الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سنة، وَقَامَ بتدبير ملكه أرجوان الْخصي الْأَبْيَض خَادِم أَبِيه فضبطه إِلَى أَن كبر الْحَاكِم فَقتل أرجوان.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو ذواد بن الْمسيب أَمِير الْموصل، ووليها أَخُوهُ الْمُقَلّد.
وفيهَا: توفّي مَنْصُور بن يُوسُف بلكين بن زيزي الصنهاجي أَمِير إفريقية وَكَانَ ملكا كَرِيمًا شجاعا، ووليها ابْنه باديس.
وفيهَا: توفّي أَبُو طَالب مُحَمَّد بن عَليّ بن عَطِيَّة الْمَكِّيّ صَاحب قوت الْقُلُوب صنفه وقوته إِذْ ذَاك عروق البردي، صَالح مُجْتَهد فِي الْعِبَادَة من أهل الْجبَال وَسكن مَكَّة فنسب إِلَيْهَا وَنسب إِلَيْهِ تَخْلِيط قبل مَوته وَمَات بِبَغْدَاد.
(ابْتِدَاء دولة بني حَمَّاد مُلُوك بجاية)
ثمَّ دخلت سنة سبع وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا ابْتِدَاء دولة بني حَمَّاد فِي بجاية فَإِن باديس بن مَنْصُور بن بلكين صَاحب إفريقية عقد فِي صفر مِنْهَا الْولَايَة لِعَمِّهِ حَمَّاد بن بلكين على أُشير فاتسعت ولَايَة حَمَّاد وَعظم وَجمع العساكر وَالْأَمْوَال.
وَفِي سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة أظهر الْخلاف على ابْن أَخِيه باديس وخلعه واقتتلا فِي أول جُمَادَى سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة فَانْهَزَمَ حَمَّاد هزيمَة شنيعة بعد قتال شَدِيد بَين الْفَرِيقَيْنِ والتجأ إِلَى قلعة مغلية، ثمَّ نهب دكمه وَنقل مِنْهَا الزَّاد إِلَى مغيلة وتحصن بهَا وباديس بِقُرْبِهِ محاصر لَهُ إِلَى أَن توفّي باديس فَجْأَة نصف لَيْلَة الْأَرْبَعَاء آخر ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَأَرْبَعمِائَة.
وَتَوَلَّى الْمعز بن باديس، وَاسْتمرّ حَمَّاد على الْخلف مَعَه حَتَّى اقتتلا فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعمِائَة عِنْد نيني مَوضِع، فَانْهَزَمَ حَمَّاد شنيعا فَلم يعد حَمَّاد إِلَى قتال بعْدهَا واصطلح مَعَ الْمعز على أَن يقْتَصر حَمَّاد على مَا بِيَدِهِ وَهُوَ عمل ابْن عَليّ وَمَا وَرَاءه من أُشير وتاهرت، وَاسْتقر للقائد ابْن حَمَّاد المسيلة وطبنة ومرسى الدَّجَاج وزواوة ومقرة ودكمة وَغَيرهَا، وَبَقِي حَمَّاد وَابْنه كَذَلِك حَتَّى مَاتَ حَمَّاد منتصف سنة تسع عشرَة وَأَرْبَعمِائَة.
وَاسْتقر فِي الْملك بعده ابْنه الْقَائِد حَتَّى توفّي سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة.
فَملك بعده ابْنه محسن بن الْقَائِد فأساء وخبط وَقتل فِي أَعْمَامه، فقاتله ابْن عَمه بلكين وَملك مَوْضِعه فِي ربيع الأول سنة سبع وَأَرْبَعين وَأَرْبَعمِائَة وَبَقِي حَتَّى غدر ببلكين الْمَذْكُور النَّاصِر بن علناس بن حَمَّاد وَأخذ مِنْهُ الْملك فِي رَجَب سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة.
