الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفيهَا: كتب بكجور مولى قرعويه الَّذِي قبض على قرعويه وَملك حلب ثمَّ أَخذهَا مِنْهُ شرِيف بن سيف الدولة إِلَى الْعَزِيز بِمصْر يسْأَله ولَايَة دمشق فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك وَكتب إِلَى بكتكين عَامله بِدِمَشْق أَن يُسَلِّمهَا إِلَى بكجور ويحضر بكتكين إِلَى مصر، فسلمها إِلَى بكجور فِي رَجَب وأساء بكجور فِيهَا السِّيرَة.
وفيهَا: اتّفق كبراء عَسْكَر عمرَان بن شاهين فَقتلُوا أَبَا الْفرج مُحَمَّد بن عمرَان لسوء سيرته وَأَقَامُوا أَبَا الْمَعَالِي بن الْحسن بن شاهين صَغِيرا يدبر أمره المظفر بن على الْحَاجِب وَهُوَ أكبر قواد جده عمرَان، ثمَّ أَزَال المظفر الْحَاجِب أَبَا الْمَعَالِي وسيره وَأمه إِلَى وَاسِط واستقل المظفر بِملك البطيحة وانقرض بَيت عمرَان بن شاهين.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي يُوسُف بن بلكين بن زيزي أَمِير أفريقية وَتَوَلَّى ابْن الْمَنْصُور وَأرْسل إِلَى الْمعز هَدِيَّة عَظِيمَة قيمتهَا ألف ألف دِينَار.
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا ولي أَبُو طريف عليان بن ثمال الخفاجي حماية الْكُوفَة وَهِي أول إِمَارَة بني ثمال.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْموصِلِي الْحَافِظ الْمَشْهُور.
وفيهَا: توفّي بميافارقين الْخَطِيب أَبُو يحيى عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل بن نَبَاته إِمَام فِي الْعُلُوم الْأَدَب مَا عمل مثل خطبه، وخطب أَيْضا بحلب وَبهَا اجْتمع بالمتنبي عِنْد سيف الدولة، وَكَانَ الْخَطِيب رجلا صَالحا رأى النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -
فِي الْمَنَام فَقَالَ: مرْحَبًا يَا خطيب الخطباء كَيفَ تَقول كَأَنَّهُمْ لم يَكُونُوا للعيون قُرَّة وَلم يعدوا فِي الْأَحْيَاء مرّة؟ فَقَالَ الْخَطِيب تتمتها الْمعرفَة، فأدناه رَسُول اللَّهِ
صلى الله عليه وسلم َ - وتفل فِي فِيهِ، فَبَقيَ بعْدهَا ثَلَاثَة أَيَّام لم يطعم طَعَاما وَلَا يشتهيه وَيُوجد من فِيهِ مثل رَائِحَة الْمسك وَلم يَعش بعْدهَا إِلَّا يسرا، ومولده سنة خمس وَثَلَاثِينَ وثلثمائة.
ثمَّ دخلت سنة خمس وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا قصدت القرامطة الْكُوفَة مَعَ نفرين من السِّتَّة الَّذين تسموا بالسادة فملكوها ونهبوا، فَجهز صمصام الدولة إِلَيْهِم جَيْشًا فَانْهَزَمَ القرامطة وَكثر الْقَتْل فيهم وانخرقت هيبتهم.
وَحكى ابْن الْأَثِير والعهدة على النَّاقِل أَنه خرج فِي هَذِه السّنة من الْبَحْر بعمان طَائِر أكبر من الْفِيل ووقف على تل هُنَاكَ وَصَاح بِصَوْت عَال ولسان فصيح: قد قرب، قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات ثمَّ غاص فِي الْبَحْر، فعل ذَلِك ثَلَاثَة أَيَّام وَلم ير بعد ذَلِك.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا سَار شرف الدولة شيربك بن عضد الدولة من الأهواز فَملك وَاسِط، وَأَشَارَ أَصْحَاب صمصام الدولة عَلَيْهِ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْموصل أَو غَيرهَا فَأبى وَركب بخواصه وَحضر عِنْد أَخِيه شرف الدولة مستأمنا فَلَقِيَهُ وَطيب قلبه، فَلَمَّا خرج من عِنْده غدر بِهِ شرف الدولة وَقبض عَلَيْهِ وَسَار حَتَّى دخل بَغْدَاد فِي رَمَضَان
وصمصام الدولة معتقل مَعَه، وَكَانَت إِمَارَة صمصام الدولة بِبَغْدَاد ثَلَاث سِنِين، ثمَّ أعتقله بقلعة بِفَارِس.
