الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الباب الرابع في هجرته صلى الله عليه وسلم وما بعدها الى وفاته]
الباب الرابع (في هجرته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم وما بعدها الى وفاته) قال المؤلف زكى عمله وختم بخيرا جله اعلم رحمك الله واياى ان هذا الباب اوسع تاريخا من الابواب قبله لحلول الجهاد فيه وترادف الغزوات وانتشار اعلام النبوة وارتفاع صيتها وتوالى الفتوحات وخمول اهل البغي والعناد والجهالات ووفود العرب من الآفاق المتباينات وختام ذلك بوفاته صلى الله عليه وسلم* قال أهل التواريخ أمر الله سبحانه وتعالى رسوله بالهجرة وفرض عليه الجهاد وذلك في سنة احدى من سني الهجرة وهى سنة أربع عشرة من النبوة واربعا وخمسين من المولد ومنها ابتداء التاريخ الاسلامي ففي ربيع الاول منها يوم الاثنين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم* وها أنا ان شاء الله اذكر حديث الهجرة مختصرا من الصحيحين مع زيادات من غيرهما معبرا عن تلك الزيادات بصيغة من صيغ التمريض كروي وحكي ونحوهما مع احتمال ان يكون بعضها لاحقا بدرجة الصحيحين والله المسدد فأول ذلك انه صلى الله عليه وسلم لما عقد البيعة مع الانصار ليلة العقبة أقام ينتظر أمر الله بالهجرة وبقوا منتظرين لوروده عليهم في كل حين وكان ابو بكر قد خرج قبل ذلك مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى اذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فحكى له ما لقى من قومه فقال له ابن الدغنة ان مثلك لا يخرج ولا يخرج ارجع فانا لك جار فرجع وارتحل معه حتي قدما مكة (الباب الرابع في هجرته صلى الله عليه وآله وسلم وما بعدها) أي بعد الهجرة (اعلام النبوة) الاعلام جمع علامة واعلام النبوة ما يدل على صدق النبى من الحوادث وقد ألف العلماء في ذلك كتبا كثيرة (صيت) بمهملة مكسورة وتحتية ساكنة الذكر الحسن كالصات والصوت والصيتة (الخمول) بمعجمة مضمومة بوزن حمول وهو السقوط يقال فلان خامل اذا كان ساقطا لا نباهة له (الوفود) جمع وافد القادم يقال وفد اليه وعليه يفد وفدا ووفودا ووفادة وافادة كذا في القاموس (التاريخ الاسلامي) أول ما بدأ التاريخ بالهجرة في خلافة عمر رضى الله عنه وقد بسط المؤرخون سبب ذلك (برك الغماد) بموحدة مكسورة وراء ساكنة ثم معجمة مكسورة وقد تضم الاخيرة والكسر أشهر موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر وقيل بلد باليمن والاول الصحيح وفي حديث عمار لو ضربونا حتى بلغوا بنا برك الغماد لعلمنا اننا على الحق وانهم على الباطل (ابن الدغنة) بفتح الدال المشددة وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون وعليه عامة الرواة وأهل السير يقولون الدغنة بضم المهملة والمعجمة والنون مشددة وهو بفتح الدال وسكون الغين تقييد أهل اللغة واسمه ربيعة بن رفيع والدغنة أمه وهو من القارة سيد الاحابيش والدغنة الدجنة يقال دغن يومنا أي دجن (القارة) بقاف ممدودة فراء مخففة قبيلة وهم رماة وفي المثل انصف القارة من راماها (حتى قدما مكة) في رواية فارتحل ابن الدغنة ورجع مع أبي بكر فطاف ابن الدغنة في كفار قريش
