهمين، غاية الأمر أنه يحتمل أن يكون في المتهمين من لم يكن منافقا في نفس الأمر، وقد قال تعالى:{وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} ونص في سورة براءة وغيرها على جماعة منهم بأوصافهم، وعيَّن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم، فمن المحتمل أنَّ الله عز وجل بعد أن قال:{لَا تَعْلَمُهُمْ} أعلمه بهم كلهم.

وعلى كل حال فلم يمت النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد عَرف أصحابُه المنافقين يقينا أو ظنا أو تُهمة، ولم يبق أحد من المنافقين غير متهم بالنفاق.

ومما يدل على ذلك، وعلى قلتهم وذلتهم وانقماعهم ونفرة الناس عنهم، أنه لم يُحس لهم عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حراك. ولما كانوا بهذه المثابة لم يكن لأحد منهم مجال في أن يحدث عن النبي؛ لأنه يعلم أن ذلك يعرضه لزيادة التهمة ويجر إليه ما يكره.

وقد سَمَّى أهلُ السير والتاريخ جماعة من المنافقين لا يُعرف عن أحد منهم أنه حدَّث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجميع الذين حدثوا كانوا معروفين بين الصحابة بأنهم من خيارهم.

ص: 175

وأما الأعراب فإن الله تبارك وتعالى كشف أمرهم بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتد المنافقون منهم، فتبين أنه لم يحصل لهم بالاجتماع بالنبي صلى الله عليه وسلم ما يستقر لهم به اسم الصحبة الشرعية، فمن أسلم بعد ذلك منهم فحكمه حكم التابعين.

وأما مُسلمة الفتح فإن الناس يغلطون فيهم يقولون: كيف يُعقل أن ينقلبوا كلهم مؤمنين بين عشية وضحاها، مع أنهم إنما أسلموا حين قُهروا وغُلبوا ورأوا أن بقاءهم على الشرك يضر بدنياهم؟

والصواب أن الإسلام لم يزل يعمل في النفوس منذ نشأته. ويدلك على قوة تأثيره أمور:

الأول: ما قصه الله تبارك وتعالى من قولهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].

وقولهم: {إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا} [الفرقان: 42].

الثاني: ما ورد من صدِّهم للناس أن يسمعوا القرآن حتى كان لا يَرِدُ مكةَ وارد إلا حذروه أن يستمع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومن اشتراطهم على الذي أجار أبا بكر أن يمنعه من قراءة القرآن بحيث يسمعه الناس.

الثالث: وهو أوضحها؛ إسلامُ جماعة من أبناء كبار رؤسائهم ومفارقتهم آباءهم قديما، فمنهم عمرو وخالد ابنا أبي أحيحة سعيد بن العاص، والوليد بن الوليد ابن المغيرة، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وعبد الله وأبو جندل ابنا سهيل بن عمرو وغيرهم.

وآباء هؤلاء هم أكابر رؤساء قريش وأعزهم وأغناهم، فارقهم أبناؤهم وأسلموا. فتدبر هذا، فقد جرت عادة الكُتَّاب إذا ذكروا السابقين إلى الإسلام ذكروا الضعفاء فيتوهم القارىء أنهم أسلموا لضعفهم وسخطهم على الأقوياء وحبهم للانتقام منهم على الأقلِّ لأنه لم يكن لهم من الرياسة والعز والغنى ما يصدُّهم عن قبول الحق وتحمل المشاق في سبيله.

ص: 176

والحقيقة أعظم من ذلك كما رأيتَ، إلا أن الرؤساء عاندوا واستكبروا، وتابعهم أكثر قومهم مع شدة تأثرهم بالإسلام فكان في الشبان من كان قوي العزيمة فأسلموا وضحّوا برياستهم وعزهم وغناهم، متقبلين ما يستقبلهم من مصاعب ومتاعب، وبقي الإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين، فلم يزل الإسلام يفشو فيهم حتى بعد هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ثم لما كان صلح الحديبية وتمكن المسلمون بعده من الاختلاطِ بالمشركين ودعوة كل واحد قريبه وصديقه فشا الإسلام بسرعة وأسلم في هذه المدة من الرؤساء خالد ابن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وغيرهم، والإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين.

ونستطيع أن نجزم أن الإسلام كان قد طرد الشرك وخرافاته من نفوس عقلاء قريش كلهم قبل فتح مكة، ولم يبق إلا العناد المحض يلفظ آخر أنفاسه، فلما فتحت مكة مات العناد ودخلوا في الإسلام الذي قد كان تربع في نفوسهم من قَبْل.

نعم بقي أثر في صدور بعض الرؤساء فبسط لهم النبي صلى الله عليه وسلم التأليف يوم فتح مكة وبعده وآثرهم بغنائم حنين، ولم يزل يتحراهم بحسن المعاملة حتى اقتلع البقية الباقية من أثر العناد.

ثم كان من معارضة الأنصار بعد النبي صلى الله عليه وسلم لقريش في الخلافة واستقرار الخلافة لقريش غير خاصة ببيت من بيوتها، وخضوع العرب لها ثم العجم، ما أكد حب الإسلام في صدر كل قرشي. وكيف لا وقد جمع لهم إلى كل شبر كانوا يعتزون به من بطحاء مكة آلاف الأميال، وجعلهم ملوك الدنيا والآخرة.

ومما يوضح لك ذلك أن الذين عاندوا إلى يوم الفتح كانوا بعد ذلك من أجدِّ الناس في الجهاد، كسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه الحارث، ويزيد ابن أبي سفيان.

ص: 177

فأما ما يذكره كثير من الكُتَّاب من العصبية بين بني هاشم وبني أمية فدونك الحقيقة:

شمل الإسلام الفريقن ظاهرا وباطنا، وكما أسلم قديما جماعة من بني هاشم فكذلك من بني أمية كابني سعيد بن العاص وعثمان بن عفان وأبي حذيفة بن عتبة، وكما تأخر إسلام جماعة من بني أمية فكذلك من بني هاشم. وكما عاداه بعض بني أمية فكذلك بعض بني هاشم كأبي لهب بن عبد المطلب وأبي سفيان بن الحارث بن المطلب، ونزل القرآن بذم أبي لهب ولا نعلمه نزل في ذم أُموي معّين، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم بنت أبي سفيان بن حرب الأموي ولم يتزوج هاشمية، وزوج إحدى بناته في بني هاشم وزوج ثلاثا في بني أمية. فلم يبق الإسلام في أحد الجانبين حتى يحتمل أن يستمر هدفا لكراهية الجانب الآخر، بل ألَّف الله بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا وأصبح الإسلام يلفهم جميعا؛ يحبونه جميعا ويعظمونه جميعا، ويعتزون به جميعا، ويحاول كل منهم أن يكون حظه منه أوفر.

ولم تكن بين فتح مكة وبين ولاية عثمان الخلافة نُفرة ما بين العشيرتين، فلما كانت الشورى وانحصر الأمر في علي وعثمان وجدت الأوهامُ منفذا إلى الخواطر، ثم لما صار في أواخر خلافة عثمان جماعة من عشيرته بني أمية أمراء وعمالا وصار بعض الناس يشكوهم أشيعت عن علي كلمات يندد بهم ويتوعدهم بأنه إذا صلي الخلافة عزلهم وأخذ أموالهم وفعل وفعل، ثم كانت الفتنة، وكان لبعض من يُعَدُّ من أصحاب علي إصبع فيها، حتى قُتل عثمان، وقام قتلته بالسعي لمبايعة علي، فبويع له، وبقي جماعة منهم في عسكره.

فمن تدبر هذا وجد هذه الأسباب العارضة كافية لتعليل ما حدث بعد ذلك، إذنْ فلا وجه لإقحام ثارات بدر وأُحد التي أماتها الإسلام، وما حُكي مما يشعر بذلك لا صحةَ له البتة، إلا نزعة شاعر فاجر في زمن بني العباس يصح أن تُعَدَّ من آثار الإسراف في النزل لا من مؤثراته.

ص: 178

وجرى من طلحة والزبير ما جرى، فأي ثأر لهما كان عند بني هاشم؟

وبهذا يتضح جليا أن لا مساغ البتة لأن يُعلل خلاف معاوية بطلبه بثأر من قتل من آله ببدر، ثم يتذرع بذلك إلى الطعن في إسلامه، ثم في إسلام نظرائه!