وَاسْتقر النَّاصِر بن علناس حَتَّى توفّي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
وَملك بعده ابْنه الْمَنْصُور بن النَّاصِر إِلَى أَن توفّي سنة ثَمَان وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة.
وَملك بعده ابْنه باديس بن الْمَنْصُور يَسِيرا وَتُوفِّي.
وَملك بعده أَخُوهُ الْعَزِيز بِاللَّه بن الْمَنْصُور إِلَى أَن توفّي.
وَملك بعده ابْنه يحيى بن الْعَزِيز إِلَى أَن سَار عبد الْمُؤمن من الْمغرب الْأَقْصَى وَملك بجاية.
قَالَ ابْن الْأَثِير: وَكَانَ ذَلِك فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، وَآخر من ملك مِنْهُم يحيى بن الْعَزِيز بن الْمَنْصُور بن النَّاصِر بن علناس بن حَمَّاد بن بلكين وانقرضت دولتهم فِي السّنة الْمَذْكُورَة، وجمعناه ليسهل.
وفيهَا: مَاتَ الرضى الْأَمِير نوح بن مَنْصُور بن نوح بن نصر بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن أَسد بن سامان فِي رَجَب واختل ملكهم بِمَوْتِهِ، وَقَامَ بعده ابْنه أَبُو الْحَارِث مَنْصُور.
وفيهَا: مَاتَ سبكتكين فِي شعْبَان وَلما طَال مَرضه انْتقل من بَلخ إِلَى غزنة فَمَاتَ فِي الطَّرِيق فَنقل وَدفن بغزنة وَمُدَّة ملكه عشرُون سنة وَكَانَ خيرا عادلا وعهد إِلَى ابْنه إِسْمَاعِيل وَكَانَ مَحْمُودًا أكبر مِنْهُ فقاتله بعد سَبْعَة أشهر، فَانْهَزَمَ إِسْمَاعِيل وانحصر فِي قلعة غزنة فأنزله مَحْمُود بالأمان وَأحسن إِلَيْهِ.
وفيهَا: توفّي فَخر الدولة أَبُو الْحسن عَليّ بن ركن الدولة أبي عَليّ الْحسن بن بويه بقلعة طبرك فِي شعْبَان، وملكوا بعده ابْنه مجد الدولة أَبَا طَالب رستم وعمره أَربع سِنِين ووالدته تدبر الْملك.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْوَفَاء مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن المهندس الحاسب البوزجاني ومولده فِي رَمَضَان سنة ثَمَان وَعشْرين وثلثمائة ببوزجان بَلْدَة بَين هراة ونيسابور قدم الْعرَاق.
وفيهَا: توفّي الْحسن بن إِبْرَاهِيم بن الْحسن من ولد سُلَيْمَان بن زولاق مصري الأَصْل لَهُ فِي التَّارِيخ مصنفات وَله كتاب خطط مصر وَكتاب قُضَاة مصر.