وفيهَا: توفّي المظفر الْحَاجِب صَاحب البطيحة، ووليها ابْن أَخِيه أَبُو الْحسن عَليّ بن نصر بِعَهْد من المظفر وَوصل تَقْلِيده من بَغْدَاد ولقب مهذب الدولة فَأحْسن وساس.
وفيهَا: توفّي بِبَغْدَاد أَبُو عَليّ الْحسن بن أَحْمد بن عبد الْغفار الْفَارِسِي النَّحْوِيّ صَاحب الْإِيضَاح وَقد جَاوز التسعين، وَقيل كَانَ معتزليا، ولد فِي مَدِينَة فسا واشتغل بببغداد وَأقَام مُدَّة بحلب عِنْد سيف الدولة، ثمَّ أَقَامَ بِفَارِس وَصَحب عضد الدولة وَله التَّذْكِرَة وَكتاب الْمَقْصُور والممدود وَالْحجّة فِي الْقرَاءَات والعوامل الْمِائَة والمسائل الحلبيات.
قلت: وَكَانَ أَبُو عَليّ يغبط من يَقُول الشّعْر وَقَالَ: مَا أعلم أَن لي شعرًا إِلَّا ثَلَاثَة أَبْيَات فِي الشيب وَهِي قَوْله:
(خضبت الشيب لما كَانَ عَيْبا
…
وخضب الشيب أولى أَن يعابا)
(وَلم أخضب مَخَافَة هجر خل
…
وَلَا عَيْبا خشيت وَلَا عتابا)
(وَلَكِن المشيب بدا ذَمِيمًا
…
فصيرت الخضاب لَهُ عقَابا)
قلت: وقذ ذكرت بِهَذَا بَيْتَيْنِ لي فِي الشيب وهما:
(بِاللَّه يَا معشر أَصْحَابِي
…
اغتنموا فضلي وآدابي)
(فالشيب قد حل برأسي وَقد
…
أقسم لَا يرحل إِلَّا بِي)
وبيتين لي أَيْضا فِيهِ وهما:
(الشيب سَوط عَذَاب
…
هام النِّسَاء بقذفه)
(يَكْفِي مشيبي عَيْبا
…
إِنِّي رضيت بنتفه)
وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَسبعين وثلثمائة وَسنة ثَمَان وَسبعين وثلثمائة:: فِيهَا سير الْعَزِيز عسكرا مَعَ الْقَائِد مِنْبَر الْخَادِم إِلَى دمشق ليعزل بكجور عَنْهَا ويتولاها فقاتله عِنْد داريا فَانْهَزَمَ بكجور وَدخل الْبَلَد وَطلب الْأمان فَأَمنهُ فَسَار بكجور إِلَى الرقة فاستولى عَلَيْهَا، وَأحسن مِنْبَر السِّيرَة بِدِمَشْق.
وفيهَا: فِي الْمحرم أهْدى الصاحب بن عباد إِلَى فَخر الدولة بن ركن الدولة حسن دِينَارا وَزنه ألف مِثْقَال مَكْتُوبًا عَلَيْهِ:
(وأحمر يَحْكِي الشَّمْس شكلا وَصُورَة
…
فأوصافها مُشْتَقَّة من صِفَاته)
(فَإِن قيل دِينَار فقد صدق اسْمه
…
وَإِن قيل ألف فَهُوَ بعض سماته)
(بديع وَلم يطبع على الدَّهْر مثله
…
وَلَا ضربت أضرابه لسراته)
(وَصَارَ إِلَى شاهان شاه انتسابه
…
على أَنه مستصغر لعفاته)
(يخبر أَن يبْقى سنينا كوزنه
…
لتستبشر الدُّنْيَا بطول حَيَاته)
وفيهَا: توفّي أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن إِسْحَاق الْحَاكِم النَّيْسَابُورِي ذُو التصانيف.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَسبعين وثلثمائة: فِيهَا أرسل شرف الدولة مُحَمَّد الشِّيرَازِيّ الْفراش فسمل عَيْني أَخِيه صمصام الدولة فِي القلعة الَّتِي حبس بهَا.