فإن قيل: مهما يكن من حال الصحابة فإنهم لم يكونوا معصومن فغاية الأمر أن يُحملوا على العدالة ما لم يتبين خلافها، فلماذا يُعدِّل المحدثون من تبين ما يوجب جرحه منهم؟

فالجواب من أوجه:

الوجه الأول: أنهم تدبروا ما نقل من ذلك فوجدوه ما بين غير ثابت نقلا أو حكما أو زلة تيب منها أو كان لصاحبها تأويل.

الوجه الثاني: أن القرآن جعل الكذب على الله كفرا، قال تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ} [العنكبوت: 68] والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الدين والغيب كذب على الله، ولهذا صرح بعض أهل العلم بأنه كفر، واقتصر بعضهم على أنه من أكبر الكبائر، وفرق شيخ الإسلام ابن تيمية بين من يخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة كالصحابي إذا قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم، وبين غيره، فمال إلى أن تعمد الأول للكذب كفر وتردد في الثاني.

ووقوع الزلة أو الهفوة من الصحابي لا يسوغ احتمال وقوع الكفر منه، هَبْ أن بعضهم لم يكن يرى الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم كفرا، فإنه -على كل حال- يراه أغلظ جدا من الزلات والهفوات المنقولة.

الوجه الثالث: أن أئمة الحديث اعتمدوا فيمن يمكن التشكك في عدالته من الصحابة اعتبار ما ثبت أنهم حدثوا به عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي آخر عنه، وعرضوها على الكتاب والسنة وعلى رواية غيرهم مع ملاحظة أحوالهم وأهوائهم، فلم يجدوا من ذلك ما يوجب التهمة، بل وجدوا عامة ما رووه قد رواه غيرهم من

ص: 179

الصحابة ممن لا تتجه إليه تهمة، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو ما يشهد له، وراجع (ص 64)(1).

وهذا الوليد بن عقبة بن أبي معيط (2) يقول المشنِّعون: ليس من المهاجرين ولا الأنصار، إنما هو من الطلقاء. ويقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل أبيه عقب بدر قال: يا محمد فمن لِلصبْيَة؟ يعني بَنيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لهم النار.

(1) سيأتي نقل ما في هذا الموضع فإنه مهم.

(2)

هو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، واسم أبي معيط: أبان بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو: ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أم عثمان بن عفان رضي الله عنه فالوليد بن عقبة أخو عثمان لأمه، يكنى أبا وهب، أسلم يوم الفتح هو وأخوه خالد بن عقبة، استعمله عثمان فولاه الكوفة بعد عزل سعد بن أبي وقاص، فاستعظم الناس ذلك، وكان الوليد شجاعًا شاعرًا جوادًا. قال مصعب الزبيري: وكان من رجال قريش وسراتهم.

قال الشيخ محب الدين الخطيب في تعليقه على كتاب "العواصم من القواصم" لأبي بكر بن العربي القاضي المالكي (ص 98 - 99): "تلقفت دولة الإسلام الأُولى من خلافة أبي بكر هذا الشاب الماضي العزيمة الرضي الخلق، الصادق الإيمان، فاستعملت مواهبه في سبيل الله إلى أن توفي أبو بكر، وأول عمل له في خلافة أبي بكر أنه كان موضع السر في الرسائل الحربية التي دارت بين الخليفة وقائده خالد بن الوليد في وقعة المذار مع الفرس سنة 12 "الطبري" (4 - 7)، ثم وجهه مددا إلى قائده عياض بن غنم الفهري "الطبري" (4 - 22)، وفي سنة 13 كان الوليد يلي لأبي بكر صدقات قضاعة، ثم لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة، فكتب إلى عمرو بن العاص وإلى الوليد بن عقبة يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد، فسار ابن العاص بلواء الإسلام نحو فلسطين، وسار الوليد بن عقبة قائدا إلى شرق الأردن "الطبري" (4/ 29 - 30)، ثم رأينا الوليد في سنة 15 أميرا على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة (الطبري 4: 155) يحمى ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلا يؤتوا من خلفهم، فكانت تحت قيادته ربيعة وتنوخ، مسلمهم وكافرهم.

وانتهز الوليد بن عقبة فرصة ولايتها وقيادته على هذه الجهة التي كانت لا تزال مليئة بنصارى القبائل العربية، فكان مع جهاده الحربي وعمله الإداري داعيا إلى الله؛ يستعمل جميع أساليب الحكمة والموعظة الحسنة لحمل نصارى إياد وتغلب على أن يكونوا مسلمين كسائر العرب. وهربت منه إياد إلى الأناضول وهو تحت حكم البيزنطيين، فحمل الوليد خليفته عمر على كتابة كتاب تهديد إلى =

ص: 180

ويقولون: إنه هو الذي أنزل الله تعالى فيه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} فنص القرآن أنه فاسق يجب التبين في خبره (1).

= قيصر القسطنطينية بأن يردهم إلى حدود الدولة الإسلامية، وحاولت تغلب أن تتمرد على الوليد في نشره الدعوة الإسلامية بين شبابها وأطفالها، فغضب غضبته المضرية المؤيدة بالإيمان الإسلامي، وقال فيهم كلمته المشهورة:

إذا ما عصبت الرأس منى بمشوذ

فغيك منى تغلب ابنة وائل.

وبلغت هذه الكلمة عمر، فخاف أن يبطش قائده الشاب بنصارى تغلب فيفلت من يده زمامهم في الوقت الذي يحاربون فيه مع المسلمين حمية للعروبة، فكف عنهم يد الوليد ونحاه عن منطقتهم.

وبهذا الماضي المجيد جاء الوليد في خلافة عثمان فتولى الكوفة له، وكان من خير ولاتها عدلا ورفقا وإحسانا، وكانت جيوشه مدة ولايته على الكوفة تسير في آفاق الشرق فاتحة ظافرة موفقة". اهـ.

(1)

قال ابن عبد البر في "الاستيعاب"(ج 3 ص 1553): "ولا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أنّ قوله عز وجل: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} نزلت في الوليد بن عقبة

". وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (ج 8 ص 216): "ذكر ذلك غير واحد من المفسرين، والله أعلم بصحة ذلك".

قال ابن حجر في "الإصابة"(ج 4 ص 637): "هذه القصة أخرجها عبد الرزاق في تفسيره عن معمر، عن قتادة قال: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة

[يعني مرسلًا]، وأخرجه عبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة نحوه. ومن طريق الحكم بن أبان، عن عكرمة نحوه. ومن طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد كذلك. وأخرجها الطبراني موصولة عن الحارث بن أبي ضرار المصطلقي مطولة، وفي السند من لا يُعرف". اهـ.

وقال أبو بكر بن العربي في "العواصم من القواصم"(ص 102): "وأما الوليد فقد روى بعض المفسرين أن الله سماه فاسقًا في قوله: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6]. فإنها -في قولهم- نزلت فيه، أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق، فأخبر عنهم أنهم ارتدوا، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم خالد بن الوليد، فتثبت في أمرهم فتبَّين بطلان قوله. وقد اختلف فيه، فقيل: نزلت في ذلك، وقيل: في عليّ والوليد في قصة أخرى، وقيل: إن الوليد سبق يوم الفتح في جملة الصبيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح رءوسهم وبرك عليهم إلا هو فقال: إنه كان على رأسي خَلوق، فامتنع صلى الله عليه وسلم من مَسِّه. (سيأتي تحقيق المعلمي لهذا الخبر قريبًا). فمن يكون في مثل هذه السن يرسل مصدقًا؟! ". اهـ.

بَحْثُ الشيخ محب الدين الخطيب في تحقيق هذا الخبر:

قال في تعليقه على "العواصم من القواصم" لابن العربي (ص 102): "كنت فيما مضى أعجب كيف تكون هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، ويسميه الله فاسقا، ثم تبقى له في نفس خليفتي =

ص: 181

. . . . . . . . . . . . . . .

= رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي بكر وعمر المكانة التي سجلها له التاريخ وأوردنا الأمثلة عليه في هامش (ص 98) عند استعراضنا ماضيه في بضعة عشر عاما قبل أن يوليه عثمان الكوفة، إن هذا التناقض بين ثقة أبي بكر وعمر بالوليد بن عقبة، وبين ما كان ينبغي أن يعامل به لو أن الله سماه فاسقا - حملني على الشك في أن تكون الآية نزلت فيه، لا استبعادا لوقوع أمر من الوليد يعد به فاسقا، ولكن استبعادا لأن يكون الموصوم بالفسق في صريح القرآن محل الثقة من رجلين لا نعرف في أولياء الله عز وجل بعد رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من هو أقرب إلى الله منهما.

وبعد أن ساورني هذا الشك أعدت النظر في الأخبار التي وردت عن سبب نزول الآية {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ

}، فلما عكفت على دراستها وجدتها موقوفة على مجاهد، أو قتادة، أو ابن أبي ليلى، أو يزيد بن رومان، ولم يذكر أحد منهم أسماء رواة هذه الأخبار في مدة مائة سنة أو أكثر مرت بين أيامهم وزمن الحارث، وهذه المائة من السنين حافلة بالرواة من مشارب مختلفة، وأن الذين لهم هوى في تسويىء سمعة مثل الوليد ومن هم أعظم مقامًا من الوليد قد ملئوا الدنيا أخبارًا مريبة ليس لها قيمة علمية.

وما دام رواة تلك الأخبار في سبب نزول الآية مجهولين من علماء الجرح والتعديل بعد الرجال الموقوفة هذه الأخبار عليهم، وعلماء الجرح والتعديل لا يعرفون من أمرهم حتى ولا أسماءهم، فمن غير الجائز شرعا وتاريخا الحكم بصحة هذه الأخبار المنقطعة التي لا نسب لها.

وهنالك خبران موصولان: أحدهما: عن أم سلمة زعم موسى بن عبيدة أنه سمعه من ثابت مولى أم سلمة. وموسى بن عبيدة ضعفه النسائي وابن المديني وابن عدي وجماعة. وثابت المزعوم أنه مولى أم سلمة ليس له ذكر في كل ما رجعت إليه من كتب العلم، فلم يذكر في "تهذيب التهذيب" ولا في "تقريب التهذيب" ولا في خلاصة "تهذيب الكمال"، بل لم أجده ولا في قفصي الاتهام أعني "ميزان الأعتدال" و"لسان الميزان" وذهبت بلى مجموعة أحاديث أم سلمة في "مسند" الإمام أحمد فقرأتها واحدا واحدا فلم أجد فيها هذا الخبر، بل لم أجد لأم سلمة أي خبر ذكر فيه اسم مولى لها يدعى ثابت، زد على كل هذا أن أم سلمة لم تقل في هذا الخبر -إن صح عنها، ولا سبيل إلى أن يصح عنها- أن الآية نزلت في الوليد، بل قالت - أي: قيل على لسانها: "بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا في صدقات بني المصطلق".

والخبر الثاني الموصول رواه الطبري في التفسير عن ابن سعد عن أبيه عن عمه عن أبيه عن أبيه عن ابن عباس. والطبري لم يلق ابن سعد ولم يأخذ عنه؛ لأن ابن سعد لما توفي ببغداد سنة 230 كان الطبري طفلا في السادسة من عمره ولم يخرج إلى ذلك الحين من بلده آمل في طبرستان، لا إلى بغداد ولا لغيرها، وابن سعد وإن كان في نفسه من أهل العدالة في الدين والجلالة في العلم، إلا أن هذه السلسلة من سلفه يجهل علماء الجرح والتعديل أسماء أكثرهم فضلا عن أن يعرفوا شيئا من =

ص: 182

ويقولون: إنه في زمن عثمان كان أميرا على الكوفة، فشهدوا عليه أنه شرب الخمر، وكلَّم عليٌّ عثمانَ في ذلك فأمره أن يجلده فأمر عليٌّ عبد الله بن جعفر فجلده. ومنهم من يزيد، أنه صلى بهم الصبح سكران فصلى أربعا ثم التفت فقال: أزيدكم؟ (1).

= أحوالهم، فكل هذه الأخبار من أولها إلى آخرها لا يجوز أن يؤاخذ بها مجاهدٌ كان موضع ثقة أبي بكر وعمر، وقام بخدمات للإسلام يرجى له بها أعظم المثوبة إن شاء الله، أضف إلى كل ما تقدم أنه في الوقت الذي حدثت فيه لبني المصطلق الحادثة التي نزلت فيها الآية كان الوليد صغير السن كما سيأتي". اهـ.

(1)

كَشْفُ الشيخ محب الدين الخطيب عن دخائل هذه الحكاية:

ذكر رحمه الله في تعليقه على "العواصم"(ص 106 - 108): "أن فريقا من الأشرار وأهل الفساد أصاب بنيهم سوط الشريعة بالعقاب على يد الوليد، فوقفوا حياتهم على ترصد الأذى له، ومن هؤلاء رجل يسمى: أبا زينب بن عوف الأزدي، وآخر يسمى: أبا مورع، وثالث اسمه. جندب أبو زهير قبض السلطان على أبنائهم في ليلة نقبوا بها على ابن الحيسمان داره وقتلوه، وكان نازلا بجواره رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على جيش خزاعة يوم فتح مكة فجاء هو وابنه من المدينة إلى الكوفة ليسيرا مع أحد جيوش الوليد بن عقبة التي كان يواصل توجيهها نحو الشرق للفتوح ونشر دعوة الإسلام، فشهد هذا الصحابي وابنه في تلك الليلة سطو هؤلاء الأشرار على منزل ابن الحيسمان، وأدى شهادته هو وابنه على هؤلاء القتلة السفاحين، فأنفذ الوليد فيهم حكم الشريعة على باب القصر في الرحبة، فكتب آباؤهم العهد على أنفسهم للشيطان بأن يكيدوا لهذا الأمير الطيب الرحيم، وبثوا عليه العيون والجواسيس ليترقبوا حركاته، وكان بيته مفتوحا دائما. وبينما كان عنده ذات يوم ضيف له من شعراء الشمال كان نصرانيا في أخواله من تغلب بأرض الجزيرة وأسلم على يد الوليد، فظن جواسيس الموتورين أن هذا الشاعر الذي كان نصرانيا لابد أن يكون ممن يشرب الخمر ولعل الوليد أن يكرمه بذلك، فنادوا أبا زينب وأبا المورع وأصحابهما، فاقتحموا الدار على الوليد من ناحية المسجد، ولم يكن لداره باب فلما فوجىء بهم نحى شيئا أدخله تحت السرير، فأدخل بعضهم يده فأخرجه بلا إذن من صاحب الدار، فلما أخرج ذلك الشيء من تحت السرير إذا هو طبق عليه تفاريق عنب، وإنما نحاه الوليد استحياء أن يروا طبقه ليس عليه إلا تفاريق عنب، فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون من الخجل، وسمع الناس بالحكاية فأقبلوا يسبونهم ويلعنونهم، وقد ستر الوليد عليهم ذلك وطواه عن عثمان وسكت عن ذلك وصبر.

ثم تكررت مكايد جندب وأبي زينب وأبي المورع، وكانوا يغتنمون كل حادث فيسيئون تأويله ويفترون الكذب. وذهب بعض الذين كانوا عمالا في الحكومة ونحاهم الوليد عن أعمالهم لسوء =

ص: 183

. . . . . . . . . . . . . . . .