فأنفذت له قريش جواره بشرط أن لا يعلن بقراءته ولا صلاته فعمل بشرطهم أياما ثم بدا له أن يعلن فأعلن فأخبرت قريش ابن الدغنة فقدم عليه ولازمه على شرطه الاول أو يرد عليه جواره فرد عليه أبو بكر ذمته ورضي بجوار الله عز وجل وتجهز أبو بكر قبل المدينة. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رسلك وانى أرجو أن يؤذن لى فأحتبس أبو بكر لذلك وعلف را حلتين كانتا عنده الخبط أربعة أشهر. قالت عائشة فبينما نحن يوما جلوس في نحر الظهيرة قال قائل لابى بكر هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها فقال أبو بكر فدا له أبى وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة الا أمر. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال لأبى بكر اخرج من عندك فقال انما هم أهلك قال فانى قد أذن لى في الخروج قيل بكى أبو بكر حينئذ فرحا. وقال بأبى أنت وأمى يا رسول الله فخذ احدى راحلتى هاتين. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالثمن قالت عائشة فجهزنا هما أحث الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت بها على فم الجراب فبذلك سميت- ذات النطاقين- واستأجرا رجلا فقال ان أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله اتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق فانفذت قريش جواره وأمنوا أبا بكر وقالوا لابن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصل مهما شاء وليقرأ مهما شاء ولا يؤذينا ولا يشنغلن بالصلاة والقراءة في غير داره ففعل ثم بدا لابي بكر فابتنى مسجدا في فناء داره فكان يصلي ويقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون اليه وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دموعه حين يقرأ القرآن فافزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا الى ابن الدغنة فأتاهم ورد عليه أبو بكر جواره (على رسلك) الرسل بكسر الراء الرفق والتؤدة كالرسلة والترسل (الخبط) بمعجمة وموحدة مفتوحتين ورق السمر (نحر الظهيرة) وقت زوال الشمس (متقنعا) منصوبه على الحال وفي القرآن الكريم وهذا بعلي شيخا ومتقنع ومقنع مغط وجهه ورأسه (الا أمر) أي الا أمر عظيم جليل فالتنوين للتعظيم كما في قولهم شر أهر ذا ناب أي شر عظيم جعله يهر (احث جهاز) أي أسرعه والجهاز بمعجمة مكسورة ما يحتاج اليه المسافر في طريقه من طعام وغيره (سفرة) بمهملة مضمومة والسفرة طعام المسافر وقد يراد بها الجلد الذى يجعل عليه الطعام (نطاقها) النطاق ككتاب شقة تلبسها المرأة وتشد وسطها فترسل الاعلى على الاسفل الى الارض والاسفل ينجر على الارض ليس لها حجزة ولا نيفق ولا ساقان (فبذلك سميت ذات النطاقين) في غير هذا الكتاب وذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر لانها شقت نطاقها ليلة خروج النبي صلى الله عليه وسلم الى الغار فجعلت واحدة لسفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والاخرى عصاما
من بنى الدئل دليلا ماهرا قيل اسمه عبد الله بن أريقط وهو يومئذ كافر ولا يعرف له فيما بعد اسلام فأمناه ودفعا اليه راحلتيهما وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال ثم لحقا بالغار فمكثا فيه ثلاثا يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتي يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبى بكر منحة من غنم فيريخها عليهما عشا وينعق بها من عندهم بغلس. قيل وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام اذا أمست بما يصلحهما وطلبهم المشركون بجميع وجوه الطلب ومروا على غارهما فلم يأبنوه بشئ ففى لقربته (الدئل) بمهملة مضمومة وهمزة مكسورة قبيلة معروفة والنسبة اليها دؤلي ودولى بفتح عينيهما (واستأجرا رجلا من بني الدئل دليلا ماهرا قيل اسمه عبد الله بن اريقط) تصغير أرقط والرقطة سواد يشوبه نقط بيض وجزم ابن هشام في السيرة بان اسمه عبد الله بن أرقط رجل من بني الدئل بن بكر وقال كانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو. وفي اللسان في رقط والارقيط دليل النبي صلى الله عليه وسلم. وفي الاصابة عبد الله بن أريقط ويقال