الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(قوض خيامك عَن أَرض تضام بهَا
…
وجانب الذل أَن الذل يجْتَنب)
(وارحل إِذا كَانَ فِي الأوطان منقصة
…
فالمندل الرطب فِي أوطانه حطب)
ثمَّ دخلت سنة أَربع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا تزوج طغرلبك بنت الْخَلِيفَة الْقَائِم وَكَانَ العقد فِي شعْبَان بِظَاهِر تبريز، توكل فِي تَزْوِيجهَا عَن أَبِيهَا عميد الْملك.
وفيهَا: استوزر الْقَائِم فَخر الدولة أَبَا نصر بن جهير.
وفيهَا: توفّي القَاضِي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سَلامَة بن جَعْفَر الْقُضَاعِي الْفَقِيه الشَّافِعِي صَاحب كتاب الشهَاب وَكتاب الأنباء عَن الْأَنْبِيَاء وتواريخ الْخُلَفَاء وَكتاب خطط مصر، قضى بِمصْر عَن العلويين وأرسلوه إِلَى الرّوم، وقضاعة من حمير وَقيل: هُوَ معد بن عدنان.
قلت: وفيهَا عمر الْمُسلمُونَ حصن المرقب بساحل جبلة وباعوه للروم بِمَال عَظِيم وقبضوه، وَجَاء من الرّوم نَحْو من ثلثمِائة رجل ليتسلموه فَقتلُوا مِنْهُم وأسروا البَاقِينَ وفدوهم بِمَال كثير، وَكَانَ بَيْعه للروم حِيلَة نصبها الْمُسلمُونَ فتمت وَللَّه الْحَمد.
وفيهَا: جَاءَت يرقة وتبعتها صَيْحَة سقط لَهَا النَّاس لوجوههم، وَمَاتَتْ بهَا طيور كَثِيرَة بالمعرة.
وفيهَا: هم أهل معرة النُّعْمَان فِي عمل السُّور عَلَيْهَا ونصبوا عَلَيْهِ المناجيق والعجل يجر الْحِجَارَة وَالْجمال تحمل من شبيث وَغَيره، وَكَانَ الْأَمِير أَبُو الْمَاضِي خَليفَة بن جهان ينْفق عَلَيْهِ من مَاله وجاهه حَتَّى كمل فِي شهور سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وَالله أعلم.
أَخْبَار الْيمن من تَارِيخ عمَارَة
ثمَّ دخلت سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة فِيهَا: تَكَامل الْيمن لعَلي بن القَاضِي مُحَمَّد بن عَليّ الصليحي، وَكَانَ القَاضِي مُحَمَّد سنياً مُطَاعًا فِي رجال حزاز وهم أَرْبَعُونَ ألفا، فتعلم ابْنه على التَّشَيُّع وَأخذ أسرار الدعْوَة من عَامر بن عبد الله الرواحي الْيَمَانِيّ أكبر دعاة الْمُسْتَنْصر خَليفَة مصر وَصَارَ عَليّ بن مُحَمَّد دَلِيلا لحجاج الْيمن على طَرِيق الطَّائِف وبلاد السرو وَبَقِي كَذَلِك سِنِين.
وَفِي سنة تسع وَعشْرين وَأَرْبَعمِائَة ثار بستين رجلا وَصعد إِلَى رَأس مشار أَعلَى ذرْوَة من جبال حران، واستفحل أمره شَيْئا فَشَيْئًا حَتَّى كمل لَهُ ملك الْيمن فِي هَذِه السّنة، فولى على زبيد أسعد بن شهَاب بن عَليّ الصليحي أَخا زَوجته أَسمَاء وَابْن عَمه، وَبَقِي عَليّ مَالِكًا لليمن حَتَّى حج فقصده بَنو نجاح وقتلوه بَغْتَة هجماً فِي قَرْيَة أم الدهيم وبئر أم معبد فِي ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة فَحِينَئِذٍ اسْتَقَرَّتْ التهائم لبني نجاح، وَصَنْعَاء لِأَحْمَد بن عَليّ الصليحي الْمَذْكُور الْملك المكرم.
ثمَّ جمع المكرم الْعَرَب وَقصد سعيد بن نجاح بزبيد وقاتله وهزمه إِلَى جِهَة دهلك،
وَملك المكرم زبيد سنة خمس وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة، ثمَّ ملكهَا ابْن نجاح سنة تسع وَسبعين وَأَرْبَعمِائَة، ثمَّ قتل المكرم سعيداً سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
ثمَّ ملك جياش أَخُو سعيد، وَبَقِي المكرم لَهُ صنعاء حَتَّى مَاتَ سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة.
