الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(أَخْبَار الْقَادِر بِاللَّه)
وبويع الْقَادِر بِاللَّه أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن الْأمين إِسْحَاق بن المقتدر بن المعتضد وَهُوَ خَامِس عشرهم بالخلافة وخطب لَهُ ثَالِث عشر رَمَضَان، وَلما خلع الْمُطِيع كَانَ قَادر بالبطيحة كَمَا تقدم فَأرْسل إِلَيْهِ بهاء الدولة خَواص أَصْحَابه ليحضره وَخرج بهاء الدولة والأعيان لملتقاه وَدخل دَار الْخلَافَة ثَانِي عشر رَمَضَان وَلما توجه من البطيحة من عِنْد ممهد الدولة حمل إِلَيْهِ مهذب الدولة أَمْوَالًا كَثِيرَة.
وفيهَا: سَار بكجور الْمخْرج من دمشق إِلَى الرقة كَمَا ذكرنَا إِلَى قتال سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب واقتتلا شَدِيدا وهرب بكجور وَأَصْحَابه ثمَّ أسر بكجور وَحمل إِلَى سعد الدولة فَقتله وَلَقي بكجور عَاقِبَة بغية على مَوْلَاهُ، ثمَّ سَار سعد الدولة إِلَى الرقة وَبهَا أَوْلَاد بكجور وأمواله فحصرها، فاستأمنوا فَأَمنَهُمْ وَحلف أَن لَا يتَعَرَّض إِلَيْهِم وَلَا إِلَى مَالهم، وسلموا إِلَيْهِ الرقة فغدر بهم وَقبض على أَوْلَاد بكجور وَأخذ مَالهم الْكثير.
وَعَاد سعد الدولة إِلَى حلب فَلحقه فالج فِي جَانِبه الْيَمين، فأحضر الطَّبِيب وَمد إِلَيْهِ يَده الْيُسْرَى فَقَالَ الطَّبِيب: يَا مَوْلَانَا هَات الْيُمْنَى، فَقَالَ سعد الدولة: مَا تركت لي الْيَمين يَمِينا، وَمَات بعد ثَلَاثَة أَيَّام فِي هَذِه السّنة وعهد إِلَى وَلَده أبي الْفضل وَجعل مَوْلَاهُ لُؤْلُؤ يدبر أمره.
وفيهَا: نَازل بسيل ملك الرّوم حمص فَفَتحهَا ونهبها، ثمَّ نهب شيزر، ثمَّ حصر طرابلس مُدَّة وَعَاد إِلَى الرّوم.
وفيهَا: توفّي الْقَائِد جَوْهَر معزولا عَن وظيفته.
قلت: وفيهَا جَاءَت زَلْزَلَة عَظِيمَة بِدِمَشْق هدمت دورا كَثِيرَة على أَهلهَا وَسَقَطت قَرْيَة دومة وَهلك جَمِيع أَهلهَا فِيمَا ذكر وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ ثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا شغب الْجند على بهاء الدولة بِسَبَب اسْتِيلَاء أبي الْحسن بن الْمعلم على الْأُمُور، فَسلم ابْن الْمعلم للجند فَقَتَلُوهُ.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث ثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا استولى بغراخان على بخارا وَكَانَ لَهُ كاشغر وبلاد صاغون إِلَى حد الصين، فقصد بخارا وَجرى بَينه وَبَين الْأَمِير الرضى نوح بن مَنْصُور الساماني حروب انتصر فِيهَا بغراجان وَخرج نوح مستخفيا فَعبر النَّهر إِلَى أمل الشط وَأقَام نوح بهَا وَلحق بِهِ أَصْحَابه، وَصَارَ يَسْتَدْعِي أَبَا عَليّ بن سيمجور صَاحب جَيش خُرَاسَان فَلم يَأْته وَعصى عَلَيْهِ، وَمرض بغراجان فِي بخارا فَرجع إِلَى بِلَاده فَمَاتَ فِي الطَّرِيق، وَكَانَ دينا حسن السِّيرَة وبادر الْأَمِير نوح إِلَى بخارا وَاسْتقر فِي ملك آبَائِهِ.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا اتّفق أَبُو عَليّ بن سيمجور صَاحب جَيش خُرَاسَان وفائق على حَرْب نوح، فَكتب نوح إِلَى سبكتكين وَهُوَ بغزنة يُعلمهُ بِالْحَال وولاه
خُرَاسَان، فَسَار سبكتكتين عَن غزنة وَمَعَهُ ابْنه مَحْمُود إِلَى نَحْو خُرَاسَان وَسَار نوح من بخارا فَاجْتمعُوا وقصدوا ابْن سيجمور وفائقا واقتتلوا بنواحي هراة، فَانْهَزَمَ ابْن سيجمور وَأَصْحَابه وتبعهم عَسْكَر نوح وسبكتكين يقتلُون، ثمَّ اسْتعْمل نوح على خُرَاسَان مَحْمُود بن سبكتكين.
