الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للشر دونه
[خبر اشتداد قريش على أبي طالب ووثوب كل قبيلة على من اسلم منها يعذبونه]
فلما رأت قريش ذلك اجتمع أشرافهم ومشوا الي أبى طالب وقالوا له ان ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا فاما أن تكفه عنا واما أن تخلى بيننا وبينه فانك على مثل ما نحن عليه من خلافه فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا وردهم ردا جميلا ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما هو عليه فشرى الأمر بينهم وبينه حتى تولدت احن وضغائن ثم مشوا الى أبى طالب مرة أخرى وأعذروا اليه في أمر النبى صلى الله عليه وآله وسلم واشتد قولهم في ذلك فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم يطب نفسا بخذلانه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم كلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد بدا لعمه تركه والعجز عن نصرته فقال يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يسارى على أن اترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا فقال له يابن أخى قل ما أحببت فو الله لا أسلمك لشيء أبدا ثم مشوا الى أبى طالب مرة أخرى بعمارة بن الوليد بن المغيرة وكان من أنهد شبانهم وأجملهم وعرضوا عليه أن يتخذه ولدا بدلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم بئسما تسومونني به أتعطونى ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابنى تقتلونه هذا والله ما لا يكون ابدا فتنابذوا وتذامروا للحرب ووثبت كل قبيلة على من اسلم منهم دونه عرضا يقيه بها المكاره (وسفه) أي نسب الى السفاهة (أحلامنا) جمع حلم بكسر الحاء وسكون اللام وهو العقل (وضلل آباءنا) أي نسبهم الى الضلالة (قولا رفيقا) بفاء ثم قاف أي لينا (فشري) بفتح المعجمة وكسر الراء أي ثار وعظم (إحن) جمع إحنة كمحنة وهي الضغن (وضغائن) بمعجمتين جمع ضغن بكسر أوله وهو البغض والعداوة (فعظم) مثلث الظاء والضم أشهر (ولم يطب نفسا) أي لم تطب نفسه (قد بدا) بغير همز (والله لو وضعوا الشمس في يميني الى آخره) علق ترك هذا الامر بأعلى درجات الاستحالة تنبيها على ان ترك ذلك الامر بهذه المثابة وفيه اشارة الى ان الامر الذي أراده أظهر من الشمس والقمر فكانه قال الامر الظاهر لا يحال عليه الا الى ما هو أظهر منه وجعل الشمس في يميني والقمر في يساري تنحط درجته في الظهور عن ذلك الامر (أو أهلك) بكسر اللام (ثم استعبر) أي أظهر العبرة (باكيا) حال (اسلمك) بضم الهمزة وسكون المهملة مخفف (أنهد) أي أقوى كما مر (تسومونني) أي ما تعرضون على من سام السلعة اذا عرضها للبيع (أتعطوني) بهمزة الاستفهام الانكاري وضم أوله رباعي (اغذوه) بالمعجمتين من الغذاء أي اربيه (فتنابذوا) أي تطارحوا العهود التي بينهم وأعلم كل منهم الآخر انه حرب له (وتذامروا للحرب) بالمعجمة تفاعلوا من الذمار وهو الغضب أو الهلاك (ووثبت)
يعذبونه ثم اخذ ابو طالب يحشد بطون قريش خصوصا بني عبد مناف لكونه أخص بهم وهم أربعة بطون بنو هاشم وبنو المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل فاجابه وقام معه بنو هاشم وبنو المطلب وخذله البطنان الآخران وانسلخ معهم أبو لهب فلذلك يقول أبو طالب في قصيدته المشهورة:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا
…
عقوبة شر عاجلا غير آجل
بميزان قسط لا يخيس شعيرة
…
له شاهد من نفسه غير عايل
وقال في قصيدة أخرى:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا
…
وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما
ولما ثبّت الله بني المطلب دخلوا مع بنى هاشم في خصائصهم التى اختصوا بها بقرابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الكفاءة وسهم ذوى القربي وتحريم الزكاة فلم يفترقوا في جاهلية ولا إسلام دليله ما ثبت عن جبير بن مطعم قال لما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سهم ذوي القربى بين بنى هاشم وبني المطلب أتيته أنا وعثمان بن عفان فقلنا يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بنى المطلب أعطيتهم وتركتنا أو منعتنا وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد وشبك بين أصابعه* ولما رأى أبو طالب من قومه ما أعجبه قال فيهم:
اذا اجتمعت يوما قريش لمفخر
…
فعبد مناف سرها وصميمها
أي قامت بسرعة (يحشد) باهمال الحاء واعجام الشين أى يحرش ويجمع (لكونهم أخص) بالنصب اما خبر واما حال والثاني على ان الكون بمعنى الوقوع (في قصيدته) هى كلمات يقصد بها الشاعر بيان مقصوده فهي فعيلة بمعنى مفعولة أي مقصود ما فيها (عبد شمس ونوفلا) أي بينهما (عاجلا) صفة للعقوبة ذكره على ان المراد بالعقوبة العقاب أو المصدر محذوف أي جزاء عاجلا أو حال لشر على لغة مجيء الحال بعد النكرة (لا يخيس) باعجام الخاء واهمال السين من خاس أي غدر قال الشمني ويقال يخوس (دليله ما ثبت) في صحيح البخاري وسنن أبي داود والنسائي (جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أسلم بعد الحديبية قبل الفتح وقيل أسلم في الفتح مات سنة سبع وخمسين أو ثمان وخمسين أو تسع وخمسين أقوال (أنا وعثمان) بالرفع للعطف والنصب على انه مفعول معه (شيء واحد) روي بالمعجمة مع الهمز وبالمهملة المكسورة وتشديد الياء والسى المثل (اذا اجتمعت يوما قريش لمفخر) أي للتفاخر بآبائها والتبذح بانسابها واحسابها (فعبد مناف سرها) أي خيارها وسر كل شيء خياره (وصميمها)