وَتَوَلَّى بعده ابْن عَمه أَبُو حمير سبأ بن أَحْمد بن المظفر بن عَليّ الصليحي فِي سنة أَربع وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعمِائَة إِلَى أَن مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين وَأَرْبَعمِائَة وَهُوَ آخر مُلُوك الصليحيين.
وَبعده أرسل من مصر عَليّ بن إِبْرَاهِيم بن نجيب الدولة سنة ثَلَاث عشرَة وَخَمْسمِائة وَقَامَ بالدعوة والمملكة الَّتِي كَانَت بيد سبأ.
ثمَّ وصل إِلَى جبال الْيمن رَسُول خَليفَة مصر وَقبض على ابْن نجيب الدولة بعد سنة عشْرين وَخَمْسمِائة، وانتقل الْملك والدعوة إِلَى آل الزريع بن الْعَبَّاس بن المكرم وهم أهل عدن من هَمدَان بن جشم، وَبَنُو المكرم هَؤُلَاءِ يعْرفُونَ بآل الذِّئْب، وَكَانَت عدن لزريع بن الْعَبَّاس بن المكرم ولعمه مَسْعُود بن المكرم فقتلا على زبيد مَعَ الْملك الْمفضل فولي بعدهمَا ولداهما أَبُو السُّعُود بن زُرَيْع وَأَبُو المغارات بن مَسْعُود إِلَى أَن مَاتَا، وَولي بعدهمَا مُحَمَّد بن أبي الغارات، ثمَّ أَخُوهُ عَليّ، ثمَّ سبأ بن أبي السُّعُود بن زُرَيْع وَبَقِي حَتَّى توفّي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة، ثمَّ تولى بعده ابْنه الْأَعَز بن سبأ وَكَانَ مقَام عَليّ بالدملوه فَمَاتَ بالسل فَملك أَخُوهُ الْمُعظم مُحَمَّد بن سبأ، ثمَّ ابْنه عمرَان بن مُحَمَّد بن سبأ، وَتُوفِّي مُحَمَّد بن سبأ فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، وَتُوفِّي عمرَان بن مُحَمَّد فِي شعْبَان سنة سِتِّينَ وَخَمْسمِائة، وَخلف عمرَان ابْنَيْنِ صغيرين مُحَمَّدًا وَأَبا السُّعُود.
وَمِمَّنْ ولي من الصليحيين الملكة الْحرَّة سيدة بنت أَحْمد بن جَعْفَر بن مُوسَى الصليحي ولدت سنة أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعمِائَة وربتها أَسمَاء بنت شهَاب، وَتَزَوجهَا ابْن أَسمَاء أَحْمد المكرم سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة وطالت مُدَّة الْحرَّة ولاها زَوجهَا فِي حَيَاته فَقَامَتْ بِالْأَمر وَالْحَرب واشتغل هُوَ بِالْأَكْلِ وَالشرب، وَمَات زَوجهَا وَتَوَلَّى ابْن عَمه سبأ وَهِي فِي الْملك، وَمَات سبأ وَتَوَلَّى ابْن نجيب الدولة فِي أَيَّامهَا واستمرت بعده حَتَّى توفيت سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسمِائة. وَمِمَّنْ كَانَ لَهُ شركَة فِي الْملك الْملك الْمفضل أَبُو البركات بن الْوَلِيد الْحِمْيَرِي صَاحب التعكر، وَكَانَ الْمفضل يحكم بَين يَدي الْحرَّة يحتجب حَتَّى لَا يُرْجَى لقاؤه ثمَّ يظْهر للقوي والضعيف حَتَّى توفّي سنة أَربع وَخَمْسمِائة.
وَملك بعده بِلَاده ومعاقله ابْنه مَنْصُور يُقَال لَهُ: الْمَنْصُور، من حِين وَفَاته إِلَى سنة سبع وَأَرْبَعين وَخَمْسمِائة، فَابْتَاعَ مُحَمَّد بن سبأ بن أبي السُّعُود مِنْهُ المعاقل الَّتِي كَانَت للصليحيين بِمِائَة ألف دِينَار وعدتها ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ حصناً وبلداً وَبَقِي الْمَنْصُور لنَفسِهِ حَتَّى توفّي بعد أَن ملك نَحْو ثَمَانِينَ سنة، وَسَيَأْتِي بَاقِي أَخْبَار الْيمن.
وفيهَا: أَعنِي سنة خمس وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: قدم طغرلبك بَغْدَاد وَدخل بابنة الْخَلِيفَة، وثقلوا على النَّاس بِالْإِخْرَاجِ من الدّور والتعرض إِلَى الْحَرِيم.