أريقد بالدال بدل الطاء المهملتين الليثي ثم الدئلى دليل النبى صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر لما هاجرا الى المدينة ثبت ذكره في الصحيح فانه كان على دين قومه ولم أر من ذكره في الصحابة الا الذهبي في التجريد وقد جزم عبد الغنى المقدسي في السيرة له بانه لم يعرف له اسلاما وتبعه النووي في تهذيب الاسماء (غار ثور) الغار آخره راء مغارة في الجبل كأنه سرب وثور بلفظ الثور فحل البقر اسم جبل بمكة فيه الغار المذكور (عبد الله بن أبي بكر) شقيق أسماء بنت أبي بكر ذكره ابن حبان في الصحابة وقال مات قبل أبيه وثبت ذكره في البخاري في قصة الهجرة هذه قال ابن عبد البر لم أسمع له بمشهد الا في الفتح وحنين والطائف فان أصحاب المغازي ذكروا انه رمي بسهم فجرح ثم اندمل ثم انتقض عليه فمات في خلافة أبيه في شوال سنة احدى عشرة وذكره المرزباني في معجم الشعراء وقال أصابه حجر في حصار الطائف فمات شهيدا وذكر له شعرا في عاتكة وكان قد تزوجها وشغف بها (ثقف) بفتح المثلثة وكسر القاف الذي يفهم الحديث بسرعة (لقن) بوزن الذي قبله ومرادف له (يدلج) بالتشديد اذا خرج آخر الليل وأدلج وزان أكرم اذا سار الليل كله (كبائت) أي مثل البائت يظنه من لا يعرف حقيقة أمره انه بات بمكة لشدة تغليسه في رجوعه (يكادان به) أي يطلب لهما فيه المكروه من الكيد والاصل فيه كاده كيدا خدعه ومكر به (الاوعاه) أي حفظه وتدبره (عامر بن فهيرة) بالتصغير التيمى مولى أبي بكر الصديق قال ابن حجر أحد السابقين وكان ممن يعذب في الله له ذكر في الصحيح وقال ابن اسحاق كان عامر بن فهيرة مولدا من الأزد وكان للطفيل بن عبد الله بن سخبرة فاشتراه أبو بكر منه فاعتقه وكان حسن الاسلام استشهد ببئر معونة (منحة) المنحة بكسر أوله الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها رجلا يشرب لبنها ثم يردها إذا انقطع اللبن هذا في الاصل ثم كثر استعماله حتى اطلق على كل عطاء (فلم يأبنوه)
البخارى عن أبي بكر قال رفعت رأسى فاذا أنا باقدام القوم فقلت يا رسول الله لو ان بعضهم طأطأ بصره رآنا قال اسكت يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما وبعد الثلاث جاءهم الدليل بالراحلتين فارتحلوا فكانوا ثلاثة ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر والدليل واردف أبو بكر خلفه عامر بن فهيرة ليخدمهما فأخذ بهم طريق السواحل وأخذت قريش عليهم بالرصد والطلب وجعلوا دية كل واحد منهما لمن أسره أو قتله قال أبو بكر أخذ علينا بالرصد فخرجنا ليلا فأحيينا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة ثم رفعت لنا صخرة فآتيناها ولها شئ من ظل قال ففرشت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فروة كانت معى ثم اضطجع ثم انطلقت أنقض ما حوله فاذا أنا براع قد أقبل في غنيمة يريد من الصخرة مثل الذى أردنا فسألته لمن أنت يا غلام فقال أنا لفلان فقلت له فهل في غنمك من لبن قال نعم قلت هل أنت حالب لي قال نعم فأخذ شاة من غنمه فقلت له انفض الضرع قال فحلب كثبة من لبن ومعى اداوة من ماء عليها خرقة قد روّأتها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصببت على اللبن حتى برد أسفله ثم أتيت به النبى صلى الله عليه وآله وسلم فقلت اشرب يا رسول الله فشرب حتى رضيت ثم ارتحلنا بعد ما زالت الشمس والطب في أثرنا فاتبعنا سراقة بن مالك بن جعشم ونحن في جلد من الارض فقلت يا رسول الله آتينا قال لا تحزن إن الله معنا فدعا عليه رسول الله فارتطمت به فرسه الى بطنها فقال انى قد علمت انكما قد دعوتما على فادعوا لي والله لكما ان أرد عنكما الطلب فدعا الله فنجا فرجع لا يلقى أحدا الا