= سيرتهم فقصدوا المدينة وجعلوا يشكون الوليد لأمير المؤمنين عثمان ويطلبون منه عزله عن الكوفة. وفيما كان هؤلاء في المدينة دخل أبو زينب وأبو المورع دار الإمارة بالكوفة مع من يدخلها من غمار الناس وبقيا فيها إلى أن تنحى الوليد ليستريح، فخرج بقية القوم، وثبت أبو زينب وأبو المورع إلى أن تمكنا من سرقة خاتم الوليد من داره وخرجا. فلما استيقظ الوليد لم يجد خاتمه، فسأل عنه زوجتيه -وكانتا في مخدع تريان منه زوار الوليد من وراء ستر- فقالتا: إن آخر من بقي في الدار رجلان، وذكرتا صفتهما وحليتهما للوليد، فعرف أنهما أبو زينب وأبو المورع، وأدرك أنهما لم يسرقا الخاتم إلا لمكيدة بيتاها، فأرسل في طلبهما فلم يوجدا في الكوفة، وكانا قد سافرا توًّا إلى المدينة، وتقدما شاهدين على الوليد بشرب الخمر -وأكبر ظني أنهما استلهما شهادتهما المزورة من تفاصيل الحادث الذي سبق وقوعه لقدامة بن مظعون في خلافة عمر- فقال لهما عثمان: كيف رأيتما؟ قالا: كنا في غاشيته، فدخلنا عليه وهو يقيء الخمر. فقال عثمان: ما يقيء الخمر إلا شاربها. فجيء بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان وأخبره خبرهم، فقال عثمان:"نقيم الحدود، ويبوء شاهد الزور بالنار".

هذه قصة اتهام الوليد بالخمر كما في حوادث سنة 30 من تاريخ الطبري، وليس فيها -على تعدد مصادرها القديمة- شيء غير ذلك. وعناصر الخبر عند الطبري أن الشهود على الوليد اثنان من الموتورين الذين تعددت شواهد غلهم عليه، ولم يرد في الشهادة ذكر الصلاة من أصلها فضلا عن أن تكون اثنتين أو أربعا.

وزيادة ذكر الصلاة هي الأخرى أمرها عجيب؛ فقد نقل خبرها عن الحضين بن المنذر-أحد أتباع علي- أنه كان مع علي عند عثمان ساعة أقيم الحد على الوليد، وتناقل عنه هذا الخبر فسجله مسلم في "صحيحه"(كتاب الحدود ب 8 ج 38 - ج 5 ص 126)، بلفظ: شهدت عثمان بن عفان وأتي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان: أحدهما: حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ.

فالشاهدان لم يشهدا بأن الوليد صلى الصبح ركعتين وقال أزيدكم، بل شهد أحدهما بأنه شرب الخمر وشهد الآخر بأنه تقيأ.

أما صلاة الصبح ركعتين وكلمة أزيدكم فهي من كلام حضين، ولم يكن حضين من الشهود، ولا كان في الكوفة في وقت الحادث المزعوم، ثم إنه لم يسند هذا العنصر من عناصر الاتهام إلى إنسان معروف ومن العجيب أن نفس الخبر الذي في "صحيح" مسلم وارد في ثلاثة مواضع من "مسند" أحمد رواية عن حضين، والذي سمعه من حضين في "صحيح" مسلم هو الذي سمعه منه في "مسند" أحمد بمواضعه الثلاثة، فالموضعان الأول والثاني (ج 1 ص 82 و 140 الطبعة الأولى- ج 2 رقم 264 و 1184 الطبعة الثانية) ليس فيهما ذكر للصلاة عن لسان حضين فضلا عن غيره، فلعل أحد الرواة من بعده أدرك أن الكلام عن الصلاة ليس من كلام الشهود فاقتصر على ذكر الحد.

وأما في الموضع الثالث من "مسند" أحمد (ج 1 ص 144 - 145 الطبعة الأولى - ج 2 رقم 1229) =

ص: 184

وكان الوليد أخا عثمان لأمه فلما قتل عثمان صار الوليد ينشىء الأشعار يتهم عليًّا بالممالأة على قتل عثمان، ويحرض معاوية على قتال علي.

هذا الرجل أشد ما يُشنِّعُ به المعترضون على إطلاق القول بعدالة الصحابة، فإذا نظرنا إلى روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم لنرى كم حديثًا روى في فضل أخيه ووليّ نعمته عثمان؟ وكم حديثا روى في ذم الساعي في جلده الممالىء على قتل أخيه في ظنه، عليّ؟ وكم حديثا روى في فضل نفسه ليدافع ما لحقه من الشهرة بشرب الخمر؟ هَالَنَا أننا لا نجد له رواية البتة، اللهم إلا أنه رُوي عنه حديث في غير ذلك لا يصح عنه، وهو ما رواه أحمد (1) وأبو داود (2) من طريق رجل يقال له: أبو موسى عبد الله الهمداني عن الوليد بن عقبة قال: "لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رءوسهم ويدعو لهم، فجيء بي إليه وأنا مطيب بالخلوق فلم يمسح رأسي، ولم يمنعه من ذلك إلا أن أمي خلقتني بالخلوق، فلم يمسني من أجل الخلوق".

= فقد جاء فيه على لسان حضين: "أن الوليد صلى بالناس الصبح أربعا"، وهو يعارض ما جاء على لسان حضين نفسه في "صحيح" مسلم، ففي إحدى الروايتين تحريف، الله أعلم بسببه.

وفي الحالتين لا يخرج ذكر الصلاة عن أنه من كلام حضين، وحضين ليس بشاهد، ولم يرو عن شاهد، فلا عبرة بهذا الجزء من كلامه.

وبعد أن علمت بأمر الموتورين فيما نقله الطبري عن شيوخه، أزيدك علما بأمر حمران، وهو عبد من عبيد عثمان كان قد عصى الله قبل شهادته على الوليد فتزوج في مدينة الرسول امرأة مطلقة ودخل بها وهي في عدتها من زوجها الأولى، فغضب عليه عثمان لهذا ولأمور أخرى قبله فطرده من رحابه وأخرجه من المدينة، فجاء الكوفة يعيث فيها فسادا، ودخل على العابد الصالح عامر بن عبد القيس فافترى عليه الكذب عند رجال الدولة وكان سبب تسييره إلى الشام، وأنا أترك أمر هذا الشاهد والشاهدين الآخرين قبله إلى ضمير القارىء يحكم به عليهم بما يشاء، في اجتهادي أن مثل هؤلاء الشهود لا يقام بهم حد الله على ظنين من السوقة والرعاع كيف بصحابي مجاهد وضع الخليفة في يده أمانة قطر وقيادة جيوش فكان عند الظن به من حسن السيرة في الناس وصدق الرعاية لأمانات الله

".

(1)

(4/ 32).

(2)

رقم (4181).

ص: 185

هذا جميع ما وجدناه عن الوليد عن النبي صلى الله عليه وسلم (1). وأنت إذا تفقدت السند وجدته غير صحيح لجهالة الهمداني (2)، وإذا تأملت المتن لم تجده منكرا (3) ولا فيه ما يمكن أن يتهم فيه الوليد (4)، بل الأمر بالعكس فإنه لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له، وذكر أنه لم يمسح رأسه، ولذلك قال بعضهم: قد علم الله تعالى حاله فحَرَمَهُ بركة يد النبي صلى الله عليه وسلم ودعائه (5).

أفلا ترى معي في هذا دلالة واضحة على أنه كان بين القوم وبين الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم حجر محجور؟

(1) لم يذكر الإمام أحمد سواه في "مسنده"(4/ 32) وقد بوب له: "حديث الوليد بن عقبة

"، وكذا ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (1/ 405) لكن زاد الطبراني في "الكبير" (22/ 150) حديثا آخر، وفي إسناده: عبد الله بن حكيم أبو بكر الداهري وهو تالف. وأخرجه أيضا في "المعجم الأوسط" (1/ 37)، وقال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "لم يَرْو الوليد بن عقبة سُنَّة يحتاج فيها إليه".

(2)

هذا الخبر يرويه جعفر بن برقان عن ثابت بن الحجاج الكلابي عن أبي موسى عبد الله الهمداني هذا عن الوليد بن عقبة به. هكذا رواه عن جعفر بن برقان جماعة، وخالف زيد بن أبي الزرقاء فجعله عن جعفر عن ثابت عن عبد الله الهمداني عن أبي موسى عن الوليد. فزاد في الإسناد: أبا موسى بين عبد الله هذا والوليد؟ فوهم فيه. انظر "التاريخ الكبير" للبخاري (8/ 140)، و"الضعفاء" للعقيلي (2/ 319)، و"المعجم الكبير" للطبراني (22/ 150، 151) وغيرها.

