الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثمَّ عافاه اللَّهِ ورزقه، ورد إِلَى امْرَأَته شبابها وحسنها وَولدت لأيوب سِتَّة وَعشْرين ذكرا. ثمَّ أمره اللَّهِ أَن يَأْخُذ عرجونا من النّخل فِيهِ مائَة شِمْرَاخ فَيضْرب بِهِ زَوجته ليبر فِي يَمِينه، فَفعل. وَكَانَ أَيُّوب نَبيا فِي عهد يَعْقُوب فِي قَول بَعضهم، وَذكر أَن أَيُّوب عَاشَ ثَلَاثًا وَتِسْعين. وَمن ولد أَيُّوب ابْنه بشر بَعثه اللَّهِ بعد أَيُّوب وَسَماهُ ذَا الكفل، وَكَانَ مقَامه بِالشَّام.
(ذكر يُوسُف عليه السلام
وَولد ليعقوب يُوسُف وليعقوب إِحْدَى وَتسْعُونَ سنة، وفارقه وعمره ثَمَانِي عشر سنة، وافترقا إِحْدَى وَعشْرين سنة، واجتمعا بِمصْر وَعمر يَعْقُوب مائَة وَثَلَاثُونَ سنة، وبقيا مُجْتَمعين سبع عشرَة سنة، فعمر يُوسُف لما توفّي يَعْقُوب سِتّ وَخَمْسُونَ سنة، وعاش يُوسُف مائَة وَعشر سِنِين، فمولد يُوسُف لمضي مِائَتَيْنِ وَإِحْدَى وَخمسين من مولد إِبْرَاهِيم، ووفاته لمضي ثلثمِائة وَإِحْدَى وَسِتِّينَ من مولد إِبْرَاهِيم، وَتَكون وَفَاة يُوسُف قبل مولد مُوسَى بِأَرْبَع وَسِتِّينَ سنة محققا.
وحسدت يُوسُف إخْوَته لحسنه وَحب أَبِيه لَهُ، وألقوه فِي الْجب وَفِيه مَاء وصخرة فآوى إِلَيْهَا ثَلَاثَة أَيَّام، وَأخرجه السيارة من الْجب وأخذوه مَعَهم، وَجَاء أَخُوهُ يهوذا إِلَيْهِ بِطَعَام فَلم يجده، ثمَّ رَآهُ عِنْد السيارة، فَأخْبر يهوذا إخْوَته فأتوهم وَقَالُوا: هَذَا عَبدنَا أبق منا، وخافهم يُوسُف فَلم يذكر حَاله، فاشتروه من إخْوَته بِثمن بخس - قيل: عشرُون، وَقيل: أَرْبَعُونَ درهما - وذهبوا بِهِ إِلَى مصر فَبَاعَهُ استاذه من الْعَزِيز الَّذِي على خَزَائِن مصر، وَفرْعَوْن مصر حِينَئِذٍ الريان بن الْوَلِيد من العماليق من ولد عملاق بن سَام بن نوح.
وَلما اشْترى الْعَزِيز يُوسُف هويته امْرَأَته راعيل وراودته عَن نَفسهَا، فَأبى وهرب مِنْهَا، وَلَحِقتهُ من خَلفه وأمسكته بِقَمِيصِهِ فأنقد قَمِيصه، وَوصل أَمرهمَا إِلَى زَوجهَا الْعَزِيز وَابْن عَمها تينان، فَظهر لَهما بَرَاءَة يُوسُف وَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي راودته، ثمَّ مَا زَالَت تَشْكُو من يُوسُف إِلَى زَوجهَا وَتقول: أَنه يَقُول للنَّاس أَنِّي راودته عَن نَفسه، وَقد فضحني. حَتَّى حَبسه زَوجهَا سبع سِنِين، ثمَّ أخرجه فِرْعَوْن مصر بِسَبَب تَعْبِيره الرُّؤْيَا.
وَلما مَاتَ الْعَزِيز الَّذِي اشْترى يُوسُف جعل فِرْعَوْن يُوسُف مَوْضِعه على خزائنه كلهَا وَجعل الْقَضَاء إِلَيْهِ وَحكمه نَافِذا، ودعا يُوسُف فِرْعَوْن الريان الْمَذْكُور إِلَى الْإِيمَان، فَآمن. وَبَقِي كَذَلِك إِلَى أَن مَاتَ الريان.