وفيهَا: توفّي أَبُو احْمَد الْحسن بن عبد اللَّهِ بن سعيد العسكري تصانيفه كَثِيرَة فِي اللُّغَة والأمثال وَغَيرهمَا، من عَسْكَر مكرم مَدِينَة من كور الأهواز، ومولده فِي شَوَّال سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ، وَأخذ عَن ابْن دُرَيْد وَله أَيْضا كتاب فِي الْمنطق وَكتاب الزواجر وَكتاب الْمُخْتَلف والمؤتلف وَكتاب الحكم والأمثال.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا فِي ذِي الْحجَّة قتل صمصام الدولة قَتله أَبُو كاليجار الْمَرْزُبَان بن عضد الدولة بن بويه لشغب الديلم عَلَيْهِ، وَعمر صمصام الدولة خمس وَثَلَاثُونَ سنة وَسَبْعَة أشهر وولايته بِفَارِس تسع سِنِين وَثَمَانِية أَيَّام، وَفِي تارخ ابْن أبي الدَّم أَن صمصام الدولة لما خرج من الاعتقال وَملك فِي سنة ثَمَانِينَ وثلثمائة كَانَ أعمى من حِين سمل وَاسْتمرّ حَتَّى قتل فِي هَذِه السّنة وَهُوَ أعمى.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن الْحسن بن المظفر الْحَاتِمِي إِمَام الْأَدَب واللغة وَله الرسَالَة الحاتمية فِي المتنبي، وَنسب إِلَى جده حَاتِم.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا اتّفق أَعْيَان الْعَسْكَر مَعَ بكتورون وفائق وخلعوا مَنْصُور بن نوح وسمله بكتورون فأعماه وَلم يراقب اللَّهِ فِيهِ وَلَا إِحْسَان موَالِيه
وَأَقَامُوا أَخَاهُ عبد الْملك صَغِيرا، وَمُدَّة ملك مَنْصُور سنة وَسَبْعَة أشهر، وَكتب مَحْمُود بن سبكتكين يلوم بكتورون وفائقا، وقاتلهما أَشد قتال فانهمزما وتبعهما مَحْمُود يقتل فِي عَسْكَرهمْ حَتَّى أبعد، وَاسْتولى مَحْمُود على ملك خُرَاسَان وَقطع مِنْهَا خطْبَة السامانية.
وفيهَا: انقرضت دولة السامانية، فَإِن مَحْمُود بن سبكبكين لما ملك خُرَاسَان وَقطع خطبتهم اتّفق ببخارا بكتورون وفائق مَعَ عبد الْملك بن نوح وشرعوا يجمعُونَ العساكر فاتفق موت فائق وَكَانَ هُوَ الْمشَار إِلَيْهِ فضعفت بؤوسهم بِمَوْتِهِ وَبلغ ذَلِك أيلك خَان فَسَار فِي جمع من الأتراك إِلَى بخارا وَأظْهر الْمَوَدَّة وَالْحمية لعبد الْملك فظنوه صَادِقا، وَخرج إِلَيْهِ بكتورون وَغَيره فَقبض عَلَيْهِم وَسَار حَتَّى دخل بخارا عَاشر ذِي الْقعدَة مِنْهَا، ثمَّ قبض على عبد الْملك بن نوح وحبسه حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْس وَحبس مَعَه أَخَاهُ منصورا الَّذِي سلموه وَبَاقِي بني سامان، وانقرضت دولتهم بعد مَا انتشرت وطبقت كثيرا من الأَرْض وَكَانَت من أحسن الدول سيرة وعدلا فسبحان من لَا يَزُول ملكه، وَابْتِدَاء ولايتهم سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ، وانقراضها فِي هَذِه السّنة.
ثمَّ دخلت سنة تسعين وثلثمائة: فِيهَا وَقيل سنة خمس وَسبعين وثلثمائة توفّي أَبُو الْحُسَيْن أَحْمد بن فَارس بن زَكَرِيَّا اللّغَوِيّ إِمَام فِي عُلُوم شَتَّى وَله الْمُجْمل فِي اللُّغَة وَوضع الْمسَائِل الْفِقْهِيَّة وَهِي مائَة فِي المقامة الطيبية، وَكَانَ بهمذان وَعَلِيهِ اشْتغل البديع الهمذاني.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا قتل حسام الدولة الْمُقَلّد بن الْمسيب بن رَافع بن الْمُقَلّد بن جَعْفَر بن عمر بن مهنا من ولد ربيعَة بن عَامر بن صعصعة بن مُعَاوِيَة بن بكر بن هوزان الْعقيلِيّ وَكَانَ الْمُقَلّد أَعور، وَأَخُوهُ أَبُو ذواد مُحَمَّد هُوَ أول من استولى مِنْهُم على الْموصل وملكها فِي سنة ثَمَانِينَ وثلثمائة حَسْبَمَا تقدم، ثمَّ ملكهَا بعده أَخُوهُ الْمُقَلّد الْمَذْكُور سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَاسْتمرّ حَتَّى قَتله هَذِه السّنة مماليكه الأتراك بالأنبار وَقد كَانَ عظم شَأْنه، وَقَامَ بعده ابْنه قرواش.