وفيهَا: فِي مستهل جُمَادَى الْآخِرَة توفّي الْملك شرف الدولة شيربك بالاستسقاء وَدفن بمشهد عَليّ رضي الله عنه، وإمارته بالعراق سنتَانِ وَثَمَانِية أشهر وعمره ثَمَان وَعِشْرُونَ سنة وَخَمْسَة أشهر، فاستقر مَوْضِعه أَخُوهُ أَبُو نصر بهاء الدولة واسْمه خاشاذ وخلع عَلَيْهِ الطائع وقلده السلطنة.
وفيهَا: افْتتن الأتراك والديلم واقتتلوا خَمْسَة أَيَّام وبهاء الدولة فِي راره يراسلهم فِي الصُّلْح، وَبعد اثْنَتَيْ عشر يَوْمًا صَار بهاء الدولة مَعَ الأتراك فَأجَاب الديلم إِلَى الصُّلْح، وَمِنْهَا أخذت الأتراك فِي الْقُوَّة والديلم فِي الضعْف.
وفيهَا: هرب أَبُو الْعَبَّاس الْقَادِر أَحْمد بن الْأَمِير إِسْحَاق بن المقتدر إِلَى البطيحة فاحتمى فِيهَا، وَسَببه: أَن الْأَمِير إِسْحَاق وَالِده لما توفّي جرى بَين ابْنه أَحْمد الْمُسَمّى فِيمَا بعد بالقادر وَبَين أُخْت لَهُ مُنَازعَة على ضَيْعَة وَكَانَ الطائع قد مرض وشفي فسعت بأخيها إِلَى الطائع وَقَالَت: إِن أخي لَهُ شرع فِي طلب الْخلَافَة عِنْد مرضك فَتغير عَلَيْهِ الطائع وَأرْسل ليقبضه فهرب، فَأكْرمه مهذب الدولة صَاحب البطيحة.
وفيهَا: اسْتَأْذن أَبُو طَاهِر إِبْرَاهِيم وَأَبُو عبد اللَّهِ الْحُسَيْن ابْنا نَاصِر الدولة بن حمدَان بهاء الدولة فِي الْمسير إِلَى الْموصل وَكَانَا قبله فِي خدمَة أَخِيه شرف الدولة بن عضد الدولة فَأذن لَهما بهاء الدولة فِي ذَلِك، فسارا إِلَى الْموصل فقاتلهما الْعَامِل بهَا، وَاجْتمعَ إِلَيْهِمَا المواصلة فطردا الْعَامِل وَاسْتقر بالموصل.
وفيهَا: توفّي مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْعَبَّاس السّلمِيّ النقاش من متكلمي الأشعرية.
ثمَّ دخلت سنة ثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا طمع باد صَاحب ديار بكر فِي ابْني نَاصِر الدولة الْمَذْكُورين فقصدهما وَجرى بَينهم قتال قتل فِيهِ باد وَحمل رَأسه إِلَيْهِمَا وبإدخال أبي عَليّ بن مَرْوَان فَسَار أَبُو عَليّ ابْن أُخْته إِلَى حصن كيفا وَبِه زَوْجَة خَاله باد وَأَهله فَقَالَ لامْرَأَة خَاله: قد أنقذني خَالِي إِلَيْك فِي مُهِمّ، فأصعدته فأعلمها بقتل خَاله وأطمعها فِي التَّزَوُّج بهَا فوافقته على ملك الْحصن وَغَيره، وَنزل أَبُو عَليّ بن مَرْوَان وَملك بِلَاد خَاله حصنا حصنا، وَجَرت بَينه وَبَين ابْني نَاصِر الدولة حروب.
ثمَّ مضى أَبُو عَليّ بن مَرْوَان إِلَى مصر وتقلد من الْخَلِيفَة الْعَزِيز بِاللَّه الْعلوِي ولَايَة حلب وَتلك النواحي وَعَاد إِلَى مَكَانَهُ من ديار بكر، وَأقَام بِتِلْكَ الديار إِلَى أَن اتّفق بعض
أهل آمد مَعَ شيخهم عبد الْبر فَقتلُوا أَبَا عَليّ الْمَذْكُور عِنْد خُرُوجه من بَاب الْبَلَد بالسكاكين تولى قَتله ابْن دمنة من آمد وَاسْتولى عبد الْبر شيخ آمد عَلَيْهِ وَزوج ابْن دمنة بابنته، فَوَثَبَ ابْن دمنة فَقتل عبد الْبر أَيْضا وَاسْتولى على آمد.
