الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أضف إلى ذلك أن من عادتهم أنهم يحرصون على أن يذكروا في ترجمة الرجل أقدم شيوخه وأجلهم، فلو عرفوا للسمسار سماعًا من ابن عيينة أو أحد أقرانه أو من قرب منهم لكان أَوْلى أن يذكروه في شيوخه من نوح وعفان.
فإن قيل: إن كان ابن الصلت أراد الكذب فما الذي منعه أن يسمي شيخًا أشهر من السمسار وأثبت لا يُشك في سماعه من ابن عيينة؟
قلت: منعه علمه بأن الكذب على المشاهير سرعان ما يفتضح لإحاطة أهل العلم بما رووه، بخلاف المغمورين الذين لم يرغب أهل العلم في استقصاء ما رووه". اهـ.
4 - أمثلة للتهمة بسرقة الحديث ونظر المعلمي في ذلك:
المثال الأول:
ترجم العلامة المعلمي لـ: فهد بن عوف أبي ربيعة في "التنكيل" رقم (177) وقال: "قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ما رأيت بالبصرة أكيس ولا أحلى من أبي ربيعة فهد بن عوف وكان ابن المديني يتكلم فيه
…
قيل لأبي: ما تقول فيه؟ فقال: تعرف وتنكر، وحرك يده" ثم ذَكَر عن أبي زرعة قصةً حاصلُها: أن أبا إسحاق الطالقاني وَرَدَ البصرة فحدَّثَ من حديث ابن المبارك بحديثين غريبين، أحدهما: عن وهيب بسنده، والآخر: عن حماد بن سلمة بسنده، فبعد مدّة يسيرة حدث فهد بالحديث الأول عن وهيب بن خالد بذاك السند، والثاني عن حماد بن سلمة بسنده، فَرَمَوْا فهدًا بسرقة الحديثين، وأنه إنما سمعهما من الطالقاني عن ابن المبارك عن وهيب وعن حماد، فحدث بهما عن وهيب وعن حماد، وغلط مع ذلك فروى الأول عن وهيب بن خالد، وإنما وهيب شيخ ابن المبارك وهيب بن الورد.
والحجة في رميه بسرقة الحديث الثاني أنه حديث غريب لم يكن في كتب حماد بن سلمة، ولا رواه عنه غير ابن المبارك حتى حدث به الطالقاني عن ابن المبارك فوثب عليه فهد.
وقد يحتمل في هذا أن يكون فهد قد سمعه من حماد بن سلمة ثم غفل عنه، فلما حدث به الطالقاني واستفاده الناس وأعجبوا به فتش فهد في كتبه فوجده عنده عن حماد بن سلمة، ولكن في هذا الاحتمال بُعْد.
فأما الحديث الأول فالتهمة فيه أشدّة لأنه ليس من حديث وهيب بن خالد أصلًا، وإنما هو من حديث وهيب بن الورد.
ولا يخفى أنه ليس من الممتنع أن يكون الحديث عند وهيب بن خالد أيضًا ولم يسمعه منه إلا فهد، لكن في هذا من البُعْد ما فيه.
فالظاهر أن هذين الحديثين -هُمَا ولاسيما الأول- بَلِيَّةُ هذا الرجل؛ لأجل ذلك كذبه ابن المديني وتكلم فيه غيره.
لكن يظهر من كلمة ابن أبي حاتم (1) أنه متوقف. وقال ابن أبي حاتم: "قلت لأبي زرعة: يكتب حديثه؟ فقال: أصحاب الحديث ربما أراهم يكتبونه"، وأسند إلى ابن معين أنه سئل عنه فقال:"ليس لي به علم، لا أعرفه، لم أكتب عنه" وقد يبعد أن لا تكون القصة بلغت ابن معين، ومع ذلك توقف.
…
والذي يتجه أنه إن كان صرح في الحديث الأول بسماعه من وهيب بن خالد فقد لزمته التهمة، وإن لم يصرح وإنما رواه بصيغة تحتمل التدليس، فقد يقال: لعله دَلَّسه، ولكن يبقى أنهم لم يذكروه بالتدليس، والمدلِّس إنما يَسلم من الجرح بالتدليس إذا كان قد عُرف عنه أنه يدلس، فإن ذلك يكون قرينة تخلصه من أن يكون تدليسه كذبًا، وقد يقال: كان جازمًا بصحة الخبرين عن وهيب وحماد فاستجاز تدليسهما وإن لم يكن قد عُرف بالتدليس، وفي هذا نظر والله أعلم. اهـ.