وفيهَا: توفّي أَبُو عبد اللَّهِ الْحُسَيْن بن الْحجَّاج الشَّاعِر بطرِيق النّيل وَنقل إِلَى بَغْدَاد مجوني خليع تولى حسبَة بَغْدَاد مُدَّة، وَهُوَ من كبار الشِّيعَة وَأوصى أَن يدْفن عِنْد مشْهد مُوسَى بن جَعْفَر وَأَن يكْتب على قَبره:" وكلبهم باسط ذِرَاعَيْهِ بالوصيد ". والنيل: بَلْدَة بَين بَغْدَاد والكوفة حفر نهرها الْحجَّاج الثَّقَفِيّ ومخرجه من الْفُرَات وَسَماهُ النّيل:
قلت: وَمِمَّا رثاه بِهِ الشريف الرضي:
(نعوه على حسن ظَنِّي بِهِ
…
فَللَّه مَاذَا نعى الناعيان)
(رَضِيع وَلَاء لَهُ شُعْبَة
…
من الْقلب مثل رَضِيع اللبان)
(وَمَا كنت أَحسب أَن الزَّمَان
…
يفل مضَارب ذَاك اللِّسَان)
(بكيتك للشرد السائرات
…
تعْتق ألفاظها بالمعان)
(ليبك الزَّمَان طَويلا عَلَيْك
…
فقد كنت خفَّة روح الزَّمَان)
وَبعد مَوته رَآهُ بعض أَصْحَابه فَسَأَلَهُ عَن حَاله فأنشده:
(أفسد سوء مذهبي
…
فِي الشّعْر حسن مذهبي)
(لم يرض مولَايَ عَليّ
…
سبي لأَصْحَاب النَّبِي)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا غزا السُّلْطَان مَحْمُود بن سبكتكين بِلَاد الْهِنْد فغنم وسبى وَأسر، وَعَاد إِلَى غزنة سالما.
وفيهَا: اقتتتل قرواش الْمُقَلّد وعسكر بهاء الدولة، فانتصر قرواش ثمَّ انْكَسَرَ.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن جَعْفَر الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن الدقاق صَاحب الْأُصُول.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا ملك يَمِين الدولة السُّلْطَان مَحْمُود بن سبكتكين سجستان من صَاحبهَا خلف بن أَحْمد، وَبَقِي خلف فِي الجوزجان بعد ذَلِك أَربع سِنِين ثمَّ نَقله يَمِين الدولة إِلَى جردين واحتاط عَلَيْهِ هُنَاكَ حَتَّى مَاتَ سنة تسع وَتِسْعين، كَانَ خلف مَشْهُورا بِطَلَب الْعلم وَله تَفْسِير من أكبر الْكتب.
وفيهَا: توفّي الْمَنْصُور أَبُو عَامر مُحَمَّد أَمِير الأندلس وَكَانَ قد أَكثر الضَّبْط والغزوات حَسْبَمَا تقدم وَلم يكن للمؤيد خَليفَة الأندلس مَعَه من الْأَمر شَيْء، وَتَوَلَّى بعده ابْنه مَرْوَان عبد الْملك وتلقب بالمظفر وساس وغزا سبع سِنِين فوفاته سنة أَرْبَعمِائَة، وَقَامَ بعد المظفر أَخُوهُ عبد الرَّحْمَن بن الْمَنْصُور بن أبي عَامر الْمَذْكُور وتلقب بالناصر، فخلط واضطربت أُمُوره أَرْبَعَة أشهر فَخرج على الْمُؤَيد ابْن عَمه مُحَمَّد بن هِشَام كَمَا سَيَأْتِي، فَخلع هِشَام وَقتل عبد الرَّحْمَن وصلب.