قال ابن عبد البر في "الاستيعاب"(4/ 1553): "قالوا: أبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب لا يصح"، وترجمه العقيلي في "الضعفاء" فقال:"عبد الله الهمداني عن أبي موسى. حدثني آدم بن موسى، قال: سمعت البخاري قال: عبد الله الهمداني ولا يصح" يعني حديثه هذا، وقد ذكره العقيلي بعد ذلك.

(3)

بل قال ابن عبد البر في "الاستيعاب": "الحديث منكر

لا يصح، ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم صبيًّا يوم الفتح. ويدل أيضا على فساد ما رواه أبو موسى المجهول أن الزبير وغيره من أهل العلم بالسير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة، فكانت هجرتها في الهدنة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، ومن كان غلاما يوم الفتح ليس يجيء منه مثل هذا، وذلك واضح والحمد لله رب العالمين. اهـ.

(4)

نعم هذا صحيح.

(5)

ذكره الحاكم في "المستدرك" عن الإمام أحمد.

ص: 186

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ردِّه على الأخنائي (ص 163): "فلا يُعرف من الصحابة من كان يتعمد الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان فيهم من له ذنوب لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه".

قد ينفر بعض الناس من لفظ "العصمة" وإنما المقصود أن الله عز وجل وفاءً بما تكفل به من حفظ دينه وشريعته هيأ من الأسباب ما حفظهم به وبتوفيقه سبحانه من أن يتعمد أحد منهم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قيل: فلماذا لم يحفظهم الله تعالى من الخطأ؟ قلت: الخطأ إذا وقع من أحد منهم فإن الله تعالى يهيىء ما يُوقَفُ به عليه، وتبقى الثقة به قائمة في سائر الأحاديث التي حدث بها مما لم يظهر فيه خطأ، فأما تعمد الكذب فإنه إن وقع في حديث واحد لزم منه إهدار الأحاديث التي عند ذاك الرجل كلها، وقد تكون عنده أحاديث ليست عند غيره. راجع (ص 20 - 21)(1).

وقال أبو رية (ص 42): "الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته

" ثم ذكر ما رُوي عن ابن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب قال: "كان حي من بني ليث على ميلين من المدينة، فجاءهم رجل وعليه حُلة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم بما أرى - وكان قد خطب منهم امرأة [في الجاهلية] فلم يزوجوه، فانطلق [حتى نزل] على تلك المرأة، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: كذب عدو الله. ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا [ولا أراك تجده] فاضرب عنقه، وإن وجدته ميتا فحرقه بالنار".

أقول: عزاه إلى أحكام ابن حزم (2)، ومنه أضفت الكلمات المحجوزة، وانظر لماذا أسقطها أبو رية؟! وراويه عن ابن بريدة: صالح بن حيان، وهو ضعيف، له

(1) تجد هذا في الفصل الثالث من الفصول النافعة في السنة من كتابنا هذا فراجعه.

(2)

هو فيه (2/ 211).

ص: 187

أحاديث منكرة، وفي السند غيره، وقد رُويت القصة من وجهين آخرين بقريب من هذا المعنى، وفي كل منهما ضعف، راجع "مجمع الزوائد"(1/ 145)(1).

(1) هذا الحديث روي من ثلاث طرق:

الأول: صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه.

الثاني: عبد الله بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن صهر لهم من أسلم سمع النبي صلى الله عليه وسلم.

الثالث: عطاء بن السائب عن عبد الله بن الحارث وقيل عن عبد الله بن الزبير به.

أما الأول، فصالح بن حيان ضعيف باتفاق من يُعْتدُّ به من أهل العلم، وقد ذكر ابن عدي صالحًا هذا في "الكامل"(4/ 54) وأورد له هذا الحديث في مناكيره.

وقال الذهبي في "السير"(7/ 374): "هذا حديث منكر ولم يأت به سوى صالح بن حيان القرشي هذا الضعيف".

وكذا ذكره في "الميزان"(2/ 293)، وقال:"لم يصح بوجه".

وقد روى هذا الحديث عن صالح: علي بن مسهر، وعن علي: يحيى بن عبد الحميد الحماني وزكريا بن عدي وسويد بن سعيد.

أما الأولّان فذكرا تمام الحديث والقصة، وأما سويد فذكر حديث: "من كذب علي متعمدا

" فقط دون القصة.

وأما الثاني: فقد رواه الطبراني في "المعجم الكبير"(6/ 277، رقم 6215) عن علي بن عبد العزيز عن أبي نعيم عن أبي حمزة الثمالي ثابت بن أبي صفية عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن محمد بن الحنفية به.

وفيه حديث:

يا بلال أرحنا بالصلاة وقصة هذا الرجل.

وأبو حمزة الثمالي ضعيف رافضي.

وقد رواه الإمام أحمد في "المسند"(5/ 371) من طريق ابن مهدي عن إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن سالم به، لكن بحديث: أرحنا بالصلاة فقط دون القصة. وعثمان ثقة وروايته عند المقارنة أوْلى من رواية الثمالي، ولا تصلح شاهدا لأصل القصة كما زعم الحافظ ابن حجر "التلخيص الحبير"(4/ 127) وسيأتي ما في كلامه.

وأما الثالث: فرواه عن عطاء بن السائب: داود بن الزبرقان، وهو متروك، ولا يعرف عطاء بن السائب بالرواية عن عبد الله بن الحارث أو ابن الزبير.

فالطرق الثلاثة واهية، وقد قال الذهبي في "الميزان" كما سبق عنه:"لم يصح بوجه"، فاعترض عليه ابن حجر بقوله في "التلخيص الحبير" (4/ 127):"طريقة أحمد ما بها بأس، وشاهدها حديث بريدة، فالحديث حسن". =

ص: 188

وعلى فرض صحته فهذا الرجل كان خطب تلك المرأة في الشرك فردوه، فلما أسلم أهلها سوَّلت له نفسه أن يظهر الإسلام ويأتيهم بتلك الكذبة لعله يتمكن من الخلوة بها ثم يفرّ، إذْ لا يعقل أن يريد البقاء وهو يعلم أنه ليس بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم سوى ميلين، فأنكر أهلها أن يقع مثل ذلك عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأوا أن ينُزلوا الرجل محترسين منه، ويرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخبرونه. وقوله صلى الله عليه وسلم:"ولا أراك تجده" ظن منه أن عقوبة الله عز وجل ستعاجل الرجل، وكذلك كان كما في الطرق الأخرى، وجده الرسول قد مات، وفي رواية:"خرج ليبول فلدغته حية فهلك".

وحدوث مثل هذا لا يصلح للتشكيك في صدق بعض من صحب النبي صلى الله عليه وسلم غير متهم بالنفاق ثم استمر على الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، يراجع (ص 193) فما بعدها (1).

وتعجيل العقوبة القدرية لذلك الرجل يمنع غيره من أن تحدثه نفسه بكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في حياته، وكذا من باب أولى بعد وفاته؛ فإن العقوبة القدرية لم تمهل ذاك مع أنه كان بصدد أن تناله العقوبة الشرعية، ولا يترتب على كذبه المفاسد.

هذا ومن الحكمة في اختصاص الله تعالى أصحاب رسوله بالحفظ من الكذب عليه أنه سبحانه كره أن يكونوا هدفا لطعن مَنْ بعدهم؛ لأنه ذريعة إلى الطعن في الإسلام جملة، وليس هناك سبب مقبول للطعن إلا أن يقال: نحن مضطرون إلى

= أقول: نعم، طريق أحمد ما بها بأس؛ لأنها لا تشتمل على القصة محل النظر، وقد سبق بيان مخالفة عثمان بن المغيرة لثابت بن أبي صفية الثمالي في ذلك.

وأما حديث بريدة فإسناده ضعيف من أجل صالح بن حيان، فأين الحُسْنُ المذكور، بل الصواب ما قاله الذهبي أن الحديث منكر، ورَدَّ بذلك على شيخ الإسلام ابن تيمية؛ إذ صحح الحديث في "الصارم المسلول" (ص 169 - 170) وقد ذكر طرق هذه القصة على أنها السبب في حديث: "من كذب علي متعمدا

" ابن الجوزي في "الموضوعات" (1/ 50) وعنه "البدر المنير" (9/ 205 - 209).