وفيهَا: توفّي عبيد اللَّهِ بن مُحَمَّد بن نَافِع الصَّالح بَقِي سبعبن سنة لَا يسْتَند إِلَى شَيْء، وَأَبُو الْحسن عَليّ بن عِيسَى النَّحْوِيّ الرماني ومولده سنة سِتّ وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَله تَفْسِير كَبِير، وَمُحَمّد بن الْعَبَّاس بن أَحْمد الْقَزاز وَكتب كثيرا وخطه حجَّة نقلا وضبطا، وَأَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن هِلَال الْكَاتِب الصابي وَهُوَ ابْن إِحْدَى وَتِسْعين سنة زمن وَضَاقَتْ أُمُوره، وَكَانَ كَاتب معز الدولة ثمَّ كتب لبختيار، وَكَانَت تصدر عَنهُ مكاتبات إِلَى عضد الدولة تؤلمه فحقد عَلَيْهِ، وَلما ملك بَغْدَاد حبس الصابي ثمَّ أطلقهُ وَأمره أَن يصنف لَهُ كتابا فِي أَخْبَار الدولة الديلمية فصنف الْكتاب التاجي.
وَنقل إِلَى عضد الدولة عَنهُ أَن رجلا دخل عَلَيْهِ وَهُوَ يؤلف فِي التاجي فَسَأَلَهُ عَمَّا يفعل، فَقَالَ: أباطيل أنمقها وأكاذيب ألفقها، فحرك ذَلِك حقد عضد الدولة فَأَبْعَده وَحرمه.
جهد معز الدولة على الصابي ليسلم فَأبى، وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن، ورثاه الشريف الرضي فليم فِي ذَلِك فَقَالَ: إِنَّمَا رثيت فضيلته.
قلت: وَله فِي عبد لَهُ أسود كَانَ يهواه اسْمه يمن:
(قد قَالَ يمن وَهُوَ أسود للَّذي
…
ببياضه استعلى علو الخاتن)
(مَا فَخر وَجهك بالبياض وَهل ترى
…
إِن قد أفدت بِهِ مزِيد محَاسِن)
(وَلَو أَن مني فِيهِ خالا زانه
…
وَلَو أَن مِنْهُ فِي خالا شانني)
وَله فِيهِ:
(لَك وَجه كَأَن يمناي
…
خطته بِلَفْظ تمله آمالي)
(فِيهِ معنى من البدور وَلَكِن
…
نفضت صبغها عَلَيْهِ اللَّيَالِي)
(لم يشنك السوَاد بل زِدْت حسنا
…
إِنَّمَا يلبس السوَاد الموَالِي)
(فبمالي أفديك إِن لم تكن لي
…
وبروحي أفديك إِن كنت مَالِي)
وَأول مرثية الشريف الرضي فِيهِ:
(أَرَأَيْت من حملُوا على الأعواد
…
أَرَأَيْت كَيفَ خبا ضِيَاء النادي)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا عَاد أَبُو عَليّ بن سيمجور إِلَى خُرَاسَان وَقَاتل مَحْمُود بن سبكتكين وَأخرجه عَنْهَا، ثمَّ سَار سبكتكين وَابْنه مَحْمُود بالعساكر واقتتلوا مَعَ أبي عَليّ بطوس فهزموه، فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء عَن ابْن سيمجور:
(عصى السُّلْطَان فابتدرت إِلَيْهِ
…
رجال يقلعون أَبَا قبيس)
(وصير طوس معقلة فَكَانَت
…
عَلَيْهِ طوس أشأم من طويس)
ثمَّ أَن أَبَا عَليّ طلب الْأمان من نوح فَأَمنهُ، وجاءه أَبُو عَليّ إِلَى بخارا فحبسه نوح حَتَّى مَاتَ فِي الْحَبْس.