وفيهَا: كثر بِبَغْدَاد المفسدون.
وفيهَا: اسْتعْمل الْحَاكِم على دمشق أَبَا مُحَمَّد الْأسود، وَلما اسْتَقر بِدِمَشْق شهر شخصا مغربيا ونادى عَلَيْهِ: هَذَا جَزَاء من يحب أَبَا بكر وَعمر، ثمَّ أخرجه من دمشق.
وفيهَا: توفّي بِبَغْدَاد أَبُو الْفَتْح بن عُثْمَان بن جني النَّحْوِيّ بالموصل مُصَنف اللمع والخصائص وسر الصِّنَاعَة وَغَيرهَا.
قلت: أَبوهُ جني مَمْلُوك رومي لِسُلَيْمَان بن فَهد بن أَحْمد الْأَزْدِيّ الْموصِلِي وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بقوله:
(فَإِن أصبح بِلَا نسب
…
فعلمي فِي الورى نسبي)
(على أَنِّي أؤول إِلَى
…
قروم سادة نجب)
(قياصرة إِذا نطقوا
…
أرم الدَّهْر ذُو الْخطب)
(أولاك دَعَا النَّبِي لَهُم
…
كفى شرفا دُعَاء نَبِي)
وَشرح ديوَان المتنبي وَكَانَ قد قَرَأَ الدِّيوَان على المتنبي، وَفِي شَرحه سَأَلَ شخص المتنبي عَن قَوْله:
(باد هَوَاك صبرت أَن لم تصبرا
…
)
وَكَانَ من حَقه لم تصبر، فَقَالَ المتنبي: لَو كَانَ أَبُو الْفَتْح هَا هُنَا لأجابك، يعنيني. وَهَذَا الْألف بدل نون التوكيد الْخَفِيفَة أَصْلهَا: لم تصبرن فقلبت للْوَقْف ألفا كَقَوْل الْأَعْشَى:
(وَلَا تعبد الشَّيْطَان وَالله فاعبدا
…
)
وَقيل: الْألف هُنَا للتثنية فقد يُخَاطب الْمُفْرد بذلك، فَالْأولى الاستشهاد على قلب النُّون ألفا بقول الشَّاعِر:
(فَمن يَك لم يثأر بأعراض قومه
…
فَإِنِّي وَرب الراقصات لأثأرا)
إِذْ يتَعَيَّن فِي هَذِه الْألف قَلبهَا عَن نون التوكيد الْخَفِيفَة وَلَا تكون للتثنية هُنَا أصلا. وَذكر ابْن الْمُهَذّب المعري فِي تَارِيخه: أَن ابْن جني توفّي فِي سنة تسعين وثلثمائة وَهُوَ أصح لقرب عَهده بذلك وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي القَاضِي بن عبد الْعَزِيز الْجِرْجَانِيّ بِالريِّ، إِمَام فَاضل ذُو فنون، والوليد بن بكر بن مخلد الأندلسي الْمَالِكِي فَقِيه مُحدث، وَأَبُو الْحسن مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ السلَامِي الشَّاعِر الْبَغْدَادِيّ وَله فِي عضد الدولة:
(فبشرت آمالي بِملك هُوَ الورى
…
وَدَار هِيَ الدُّنْيَا وَيَوْم هُوَ المعمر)
وَله فِي الدرْع:
(يَا رب سابغة حبتني نعْمَة
…
كافأتها بالسوء غير مُفند)
(أضحت تصون عَن المنايا مهجتي
…
وظللت أبذلها لكل مهند)
قلت: وَقد ذكرت بِهَذَا بَيْتَيْنِ لي فِي الدرْع وهما:
(زردية حلقاتها
…
ترنو إِلَيْنَا بالحدق)
(فتجل لابس سردها
…
عَن ذكر عنتر فِي الْخلق)
وَالله أعلم.