وَملك مصر بعده قَابُوس بن مُصعب من العمالقة أَيْضا وَلم يُؤمن. وَتُوفِّي يُوسُف عليه السلام فِي ملكه بعد أَن وصل إِلَيْهِ أَبوهُ يَعْقُوب وَإِخْوَته جَمِيعهم من أَرض كنعان وَهِي الشَّام بِسَبَب الْمحل، وَاجْتمعَ شملهم سبع عشرَة سنة.
وَمَات يَعْقُوب وَأوصى إِلَى يُوسُف بدفنه مَعَ أَبِيه إِسْحَاق، فَسَار بِهِ وَدَفنه فِي الشَّام عِنْد أَبِيه، وَعَاد إِلَى مصر وَبهَا توفّي وَدفن؛ حَتَّى كَانَ من مُوسَى وَفرْعَوْن مَا كَانَ، فَلَمَّا سَار مُوسَى من مصر ببني إِسْرَائِيل إِلَى التيه نبش يُوسُف وَحمله مَعَه فِي التيه حَتَّى مَاتَ مُوسَى.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
.
فَلَمَّا قدم يُوشَع ببني إِسْرَائِيل إِلَى الشَّام دَفنه بِالْقربِ من نابلس، وَقيل: عِنْد الْخَلِيل.
ثمَّ بعث اللَّهِ شعيبا عليه السلام إِلَى أَصْحَاب الأيكة وَأهل مَدين، قيل: شُعَيْب من ولد إِبْرَاهِيم، وَقيل: من ولد من آمن بإبراهيم. والأيكة: شجر ملتف، فَلم يُؤمنُوا، فأهلكوا بسحابة أمْطرت نَارا يَوْم الظلة، وَأهْلك أهل مَدين بالزلزلة.
ثمَّ أرسل اللَّهِ مُوسَى بن عمرَان بن قاهاث بن لاوى بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم نَبيا بشريعة بني إِسْرَائِيل، وَلما ولد كَانَ فِرْعَوْن مصر الْوَلِيد قد أَمر بقتل الْأَطْفَال، فخافت عَلَيْهِ أمه، وَألقى اللَّهِ تَعَالَى فِي قبلهَا أَن تلقيه فِي النّيل، فَجَعَلته فِي تَابُوت وألقته، والتقطته آسِيَة امْرَأَة فِرْعَوْن وربته وَكبر.
فَبينا هُوَ يمشي فِي بعض الْأَيَّام إِذْ وجد إِسْرَائِيلِيًّا وقبطيا يختصمان، فَوَكَزَ القبطي فَقضى عَلَيْهِ. ثمَّ اشْتهر ذَلِك، وَخَافَ من فِرْعَوْن فهرب نَحْو مَدين واتصل بشعيب وزوجه ابْنَته صفورة، وَأقَام يرْعَى غنم شُعَيْب عشر سِنِين.
ثمَّ سَار مُوسَى بأَهْله فِي زمن الشتَاء، وَأَخْطَأ الطَّرِيق وَامْرَأَته حَامِل، فَأَخذهَا الطلق فِي لَيْلَة شَاتِيَة، فَأخْرج زنده ليقدح فَلم تظهر لَهُ نَار وأعيا مِمَّا يقْدَح، فَقَالَ لأَهله: امكثوا {إِنِّي آنست نَارا لعَلي آتيكم مِنْهَا بِخَبَر أَو آتيكم بشهاب قبس لَعَلَّكُمْ تصطلون} . فَلَمَّا دنا مِنْهَا رأى نورا من السَّمَاء إِلَى شَجَرَة عَظِيمَة من العوسج وَقيل: من الْعنَّاب، فتحير مُوسَى وَخَافَ وَرجع، فنودى مِنْهَا، وَلما سمع الصَّوْت استأنس وَعَاد. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودي من جَانب الْوَادي الْأَيْمن من الشَّجَرَة: يَا مُوسَى إِنِّي أَنا اللَّهِ رب الْعَالمين. وَلما رأى تِلْكَ الهيبة علم أَنه ربه فخفق قلبه وكل لِسَانه وضعفت منته، ثمَّ شدّ اللَّهِ قلبه، وَلما عَاد عقله نُودي:{فاخلع نعليك إِنَّك بالواد الْمُقَدّس} . وَجعل اللَّهِ عَصَاهُ وَيَده آيَتَيْنِ.