وَكَانَ لأبي عَليّ أَخ لقبه ممهد الدولة بن مَرْوَان، فَلَمَّا قتل أَبُو عَليّ سَار ممهد الدولة فَملك ميافارقين وَغَيرهَا من بِلَاد أَخِيه، فَعمل شروة وَهُوَ من أكَابِر الْعَسْكَر دَعْوَة لممهد الدولة وَقَتله فِيهَا، وَاسْتولى شروة على غَالب بِلَاد بني مَرْوَان وَذَلِكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة.
وَكَانَ ممهد الدولة قد حبس أَخَاهُ الآخر أَبَا نصر أَحْمد، وَكَانَ قد حَبسه أَيْضا أَخُوهُ أَبُو عَليّ بِسَبَب مَنَام وَهُوَ أَنه رأى أَن الشَّمْس فِي حجره وَقد أَخذهَا مِنْهُ أَخُوهُ أَبُو نصر فحبسه لذَلِك، فَلَمَّا قتل ممهد الدولة أخرج أَبُو نصر من الْحَبْس وَاسْتولى على أرزن، هَذَا كُله وأبوهم مَرْوَان بَاقٍ أعمى مُقيم بأرزن عِنْد قبر وَلَده أبي عَليّ، وَلما اسْتَقر أَبُو نصر خرجت الْبِلَاد عَن طَاعَة شروة وَاسْتولى أَبُو نصر على سَائِر بِلَاد ديار بكر ودامت أَيَّامه وَحسنت سيرته، وَبَقِي كَذَلِك من سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعمِائَة إِلَى ثَلَاث وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَسَيَأْتِي.
وفيهَا: ملك أَبُو الذواد الْموصل وَهُوَ مُحَمَّد بن الْمسيب بن رَافع بن الْمُقَلّد بن جَعْفَر أَمِير بني عقيل وَقتل أَبَا طَاهِر بن نَاصِر الدولة بن حمدَان وَأَوْلَاده وعدة من قواده بعد قتال بَينهمَا وَاسْتقر أَبُو الذواد بالموصل.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى ثَمَانِينَ وثلثمائة: فِيهَا قبض بهاء الدولة على الطائع لله أبي بكر عبد الْكَرِيم بن الْمفضل الْمُطِيع لله بن المعتضد بن الْمُوفق بن المتَوَكل لطمع بهاء الدولة فِي مَال الطائع، وَلما أَرَادَ ذَلِك أرسل إِلَى الطائع وَسَأَلَهُ الْأذن ليجدد الْعَهْد بِهِ، فَجَلَسَ الطائع على كرْسِي وَدخل بعض الديلم على صُورَة مقبل ليده فَجَذَبَهُ عَن سَرِيره والخليفة يَقُول: إِنَّا لله وَأَنا إِلَيْهِ رَاجِعُون، وَحمل إِلَى دَار بهاء الدولة وَأشْهد عَلَيْهِ بِالْخلْعِ، فخلافته سبع عشرَة سنة وَثَمَانِية أشهر وَأَيَّام، وَلما تولى الْقَادِر حمل إِلَيْهِ الطائع فَبَقيَ عِنْده مكرما إِلَى أَن توفّي الطائع سنة ثَلَاث وَتِسْعين وثلثمائة لَيْلَة الْفطر ومولده سنة سبع عشرَة وثلثمائة، وَلم يكن للطائع فِي ولَايَته من الحكم مَا يسْتَدلّ بِهِ على حَاله.
وَكَانَ فِيمَن حضر لقبض الطائع الشريف الرضي فبادر بِالْخرُوجِ من دَار الْخلَافَة وَقَالَ فِي ذَلِك أبياتا مِنْهَا:
(أمسيت أرْحم من قد كنت أغبطه
…
لقد تقَارب بَين الْعِزّ والهون)
(ومنظر كَانَ بالسراء يضحكني
…
يَا قرب مَا عَاد بالضراء يبكيني)
(هَيْهَات أغتر بالسلطان ثَانِيَة
…
قد ضل عِنْدِي ولاج السلاطين)