وفيهَا: مَاتَ الصاحب أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن عباد وَزِير فَخر الدولة عَليّ بن بويه بِالريِّ وَنقل فَدفن بأصبهان، كَانَ أوحد زَمَانه علما وتدبيرا وكرما أول من لقب بالصاحب من الوزراء صحب الْفضل بن العميد فَقيل لَهُ صَاحب ابْن العميد ثمَّ أطلق عَلَيْهِ هَذَا اللقب لما تولى الوزارة وَصَارَ علما عَلَيْهِ ثمَّ سمي بِهِ كل من ولي الوزارة وَكَانَ أَولا وزيرا لمؤيد الدولة وَبعده لفخر الدولة، وَله الْمُحِيط فِي اللُّغَة وَالْكَافِي فِي الرسائل وَكتاب الْإِمَامَة يتَضَمَّن فَضَائِل عَليّ وَصِحَّة إِمَامَة من تقدمه رضي الله عنهم وَكتاب الوزراء وَله النّظم الْجيد؛ ولد فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وَعشْرين وثلثمائة بأصطخر وَقيل بطالقان قزوين، وَعباد أَبوهُ وَزِير ركن الدولة، وَتُوفِّي سنة أَربع أَو خمس وَثَمَانِينَ وثلثمائة.
وفيهَا: توفّي الإِمَام أَبُو الْحسن عَليّ بن عمر بن أَحْمد الدَّارَقُطْنِيّ الْحَافِظ إِمَام فَقِيه شَافِعِيّ حفظ كثيرا من دواوين الشُّعَرَاء مِنْهَا ديوَان السَّيِّد الْحِمْيَرِي فنسب لذَلِك إِلَى التَّشَيُّع، وَخرج من بَغْدَاد إِلَى مصر وَأقَام عِنْد أبي الْفضل جَعْفَر وَزِير كافور واستفاد مِنْهُ ثروة وعلومه كَثِيرَة وَلَا سِيمَا عُلُوم الحَدِيث ومولده فِي ذِي الْقعدَة سنة سِتّ وثلثمائة ووفاته بِبَغْدَاد، ونسبته إِلَى دَار الْقطن محلّة كَبِيرَة بِبَغْدَاد.
وفيهَا: توفّي أَبُو مُحَمَّد يُوسُف بن الْحسن بن عبد اللَّهِ بن الْمَرْزُبَان السيرافي الْفَاضِل ابْن الْفَاضِل كمل كتاب الْإِقْنَاع تصنيف وَالِده وَشرح أَبْيَات كتاب سِيبَوَيْهٍ وَشرح إصْلَاح الْمنطق، وسيراف فرضة فَارس وَلَيْسَ بهَا زرع وَلَا ضرع وَمَال أَهلهَا كثير وَمِنْهَا يَنْتَهِي الْإِنْسَان إِلَى حصن عمَارَة على الْبَحْر من امْنَعْ الْحُصُون وَقيل: صَاحبهَا هُوَ الجلندي الَّذِي كَانَ يَأْخُذ كل سفينة غصبا.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا لليلتين بَقِيَتَا من رَمَضَان توفّي الْعَزِيز بِاللَّه بن الْمعز بن الْمَنْصُور الْعلوِي الفاطمي صَاحب مصر وعمره اثْنَان وَأَرْبَعُونَ سنة وَثَمَانِية أشهر برز إِلَى بلبيس لغزو الرّوم فَمَاتَ بهَا بعدة أمراض مِنْهَا القولنج وخلافته إِحْدَى وَعِشْرُونَ سنة وَخَمْسَة أشهر وَنصف ومولده بالمهدية، ولى كِتَابَته نَصْرَانِيّا اسْمه عِيسَى بن نسطورس، واستناب بِالشَّام يَهُودِيّا اسْمه مِيشَا فاستطالت النَّصَارَى وَالْيَهُود بسببهما، فَعمل أهل مصر قَرَاطِيس صُورَة امْرَأَة وَمَعَهَا قصَّة فِي طَرِيق الْعَزِيز فَأَخذهَا الْعَزِيز فَإِذا فِيهَا: بِالَّذِي أعز الْيَهُود بميشا وَالنَّصَارَى بِعِيسَى بن نسطورس وأذل الْمُسلمين بك إِلَّا كشفت عَنَّا، فَقبض على النَّصْرَانِي وصادره.
وَلما مَاتَ بُويِعَ ابْنه الْحَاكِم بِأَمْر اللَّهِ أَبُو عَليّ مَنْصُور بعده أَبِيه وعمره إِحْدَى عشرَة