ثمَّ أقبل إِلَى أَهله وَسَار بهم نَحْو مصر حَتَّى أَتَاهُم لَيْلًا، وَاجْتمعَ بِهِ هَارُون وَسَأَلَهُ من أَنْت؟ فَقَالَ: أَنا مُوسَى، فتعارفا واعتنقا. ثمَّ قَالَ مُوسَى: يَا هَارُون أَن اللَّهِ تَعَالَى أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن فَانْطَلق معي إِلَيْهِ. فَقَالَ: سمعا وَطَاعَة. فَانْطَلقَا إِلَيْهِ، وَأرَاهُ مُوسَى عَصَاهُ ثعبانا فاغرا فَاه.
قلت: قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْكَشَّاف: كَانَ ثعبانا ذكرا أشعر فاغرا فَاه بَين لحييْهِ ثَمَانُون ذِرَاعا، وضع لحيه الْأَسْفَل على الأَرْض ولحيه الْأَعْلَى على سور الْقصر ثمَّ توجه نَحْو فِرْعَوْن ليأخذه، فَوَثَبَ فِرْعَوْن من سَرِيره وهرب وأحدث وَلم يكن أحدث قبل ذَلِك، وَحمل على النَّاس فانهمزموا وَمَات مِنْهُم خَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا فَقتل بَعضهم بَعْضًا، وَدخل فِرْعَوْن الْبَيْت وَصَاح: يَا مُوسَى خُذْهُ وَأَنا أُؤْمِن بك وَأرْسل مَعَك بني إِسْرَائِيل، فَأَخذه مُوسَى، فَعَاد عَصا وَالله أعلم. ثمَّ أَدخل يَده فِي جيبه، وأخرجها وَهِي بَيْضَاء لَهَا نور تكل مِنْهُ الْأَبْصَار، فَلم يسْتَطع فِرْعَوْن النّظر إِلَيْهَا، ثمَّ ردهَا إِلَى جيبه، وأخرجها فَإِذا هِيَ على لَوْنهَا الأول.
ثمَّ أحضر لَهما فِرْعَوْن السَّحَرَة وَعمِلُوا الْحَيَّات، وَألقى مُوسَى عَصَاهُ فتلقفت ذَلِك وآمن بِهِ السَّحَرَة، فَقَتلهُمْ فِرْعَوْن عَن آخِرهم.
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
.
ثمَّ أَرَاهُم الْآيَات من الْقمل والضفادع وصيروة المَاء دَمًا، فَلم يُؤمن فِرْعَوْن وَلَا أَصْحَابه. وَآخر الْحَال أطلق فِرْعَوْن لبني إِسْرَائِيل مَعَ مُوسَى، ثمَّ نَدم فلحقهم بعسكره عِنْد بَحر القلزم، فَضرب مُوسَى بعصاه الْبَحْر، فانشق وَدخل فِيهِ هُوَ وَبَنُو إِسْرَائِيل، وتبعهم فِرْعَوْن وَجُنُوده، فانطبق الْبَحْر على فِرْعَوْن وَجُنُوده وغرقوا عَن آخِرهم.