قلت: وفيهَا هدم لُؤْلُؤ الْكَبِير السيفي مُدبر دولة أبي الْفَضَائِل سعيد بن سعد الدولة أبي الْمَعَالِي شرِيف بن سيف الدولة بن حمدَان حصن كفر روما وحصن عَار وحصن أروح خشيَة أَن يقْصد فِيهَا، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا استولى أَبُو الْعَبَّاس بن وَاصل على البطيحة، وَهُوَ رجل تنقل فِي خدم النَّاس ثمَّ خدم مهذب الدولة صَاحب البطيحة فَتقدم عِنْده حَتَّى جهز مَعَه جَيْشًا، فاستولى على الْبَصْرَة وسيراف وغنم أَمْوَالًا وقويت نَفسه وخلع طَاعَة مخدومه مهذب الدولة، ثمَّ قَصده وهزمه عَن البطيحة وَاسْتولى على بِلَاد مهذب الدولة على عظمها وَنهب مَال مهذب الدولة، وَقصد مهذب الدولة بَغْدَاد فَمَا مكن من دُخُولهَا، وَهَذَا خلاف مَا اعْتَمدهُ مهذب الدولة مَعَ الْقَادِر لما هرب إِلَيْهِ فَإِن مهذب الدولة بَالغ فِي إكرام الْقَادِر.
وفيهَا: قلد بهاء الدولة الشريف أَبَا أَحْمد الموسري وَالِد الرضي نقابة العلويين بالعراق والمظالم وَقَضَاء الْقُضَاة وَكتب عَهده بذلك من شيراز ولقبه ذَا المناقب فَامْتنعَ الْخَلِيفَة من تَقْلِيده قَضَاء الْقُضَاة وأمضى مَا سواهُ.
قلت: قد تقدم فِي مَوَاضِع من هَذَا الْكتاب مَا يدل على أَن بني بويه كَانُوا من المتوغلين فِي التَّشَيُّع، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا خرج أهل البطيحة عَن طَاعَة النَّائِب الَّذِي استنابه ابْن وَاصل بهَا وَسَار هُوَ نَحْو الْبَصْرَة، فَأرْسل عميد الجيوش وَهُوَ أَمِير الْعرَاق من جِهَة بهاء الدولة عسكرا فِي السفن مَعَ مهذب الدولة إِلَى البطيحة فسر أهل الْبِلَاد بِهِ وتسلم ولايتها من جِهَة بهاء الدولة ليحمل لَهُ كل سنة خمسين ألف دِينَار واشتغل عَنهُ ابْن وَاصل بِحَرب غَيره.
وفيهَا: فتح السُّلْطَان مَحْمُود بن سبكتكين مَدِينَة بهاطبة من الْهِنْد وَهِي حَصِينَة عالية السُّور وَرَاء المولتان.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا فتح السُّلْطَان مَحْمُود المولتان وهرب مِنْهُ بيدا ملك الْهِنْد إِلَى القلعة كالنجار، فحصره حَتَّى صَالحه على مَاله وألبس ملك الْهِنْد خلعته وَشد منطقته على كره.
وفيهَا: قلد الشريف الرضي نقابة الطالبين ولقب بالرضي وَأَخُوهُ بالمرتضى فعل ذَلِك بهاء الدولة.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن مُحَمَّد بن يحيى بن مندة الْأَصْفَهَانِي صَاحب التصانيف.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا: اقتتل بهاء الدولة وَأَبُو الْعَبَّاس بن وَاصل، فَانْهَزَمَ ابْن واصلب وَأسر وَحمل إِلَيْهِ فَأمر بقتْله قبل وُصُوله إِلَيْهِ وطيف بِرَأْسِهِ بخوزستان، وَقَتله بِوَاسِطَة فِي صفر.