قال قد كفيتم ما هاهنا فلا يلقى أحد الا رده قال ووفى لنا. وروي أنهم مروا على خيمتى بتقديم الباء الموحدة على النون أي لم يظنوا أحد فيه (طريق السواحل) قال ابن هشام في السيرة قال ابن اسحاق فلما خرج بهما دليلهما عبد الله بن أرقط سلك بهما أسفل مكة ثم مضى بهما على الساحل. قال ياقوت الساحل بعد الالف حاء مهملة وآخره لام موضع من أرض العرب بعينه كذا قال الازدي فيكون تعبير المؤلف بالسواحل جمع ساحل المراد به ساحل البحر غلطا وقد استوفي ابن هشام الطريق مكانا مكانا الى المدينة فانظره (كثبة) بضم الكاف قال أبو زيد الكثبة ملء القدح من اللبن (سراقة) بضم المهملة (بن مالك بن جعشم) بضم الجيم بن مالك بن عمرو بن تيم بن مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة المدلجي الكناني وقد ينسب الى جده يكنى أبا سفيان ذكر البخاري قصته هذه أسلم يوم الفتح ومات في خلافة عثمان سنة أربع وعشرين (جلد من الارض) قال في اللسان أرض جلد صلبة مستوية المتن غليظة (فارتطمت به فرسه)
أم معبد الخزاعية ثم الكعبية فسألوها الزاد فلم يصيبوا عندها شيئا وكانوا مسنتين فنظر رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم الى شاة في خيمتهم وسألها هل بها من لبن قالت هى أجهد من ذلك انما خلفها عن الغنم الجهد فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسخ بيده ضرعها وسمى الله فدعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت ودعا باناء يربط الرهط فحلب وسقاها وسقى أصحابه وشرب آخرهم ثم ملأه وغادزه عندها وبايعها وارتحلوا عنها وأصبح صوت بمكة عال يسمعونه ولا يدرون من صاحبه قيل هو من الجن وهو يقول
جزى الله رب العرش خير جزائه
…
رفيقين قالا خيمتي أم معبد
هما نزلاها بالهدى فاهتدت به
…
فقد فاز من أمسى رفيق محمد
فيال قصي ما زوى الله عنكم
…
به من فخار لا يجارى وسؤدد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم
…
ومقعدها للمؤمنين بمرصد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها
…
فانكم ان تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت
…
له بصريح ضرة الشاة مزبد
قيل ولما هبطوا العرج أبطأ عليهم بعض ظهرهم فحمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالطاء المهملة أي غاصت قوائمها في الارض (أم معبد) كنيتها واسمها عاتكة بنت خالد (فمسخ) بالخاء المعجمة مثل مسح بالحاء المهملة (باناء يربط الرهط) أي يرويهم (وبايعها) هذا يدل على أن اسلامها كان عند نزولهم بها وحكى الحافظ ابن حجر في ترجمتها عن الواقدي انها قدمت بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسلمت وبايعت (قيل هو من الجن) عند ابن هشام ونصه حتى أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بابيات من شعر غناء العرب وان الناس ليتبعونه يسمعون صوته وما يرونه حتى خرج من أعلا مكة وهو يقول الابيات وقوله (قالا) من القيلولة وهى نومة الضحي ويروى حلا أي نزلا ورواية البيت الثاني عند ابن هشام
هما نزلا بالبر ثم تروحا
…
فأفلح من أمسى رفيق محمد
(فيال قصي) يريد فيا آل قصى يعني بهم قريشا (ما زوى الله عنكم) زوي الشئ يزويه زيا وزويا فانزوي نحاه فتنحى يريد ما أبعد الله عنكم من الفخار الذي لا يجارى والسؤدد الذى لا يباري (سلوا اختكم) يريد بها أم معبد وقصة أم معبد أخرجها أصحاب المغازي جميعهم وهى احدى معجزاته صلى الله عليه وآله وسلم التى تناقلتها الرواة (الصريح) الخالص (والضرة) لحمة الضرع ورواه بعضهم بالصاد المهملة والاول اليق بالمعنى (العرج) بفتح العين المهملة واسكان الراء قال ياقوت قرية جامعة في واد من نواحي الطائف وهي أوّل