(1)

سبق نقل هذا الموضع قريبًا.

ص: 189

بيان أحوالهم لِيُعرف من لا يحتج بروايته منهم، فاقتضت الحكمة حسم هذا؛ لقطع العذر عمن يحاول الطعن في أحد منهم.

وقال (1)(ص 43): "الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته

فإن الكذب قد كثر عليه بعد وفاته

"

أقول: قد كان كذب، لكن متى؟ وممن؟ لا شأن لنا بدعاوى أبي رية، وإنما ننظر في شواهده (2):

ذكر قصة بُشير (بالتصغير) بن كعب العدوي مع ابن عباس في مقدمة "صحيح" مسلم وجعلها قصتين وإنما هما روايتان، وبُشير هذا غير بَشِير -بفتح فكسر- بن كعب بن أبي الحميري العامري الذي شهد اليرموك، بل هذا أصغر منه بكثير، وأخطأ من عدهما واحدا، وراجع "الإصابة". هذا عراقي بصري له قصة مع عمران ابن حصين في الحياء تدل أنه كان يقرأ صحف أهل الكتاب، وقصته مع ابن عباس يظهر أنها كانت حوالي سنة ستين، فإن ابن عباس توفي سنة 68 أو بعدها وعاش بشير بعد ابن عباس زمانا.

روى مسلم القصة من طريق طاوس ومجاهد، وحاصلها أن بُشيرا جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث -زاد مجاهد: ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال طاوس: فقال له ابن عباس: عُد لحديث كذا وكذا، فعادَ له. ثم حدثه فقال له: عد لحديث كذا وكذا. فعادَ له، فقال له: ما أدري أعرفتَ حديثي كله وأنكرتَ هذا، أم أنكرتَ حديثي كله وعرفتَ هذا؟ فقال ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذْ لم يكن يُكذَب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه - وفي رواية عن طاوس هي أثبت من الأولى، قال: إنما كنا نحفظ

(1) يعني أبا رية.

(2)

المقصود شواهد أي رية على ما ذكره من كثرة الكذب بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

ص: 190

الحديث يُحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما إذ ركبتم كل صعب وذلول فهيهات- ولفظ مجاهد: فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إلبه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف".

عرف ابن عباس أن بُشيرا ليس بصحابي، ومع ذلك لم يدرك كبار الصحابة، ولعله مع ذلك لم يكن يعرفه بالثقة، وفوق ذلك كان يرسل، لا جرم لم يصغ إلى أحاديثه.

أما استعادته بعضها فكأن المستعاد كان أحاديث يعرفها ابن عباس فأراد أن يصححها لبشير إن كان عنده فيها خطأ.

كانت القصة حوالي سنة ستين كما مر، وقد ظهر الكذب بالعراق قبل ذلك كما يؤخذ مما يأتي، وبشير عراقي فليس في القصة ما يخدش في صدق الصحابة رضي الله عنهم، ولا ما يدل على ظهور الكذب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمدة يسيرة. وقوله في إحدى روايتي طاوس:"تركنا الحديث عنه"، يريد تركنا أخذ الحديث عنه إلا من حيث نعرف.

وذكر (ص 44) ما في مقدمة "صحيح" مسلم أيضا عن ابن أبي مليكة: "كتبتُ إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني فقال: ولد ناصح، وأنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه، قال: فدعا بقضاء عليّ رضي الله عنه فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل".

أقول: أورد مسلم بعد هذا: "عن طاوس قال: أُتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي

"، ثم أورد: "عن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد عليّ رضي الله عنه قال رجل من أصحاب عليّ: قاتلهم الله أي عِلم أفسدوا".

التفّ حول عليّ رضي الله عنه بالكوفة نفر ليس لهم علم ولا كبير دين، وذاك الكتاب جُمع من حكاياتهم وحكايات غيرهم عن قضاء عليّ، وجيء إلى ابن عباس بنسخة منه.

ص: 191

وذكر مسلم أيضا ونقله أبو رية عن المغيرة بن مقسم قال: "لم يكن يصدق على عليّ رضي الله عنه في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود"؛ وذلك أن ابن مسعود كان بالكوفة في عهد عمر وبعده، فكان له أصحاب طالت صحبتهم له وفقهوا، فلما جاء علي إلى الكوفة أخذوا عنه أيضا وكانوا أوثق أصحابه. وهذه الآثار إنما تدل على فشو الكذب بالكوفة بعد علي رضي الله عنه. اهـ.

الموضع الثالث:

وقال في "الأنوار" أيضا (ص 92 - 94):

ذكر أبو رية عن أئمة السنة: إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والنسائي، ثم ابن حجر، ما حاصله أنه لم يصح في فضل معاوية حديث.

أقول: هذا لا ينفي الأحاديث الصحيحة التي تشمله وغيره، ولا يقتضي أن يكون كل ما روي في فضله خاصة مجزوما بوضعه.

وبَعْدُ ففي هذه القضية برهان دامغ لما يفتريه أعداء السنة على الصحابة، وعلى معاوية، وعلى الرواة الذين وثقهم أئمة الحديث، وعلى أئمة الحديث، وعلى قواعدهم في النقد.

أما الصحابة رضي الله عنهم ففي هذه القضية برهان على أنه لا مجال لاتهام أحد منهم بالكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن معاوية كان عشرين سنة أميرا على الشام وعشرين سنة خليفة، وكان في حزبه وفيمن يحتاج إليه جمع كثير من الصحابة منهم كثير ممن أسلم يوم فتح مكة أو بعده، وفيهم جماعة من الأعراب، وكانت الدواعي إلى التعصب له والتزلف إليه متوفرة، فلو كان ثمَّ مساغ لأن يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أحد لقيه وسمع منه مسلما لأقدم بعضهم على الكذب في فضل معاوية، وجهر بذلك أمام أعيان التابعين، فينقل ذلك جماعة ممن يوثقهم أئمة السنة فيصح عندهم ضرورة.

ص: 192

فإذا لم يصح خبر واحد، ثبت صحة القول بأن الصحابة كلهم عدول في الرواية، وأنه لم يكن منهم أحد مهما خفت منزلته وقوي الباعث له محتمَلا منه أن يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما معاوية فكذلك، فعلى فرض أنه كان يسمح بأن يقع كذب على النبي صلى الله عليه وسلم ما دام في فضيلة له، وأنه لم يطمع في أن يقع ذلك من أحد غيره ممن له صحبة، أو طمع ولكن لم يُجْده ترغيب ولا ترهيب في حمل أحد منهم على ذلك، فقد كان في وسعه أن يحدث هو عن النبي صلى الله عليه وسلم، قد حدث عدد كثير من الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضائل لأنفسهم وقَبِلَهَا منهم الناس ورووها وصححها أئمة السنة.

ففي تلك القضية برهان على أن معاوية كان من الدين والأمانة بدرجة تمنعه من أن يفكر في أن يكذب أو يحمل غيره على الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم مهما اشتدت حاجته إلى ذلك.

ومن تدبر هذا علم أن عدم صحة حديث عند أهل الحديث في فضل معاوية أدل على فضله من أن تصح عندهم عدة أحاديث.

وأما الرواة الذين وثقهم أئمة الحديث فقد كان من حزب معاوية والموالين له عدد منهم، كان في وسعهم أن يكذبوا على بعض الصحابة الذين لقوهم ورووا عنهم فيرووا عنه حديثا أو أكثر في فضل معاوية، ينشروا ذلك فيمن يليهم من الثقات فيصححه أهل الحديث، فعدم وقوع شيء من ذلك يدل على أن الرواة الذين يوثقهم أئمة الحديث ثقات في نفس الأمر.

وأما أئمة الحديث فهم معروفون بحسن القول في الصحابة عامة، وخصومهم ينقمون عليهم ذلك كما تراه في فصل عدالة الصحابة من كتاب أبي رية، ويرمونهم بالنصب ومحبة أعداء أهل البيت والتعصب لهم.

ص: 193

وتلك القضية براءة لهم؛ فلو كانوا من أهل الهوى المُتَّبَع لأمكنهم أن يصححوا عدة أحاديث في فضل معاوية، أو يسكتوا على الأقل عن التصريح بأن كل ما روي في ذلك غير صحيح.