وَمن معجزات مُوسَى قصَّته مَعَ قَارون ابْن عَم مُوسَى، رزقه الله مَالا عَظِيما قيل: إِن مَفَاتِيح خزائنه كَانَت حمل أَرْبَعِينَ بغلا، وَبنى دَارا صفحها بِالذَّهَب وأبوابها ذهب، فتكبر قَارون بِمَالِه على مُوسَى، وَاتفقَ مَعَ بني إِسْرَائِيل عَن الْخُرُوج عَن طَاعَته وَجعل لبغي - أَي قحبة - جعلا على أَن تقذف مُوسَى بِنَفسِهَا، ثمَّ أَتَى مُوسَى وَقَالَ: إِن قَوْمك قد اجْتَمعُوا، فَخرج إِلَيْهِم مُوسَى وَقَالَ: من سرق قطعناه، وَمن افترى جلدناه، وَمن زنى رجمناه، فَقَالَ لَهُ قَارون: وَإِن كنت أَنْت؟ قَالَ مُوسَى: نعم، وَإِن كنت أَنا. قَالَ: فَإِن بني إِسْرَائِيل يَزْعمُونَ أَنَّك فجرت بفلانة، قَالَ مُوسَى: فادعوها، فَإِن قَالَت فَهُوَ كَمَا قَالَت. فَلَمَّا جَاءَت قَالَ لَهَا مُوسَى: أَقْسَمت عَلَيْك بِالَّذِي أنزل التَّوْرَاة إِلَّا صدقت {أَنا فعلت بك مَا يَقُول هَؤُلَاءِ؟ قَالَت: لَا كذبُوا، وَلَكِن جعلُوا لي جعلا على أَن أقذفك؛ فَأُوحي اللَّهِ إِلَى مُوسَى: مر الأَرْض بِمَا شِئْت تطعك، فَقَالَ: يَا أَرض خُذِيهِمْ، فَجعل قَارون يَقُول: يَا مُوسَى ارْحَمْنِي، ومُوسَى يَقُول: يَا أَرض خُذِيهِمْ، فابتلعتهم الأَرْض، ثمَّ خسف بهم وبدار قَارون.
وَلما هلك فِرْعَوْن وحنوده قصد مُوسَى الْمسير ببني إِسْرَائِيل إِلَى مَدِينَة الجبارين - أرِيحَا - فَقَالَ بَنو إِسْرَائِيل: (يَا مُوسَى إِن فِيهَا قوما جبارين. وَإِنَّا لن ندْخلهَا حَتَّى يخرجُوا مِنْهَا {فَاذْهَبْ أَنْت وَرَبك فَقَاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} . فَغَضب مُوسَى ودعا عَلَيْهِم فَقَالَ: {رب إِنِّي لَا أملك إِلَّا نَفسِي وَأخي فافرق بَيْننَا وَبَين الْقَوْم الْفَاسِقين} . فَقَالَ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنَّهَا مُحرمَة عَلَيْهِم أَرْبَعِينَ سنة يتيهون فِي الأَرْض} . فبقوا فِي التيه، وَأنزل اللَّهِ عَلَيْهِم الْمَنّ والسلوى.
ثمَّ أوحى إِلَى مُوسَى: إِنِّي متوف هَارُون، فأت بِهِ إِلَى جبل كَذَا. فَانْطَلقَا نَحوه، فَإِذا هما بسرير فَنَامَا عَلَيْهِ، وَأخذ هَارُون الْمَوْت وَرفع إِلَى السَّمَاء، وَرجع مُوسَى إِلَى بني إِسْرَائِيل فَقَالُوا لَهُ: أَنْت قتلت هَارُون لحبنا إِيَّاه، فَقَالَ: وَيحكم أفتروني أقتل أخي} فَلَمَّا أَكْثرُوا عَلَيْهِ سَأَلَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأنْزل السرير وَعَلِيهِ هَارُون، وَقَالَ لَهُم: إِنِّي مت وَلم يقتلني مُوسَى.
ثمَّ توفّي مُوسَى، وَاخْتلف فِي صُورَة وَفَاته، قيل: كَانَ هُوَ ويوشع يمشيان فظهرت غمامة سَوْدَاء فخافها يُوشَع واعتنق مُوسَى، فأنسل مُوسَى من قماشه، وَبَقِي يُوشَع معتنق الثِّيَاب، وَعدم مُوسَى، وأتى يُوشَع بالقماش إِلَى بني إِسْرَائِيل فَقَالُوا: أَنْت قتلت مُوسَى ووكلوا بِهِ، فَسَأَلَ اللَّهِ أَن يبين بَرَاءَته فَرَأى كل رجل كَانَ موكلا على يُوشَع فِي مَنَامه أَن يُوشَع لم يقتل مُوسَى فَإنَّا رفعناه إِلَيْنَا، فَتَرَكُوهُ. وَقيل: بل تنبأ يُوشَع وأوحي إِلَيْهِ، وَبَقِي
…
...
…
...
…
...
…
...
…
...
…
.