(1) كذا هنا، وإنما الكلمة لأبي حاتم كما سبق النقل عنه.
المثال الثاني:
ترجم المعلمي لـ: قطن بن إبراهيم في "التنكيل" رقم (181) ونقل قولَ الكوثري فيه: "حدث بحديث إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر في الدباغ، فطالبوه بالأصل فأخرجه وقد كتبه على الحاشية، فتركه مسلم بعد أن صار إليه وكتب عنه جُمْلَةً، وهو متهم بسرقة حديث حفص عن (1) محمد بن عقيل".
فقال المعلمي:
"هو حديث واحد رواه محمد بن عقيل، عن حفص، عن عبد الله السلمي، عن إبراهيم بن طهمان، وكان قطن قد سمع من حفص كثيرًا، ثم ذكر محمد بن عقيل أن قطنًا سأله: أي حديث عندك من حديث إبراهيم بن طهمان أغرب؟ فذكر له هذا الحديث.
فذهب قطن فحدث به بالعراق عن حفص، فبلغ محمد بن عقيل فأنكر ذلك وقال:"لم يكن حفظ هذا الحديث -يعني عن حفص- إلا أنا ومحمود أخو خشتام" واتَّهَمَ قطنًا أنه سرقه منه، ثم حدث به قطن بنيسابور، فطالبوه بالأصل، فدافعهم، ثم أخرجه، فرأوا الحديث مكتوبًا على الحاشية، فأنكروا ذلك.
هذا حاصل القصة، وقطن مكثر عن حفص وغيره. وقد قال الحاكم أبو أحمد:"حدث بحديثين لم يتابع عليهما، ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبلاء" وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "يخطىء أحيانًا، يعتبر حديثه إذا حدث من كتابه" وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة، ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في "لسان الميزان" (ج 2 ص 416). وقال النسائي:"فيه نظر"، ثم روى عنه في "السنن". وقال الذهبي في "الميزان":"صدوق".
(1) كذا في"التنكيل" و"التأنيب"، وهو خطأ ظاهر، والصواب "من" كما يعلم من السياق بعد ذلك.
فإذا كانت هذه حاله، ولم يُنقم عليه مع إكثاره إلا ذاك الحديث، فلعل الأَوْلى أن يحمل على العذر، فلا يمتنع أن يكون قد سمع الحديث من حفص ثم نسيه أو خفى عليه أنه غريب، أو طمع أن يدلَّهُ محمد بن عقيل على حديث غريب آخر ثم ذكره وتنبَّه لفرديته فرواه.
وقد يكون كتبه بعد أن سمعه في الحاشية، أو لا يكون كتبه أولًا ثم لما ذكر أنه سمعه أو عرف أنه غريب ألحقه في الحاشية، وكان مع حفص في بلد واحد فلا مانع أن يكون سمع منه الحديث في غير المجلس الذي سمع فيه محمد بن عقيل وصاحبه.
وأهل الحديث جزاهم الله خيرًا ربما يشددون على الرجل وهم يرون أن له عذرًا؛ خشية أن يتساهل غيره طمعًا في أن يعذروه كما عذروا ذاك. والله أعلم. اهـ.
المثال الثالث:
ترجم المعلمي لـ: محمد بن يونس الجمال في "التنكيل" رقم (240) ونقل قولَ الكوثري فيه: "قال محمد بن الجهم: هو عندي متهم، قالوا: كان له ابنٌ يُدخل عليه الأحاديث، وقال ابن عدي: ممن يسرق حديث الناس
…
".
فقال المعلمي:
"محمد بن الجهم هو السمري، صدوق، وليس من رجال هذا الشأن. وقوله: "قالوا: كان له ابن
…
" لم يبيّن مَن القائل، وابن عدي إنما رماه بالسرقة لحديث واحد رواه عن ابن عيينة، فذكر ابن عدي أنه حديث حسين الجعفي عن ابن عيينة، يعني أنه معروف عندهم أنه تفرد به حسين الجعفي عن ابن عيينة، وحسن الجعفي ثقة ثبت، فالحديث ثابت عن ابن عيينة، وقد سمع الجمال من ابن عيينة، فالحكم على