وأما قواعدهم في النقد فلا ريب أن نجاحها في هذا الأمر -وهو من أشد معتركات الأهواء- من أقوى الأدلة على وفائها بما وُضعت له". اهـ.

الموضع الرابع:

وقال في "الأنوار" أيضًا (ص 282):

"ثم ذكر يعني أبا رية (ص 324 - 327) كلاما للدكتور طه حسين ذكره في معرض الرد على الذين يكذّبون غالب ما روي من الأحداث في زمن عثمان ويقولون إنه: "على كل حال لم يرد إلا الخير، ولم يكن يريد ولا يمكن أن يريد إلا الخير" ويرون في سائر الصحابة أنهم "يخطئون ويصيبون، ولكنهم يجتهدون دائما ويسرعون إلى الخير دائما فلا يمكن أن يتورطوا في الكبائر، ولا أن يحدثوا إلا هذه الصغائر التي يغفرها الله للمحسنين من عباده".

أقول: أما أهل العلم من أهل السنة فلا يقولون في عثمان ولا في غيره من آحاد الصحابة إنه معصوم مطلقا أو من الكبائر، وإنما يقولون في المبشَّرين بالجنة: إنه لا يمكن أن يقع منهم ما يحول بينهم وبين ما بُشروا به، وإن الصحابي الذي سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يُعرف بنفاق في عهده ولا ارتد بعد موته لا يكذب عليه صلى الله عليه وسلم متعمدا، وقد تقدم بيان ذلك، ولا يُظن به أن يرتكب كبيرة غير متأوِّل ويصرّ عليها.

والعارف المنصف لا يستطيع أن يجحد أن هذه الحال كانت هي الغالبة فيهم، فالواجب الحمل عليها ما دام ذلك محتملا، وعلماء السنة يجدون الاحتمال قائما في كل ما نقل نقلا ثابتا، نعم قد يبعد في بعض القضايا ولكنهم يرونه مع بعده أقرب من ضده، وذلك مبسوط في كتبهم.

ص: 194

قال أبو رية (ص 325): "ونحن لا نغلو في تقديس الناس إلى هذا الحد البعيد".

أقول: وعلماء السنة كما رأيت لا يبلغون ذلك الحد، وإن كانوا يعلمون أن حال الصحابة لا تقاس بحال غيرهم.

قال: "ولا نرى في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يكونوا يرون في أنفسهم".

أقول: المدار على الحجة، فإذا ثبت عندنا أن أحدهم كان يرى في صاحبه أمرًا فليس لنا أن نوافقه إذا لم نعلمَ له حجة، فكيف إذا ما قامت الحجة على خلافه؟ وأوضح من ذلك أنه ليس لنا أن نتهم غير صاحبه بمثل تلك التهمة ما دام لا حجة لنا على ذلك، فأما الاستدلال على الإمكان فعلماء السنة لم ينفوا الإمكان إلا فيما قام عليه دليل شرعي كالتبشير بالجنة، والدليل الشرعي لا يعارضه ما دونه.

قال: "وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق، فقد روي أن عمار بن ياسر

".

أقول: أما الترامي بالفسوق بمعنى ارتكاب بعض الكبائر فقد كان بعض ذلك وعُلم حكمُه مما مر، وأما الترامي بالكفر فلم يثبت، بل الثابت خلافه، وما ذكر أنه روي عن عمر وابن مسعود لم يثبت، وعلى فرض أنه ثبت عن بعضهم كلمة يظهر منها ذاك المعنى فهي فلتة لسان عند ثورة غضب لا يجوز أخذها على ظاهرها لشذوذها ونفي جمهور الصحابة لما يزعمه ظاهرها، كيف وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تبشير عثمان بالشهادة والجنة؟ ". اهـ.

* * *

ص: 195

فائدة (1)

دلالة ترك الصحابي للشيء

• قال الشيخ المعلمي في مسألة رفع اليدين من الجزء الثاني من "التنكيل" ص (28):

"لنا أن ندعي في قضيتنا هذه إجماع الصحابة؛ لأن جماعة منهم رووا الرفع وتواتر العمل به عن كثير منهم، بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا، فاشتهر ذلك وانتشر، ولا يعرف عن أحد منهم ما يدل على أنه غير مشروع، فأما ما روي عن بعضهم أنه تركه فلم يثبت، وقد مر الكلام على ما روي عن ابن مسعود، ويأتي الكلام على غيره، ولو ثبت بعض ذلك فإنما هو ترك جزئي، أي في ركعة واحدة أو صلاة واحدة، وذلك لا يدل على أن التارك يراه غير مشروع، إذ قد يكون قَصَدَ بيان أن الرفع في غير الأولى ليس في مرتبتها، وقد يكون سها، وقد يكون ترخص لعذر أولغير عذر في ترك ما يعلمه مندوبًا.

بل لو ثبت أن بعضهم تركه مدة طويلة لما دل ذلك على أنه يراه غير مشروع؛ فقد جاء عن أبي بكر وعمر وابن عباس أنهم كانوا لا يُضَحُّون.

بل قد ثبت أن الصحابة تركوا في عهد عثمان تكبيرات الخفض والرفع أو الجهر بها، واستمر ذلك حتى أن عليًا لما قدم العراق وصلى بهم وأتى بالتكبيرات وجهر بها قال عمران بن حصين كما في "الصحيحين" وغيرهما (ذَكَّرنا هذا الرجل صلاةً كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم). وقال أبو موسى الأشعري فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح في (الفتح)(ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إما نسيناها وإما تركناها عمدًا).

ص: 196

واستمر الترك بالحجاز حتى إن أبا هريرة حين استخلفه مروان على إمارة المدينة في عهد معاوية صلى بهم، فأتى بالتكبيرات وجهر بها، فأنكروا ذلك، قال أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف كما في (صحيح مسلم):(قلنا يا أبا هريرة ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم) وصلى بهم بمكة فأتى بالتكبيرات وجهر بها فأنكروا ذلك، قال عكرمة كما في "صحيح البخاري" وغيره (فقلت لابن عباس إنه أحمق، قال ثكلتك أمك سنة أبي القاسم محمد صلى الله عليه وسلم).

* * *

ص: 197

فائدة (2)

فِعْلُ الصحابة هل يُفيد صحة الخبر المرفوع إذا ثبت وهنُه؟

• في "الفوائد المجموعة" ص (229):

حديث: إن العجم يبدؤن بكبارهم إذا كتبوا إليهم، فإذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه.

قال الشوكاني:

رواه العقيلي عن أبي هريرة مرفوعًا، وهو موضوع، وفي إسناده: مجهول، وهو: محمد بن عبد الرحمن القشيري.

وقد رواه الطبراني في الأوسط من طريق أخرى بلفظ: إذا كتب أحدكم إلى إنسان فليبدأ بنفسه، وإذا كتب فليترب كتابه فهو أنجح.

(قال المعلمي: فيه الخبائري عن العكاشي، كذاب عن أكذب منه).

ورواه الطبراني أيضًا في الكبير عن النعمان بن بشير.

(قال المعلمي: اختصره في اللآلىء، وهو في قصة طويلة في مجمع الزوائد 10/ 34 وتهذيب تاريخ ابن عساكر 3/ 260 وفي سندها من لا يعرف، والصناعة فيها ظاهرة).

وقد روى أبو داود، وابن أبي شيبة: أن العلاء بن الحضرمي كان عامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم على البحرين، وكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه وكان هذا هو المعلوم من حال الصحابة فمن بعدهم.

فقال المعلمي:

"هذا حق، ولكنه لا يفيد صحة ذاك الخبر القولي". اهـ.

ص: 198

قال أبو أنس:

هاهنا ينتهي ما أردت عرضه من كلام الشيخ المعلمي فيما يتعلق بالصحابة.

وقد أرجأتُ سابقًا الحديث عن معرفة الصحابة، وكيف تثبت الصحبة، إلى هذا الموضع، فأقول وبالله التوفيق:

أهمية معرفة من ثبتت له الصحبة:

أما فيما يتعلق بالحديث وعلومه، فللتمييز بي المسند والمرسل، فمن ثبتت صحبته كان ما رُوي من طريقه مسندًا، وما لا كان مرسلا، والمرسل ليس بحجة عند جمهور أهل العلم من أئمة هذا الفن.