وفيهَا: خرج على الْحَاكِم أموي من ولد هِشَام بن عبد الْملك يُسمى أَبَا ركوة يحمل
ركوة على كتفه وَأمر بِالْمَعْرُوفِ، فَكثر جمعه وَملك برقه وَهزمَ جَيْشًا جهزه إِلَيْهِ الْحَاكِم وغنم مِنْهُ وتقوى وَاسْتولى على الصَّعِيد، فأحضر الْحَاكِم عَسَاكِر الشَّام واستخدم عَسَاكِر وأرسلهم مَعَ أبي الْفضل بن عبد اللَّهِ إِلَى أبي ركوة فتقاتلوا عَظِيما، ثمَّ انْكَسَرَ أَبُو ركوة وَأسر فَقتله الْحَاكِم وصلبه وطيف بِهِ.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَتِسْعين وثلثمائة: فِيهَا سَار السُّلْطَان مَحْمُود فأوغل فِي الْهِنْد وغزا وَفتح.
وفيهَا: اسْتعْملت وَالِدَة مجد الدولة بن فَخر الدولة وَكَانَ إِلَيْهَا الحكم أَبَا جَعْفَر بن شهريار الْمَعْرُوف بِابْن كاكويه على أصفهان فَعظم شَأْنه، كَانَ ابْن خَال هَذِه الْمَرْأَة، وكاكويه هُوَ الْخَال بِالْفَارِسِيَّةِ.
وفيهَا: توفّي عبد الْوَاحِد بن نصر بن مُحَمَّد الببغا الشَّاعِر.
قلت: وَمن شعره:
(يَا سادتي هَذِه روحي تودعكم
…
إِذْ كَانَ لَا الصَّبْر بثنيها وَلَا الْجزع)
(قد كنت أطمع فِي روح الْحَيَاة لَهَا
…
فَالْآن إِذْ بنتم لم يبْق لي طمع)
(لَا عذب اللَّهِ اللَّهِ روحي بِالْبَقَاءِ فَمَا
…
أظنها بعدكم بالعيش تنْتَفع)
وَله:
(وكأنما نقشت حوافر خيله
…
للناظرين أهلة فِي الجلمد)
(وَكَأن طرف الشَّمْس مطروف وَقد
…
جعل الْغُبَار لَهُ مَكَان الإثمد)
وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي البديع أَبُو الْفضل أَحْمد بن الْحُسَيْن الهمذاني صَاحب المقامات وعَلى منوالها نسج الحريري.
قلت: وهيهات، فقد وَقع للبديع مَا لم يصل الحريري إِلَى غباره، غير أَن مقامات الحريري مجموعها أحسن فللبديع مُفْرَدَات لَا تلْحق وَقد اعْترف الحريري فِي خطبَته بفضله، وروى عَن ابْن فَارس وَسكن هراة، وَمن نثره: المَاء إِذا طَال مكثه ظهر خبثه، وَإِذا سكن مَتنه تحرّك نَتنه، وَكَذَلِكَ الصَّيف يسمج لقاؤه إِذا طَال ثواؤه، ويثقل ظله إِذا انْتهى مَحَله.
وَله من تَعْزِيَة: الْمَوْت خطب قد عظم حَتَّى هان، وَمَسّ قد خشن حَتَّى لَان، وَالدُّنْيَا قد تنكرت حَتَّى صَار الْمَوْت أخف خطوبها، وجنت حَتَّى صَار أَصْغَر ذنوبها، فَلْتنْظرْ يمنة هَل ترى إِلَّا محنة، ثمَّ أنظر يسرة هَل ترى إِلَّا حسرة.
وَمن كَلَامه: إِن أَبَا الْحسن لَو أوحشني مَا استوحشت، وَلَو استوحشت لأوحشت، وَلَو أوحشت لأفحشت، وَمن وطىء الْعَقْرَب أوجعته، وَمن قرص الْحَيَّة لسعته، وَإِذا قَالَت