فمن لم تثبت صحبته -بعد أن يُختلف فيها أو تُدَّعى له من غير بَيِّنَة- نُظر: هل ثبتت عدالته أم لا؟ لأن مجرد الاختلاف في صحبة الرجل لا تُسوِّغُ ثبوت عدالته من غير حجة، فرب مجاهيل أو مستورين أُسندت إليهم أحاديث يرفعونها من طرق لا تقوم بها حجة، فنُسبت إليهم الصحبة خطأً.

لذا، فقد اعتنى أهل العلم بهذا الفن وهو معرفة الصحابة، وأُلِّفت فيه المصنفات.

فمن أول من صنف في ذلك: علي بن المديني، صنف "معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان" ذكروا أنه خمسة أجزاء.

وضمن البخاري كتابه "التاريخ الكبير" أسماء الصحابة؛ يبدأ في كل حرف بأسماء من روي عنه الحديث من الصحابة، ثم يتلوه بمن بعدهم، وهكذا.

ويمكن تقسيم ما صنفه الأئمة في التعريف بالصحابة إلى الأقسام التالية:

1 -

كتب "الطبقات"(وهو تصنيف زمني) ككتاب "الطبقات" لابن سعد، وتبع فيه شيخه الواقدي، و"طبقات" خليفة بن خياط، و"طبقات" مسلم بن الحجاج.

2 -

كتب التواريخ المصنفة على البلدان، فيبدأ عند كل بلد أو قطر أولًا بمن نزلها من الصحابة، كتاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ".

ص: 199

3 -

كتب التواريخ المصنفة على حروف المعجم ككتاب "التاريخ الكبير" للبخاري كما سبق.

4 -

كتب المسانيد وبعض المعاجم المصنفة على الصحابة، كمسند أحمد وغيره، والمعجم الكبر للطبراني. وفيها يجمع المصنف تحت كل ترجمة ما أُسند إلى صاحبها من الأحاديث، فإذا كانت قليلة استوعبها المصنف، سواء ثبتت أم لم يثبت، وعليه فسواء ثبتت الصحبة أم لا؟ وقد تثبت صحبة الرجل، ولا تثبت عنه رواية ما.

5 -

الكتب المصنفة في الصحابة رأسًا.

وأشهرها كتاب ابن منده وأبي نعيم الأصبهاني و"الاستيعاب" لابن عبد البر و"أسد الغابة" لابن الأثير و"معجم" ابن قانع.

وقد اعتنى الأوَّلان بذكر الأحاديث المروية للصحابي لاسيما المقل منهم، مع ذكر الخلاف في أسانيدها إن وجد، وهو مسلك مهم لضبط أحاديث من ذكروا في الصحابة، فربما لا يُعرف الرجل في الصحابة إلا من خلال حديث أو عدة أحاديث، فيحتاج لإثبات صحبته إلى النظر في تلك الأسانيد وإجراء قواعد أهل الفن عليها، فإن كانت محفوظة ثبتت صحبته، وإلا توقف فيه.

وقد حذف مَن بعدهما أكثر ذلك، واعتنوا بأنساب الصحابة وما يعرف بهم، مع ذكر طرف من أحاديثهم مختصرة متونها وأكثر أسانيدها.

ثم جاء الحافظ ابن حجر، فأراد أن يجمع شتات ما سبقه، فقسَّم كل حرف من كتابه "الإصابة" إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: من وردت روايته أو ذكره من طريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة أو منقطعة.

القسم الثاني: من له رؤية فقط.

ص: 200

القسم الثالث: من أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر أنه اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم.

القسم الرابع: من ذكر في كتب مصنفي الصحابة أو مخرجي المسانيد غلطا مع بيان ذلك.

لكن لا يُستغنى به عن كتاب ابن منده وأبي نعيم؛ لأن فيهما الأخبار مسندة تامة المتن، مع سياق الاختلاف في ذلك كله.

أما القسم الأول فأحاديثهم مسندة إذا كان المذكورُ ثابتَ الصحبة من غير طريق تلك الأحاديث، أو كانت أسانيد تلك الأحاديث محفوظة، فإن لم يكن لا ذا ولا ذاك لم يمكن الجزم بصحبته، فإما أن يكون على الاحتمال، أو يقطع بعدم الثبوت لسقوط

الإسناد مثلا.

وأما القسم الثاني والثالث فحديثهما له حكم المرسل.

وأما الرابع فمجزوم بغلطه على ما يبينه الحافظ.

تعريف الصحابي:

هو بمجموع ما قيل فيه:

من اجتمع -أو التقى- بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة حال حياته مسلما، ومات على الإسلام، وإن تخلل ذلك ردة على الأصح.

فالتعبير بالاجتماع أو اللقاء أولى من التعبير بالرؤية تحرزًا ممن كان أعمى، وهو صحابي باتفاق؛ كعبد الله بن أم مكتوم.

وعبارة: "في اليقظة" تحرزًا ممن رآه واجتمع به في رؤيا المنام.

وعبارة: "حال حياته" تحرزًا ممن بلغ المدينة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ورآه حينئذ.

وقولهم: "مسلما" تحرزًا ممن التقى بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم ثم أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ص: 201

وقولهم: "ومات على الاسلام" تحرزًا ممن ارتد ومات على غير الإسلام.

وقولهم: "وإن تخلل ذلك ردة" يعني شريطة أن يموت على الإسلام.

وقولهم: "على الأصح" إشارة إلى الراجح من الخلاف في ذلك.

أقول: قد وقع جدل في القَدْر الذي يصح معه إطلاق اسم الصحبة.

والذي يتحرر من الناحية العملية أن الصحبة نوعان:

الأولى: صحبة فضيلة.

والثانية: صحبة رواية.

فالأولى تطلق على صنفين:

أحدهما: كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولو مرة، ولو للحظة، وإن لم يقع معها مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة.

ثانيهما: الصغير غير المميز، كعبد الله بن حارث بن نوفل، وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري وغيرهما ممن حنكه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له، ومحمد بن أبي بكر الصديق المولود قبل الوفاة النبوية بثلاثة أشهر وأيام، فهو وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه، صدق أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه، وعلى ذلك مشى غير واحدٍ ممن صنف في الصحابة؛ يذكرون كل من نال شرفَ وفضيلةَ رؤية النبي صلى الله عليه وسلم.

والصنف الأول يقول فيه المحققون: له رؤية وليست له صحبة. يعنون بذلك أنه لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، أي له صحبة الفضيلة لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم، لكن ليست له صحبة الرواية، فحديثه مرسل.

وأما صحبة الرواية فهي لمن صحب النبي صلى الله عليه وسلم مدة أو حضر له مجلسا أو نحو ذلك مما مكَّنَهُ من سماع النبي صلى الله عليه وسلم والرواية عنه.

ويتفاوت الصحابة في ذلك بين مقل ومكثر.

ص: 202

ومن هؤلاء من كان صغيرًا حين البعثة، ثم صحب النبي صلى الله عليه وسلم بالغًا، فحكى أشياء عُرف بالتاريخ أنه لم يحضرها لصغره، أو حضرها، ولكن لم يسمح له سنه أن يضبطها؛ منهم: ابن عباس وابن الزبير.

وقد ميز المحققون تلك الأحاديث، ونبهوا عليها وسموها مراسيل، ولكنهم قبلوها؛ لعلمهم أن هؤلاء إنما أخذوها ممن هم أكبر منهم من الأصحاب.

لكن ربما استفيد من ذلك في بيان خطأ من روى شيئًا لهؤلاء، وأسند إليهم سماعه أو حضوره على سبيل الوهم والخطأ.

ومن هؤلاء أيضا من كان إسلامه متأخرًا، فحكى أشياء لم يحضرها مما كان قبل إسلامه فهو كسابقه.

وبعد، فهذه إشارة إلى بعض المسائل المتعلقة بقضية الصحبة، وفيها غير ذلك مما لا يتسع له هذا المقام، وبالله تعالى التوفيق.

* * *

ص: 203