وفيهَا: سَار طغرلبك بعد دُخُوله بابنة الْخَلِيفَة إِلَى بلد الْجَبَل فوصل إِلَى الرّيّ فَمَرض وَتُوفِّي ثامن رَمَضَان مِنْهَا وعمره سَبْعُونَ تَقْرِيبًا وَكَانَ عقيماً، واستقرت السلطنة بعده لِابْنِ أَخِيه ألب أرسلان بن دَاوُد بن مِيكَائِيل بن سلجوق.
وفيهَا: دخل الصليحي صَاحب الْيمن مَكَّة مَالِكًا لَهَا، فَأحْسن وجلب الأقوات.
وفيهَا: زلزل الشَّام فخرب سور طرابلس.
وفيهَا: ولى الْمُسْتَنْصر بَدْرًا أَمِير الجيوش دمشق، ثمَّ ثارت الْجند ففارقها.
وفيهَا: توفّي سعيد بن نصر الدولة بن أَحْمد بن مَرْوَان صَاحب آمد وديار بكر.
قلت: وفيهَا توفّي بالمعرة أَبُو الْحُسَيْن بن عَليّ بن الْفضل بن جَعْفَر بن عَليّ بن الْمُهَذّب التنوخي المعري، قَرَأَ الْقُرْآن الْعَظِيم للسبعة وليعقوب الْحَضْرَمِيّ وَأبي جَعْفَر وَشَيْبَة ثَمَانِيَة وَعشْرين رِوَايَة وَلَقي شُيُوخ الْقُرَّاء بحلب وَغَيرهَا وَقَرَأَ عَلَيْهِ خلق، وَكَانَ مُفَسرًا خَطِيبًا شَاعِرًا رحمه الله، وَالله أعلم.
ثمَّ دخلت سنة سِتّ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا قبض ألب أرسلان على عميد الْملك الْوَزير أبي نصر مَنْصُور بن مُحَمَّد الكندري وَزِير عَمه طغرلبك سعى بِهِ نظام الْملك وَزِير ألب أرسلان وَحبس فِي مرو الروذ، ثمَّ قَتله بعد سنة وَقطع رَأسه ونقلت جثته إِلَى كندر فَدفن عِنْد أَبِيه وَكَانَ عمره نيفاً وَأَرْبَعين، وَكَانَ خَصيا لِأَن طغرلبك أرْسلهُ ليخطب لَهُ امْرَأَة فَتَزَوجهَا هُوَ فخصاه.
وَكَانَ عميد الْملك كثير الوقيعة فِي الإِمَام الشَّافِعِي، خَاطب طغرلبك فِي لعن الرافضة على المنابر بخراسان فَأذن لَهُ بذلك، فَأمر بلعنهم وأضاف إِلَيْهِم الأشعرية، فَأَنف من ذَلِك أَئِمَّة خُرَاسَان مِنْهُم أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي وَأَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وَأقَام بِمَكَّة أَربع سِنِين فَسُمي إِمَام الْحَرَمَيْنِ.
وَمن الْعجب: أَن ذكر عميد الْملك وأنثييه دفنت بخوارزم لما خصي، وَدَمه سفح بمرو، وَجَسَده دفن بكندر، وَرَأسه إِلَّا قحفه دفن بنيسابور، وقحفه نقل إِلَى كرمان لِأَن نظام الْملك كَانَ هُنَاكَ:
قلت:
(مَا لعميد ملكهم
…
من عَاصِم أَو نَافِع)
(وكل ذَا يَا مالكي
…
بطعنه فِي الشَّافِعِي)
وَالله أعلم.
وفيهَا: ملك ألب أرسلان قلعة جيلان، ثمَّ حاصر عَمه بيغو فِي هراة وملكها وَأكْرم
عَمه، ثمَّ ملك صغانيان عنْوَة وَأسر صَاحبهَا مُوسَى.
وفيهَا: أَمر ألب أرسلان بِعُود بنت الْخَلِيفَة إِلَى بَغْدَاد، وَكَانَت قد سَارَتْ إِلَى طغرلبك بِغَيْر رِضَاء الْخَلِيفَة.
وفيهَا: اقتتل ألب أرسلان وقطلومش قرب الرّيّ، فَوجدَ قطلومش مَيتا بعد هزيمَة عسكره فَبكى عَلَيْهِ ألب أرسلان لأجل الْقَرَابَة وَالرحم وَسَلاهُ نظام الْملك وَدخل ألب أرسلان الرّيّ فِي الْمحرم مِنْهَا. وقطلومش السلجوقي: هُوَ جد الْمُلُوك بقونية وأقصرا وملطية إِلَى أَيَّام التتر وَسَيَأْتِي، وَكَانَ قطلومش قد أتقن علم النُّجُوم.
وفيهَا: شاع بِبَغْدَاد وَالْعراق وخوزستان وَغَيرهَا أَن أكراداً تصيدوا فَرَأَوْا فِي الْبر خياماً سَوْدَاء فِيهَا لطم وعويل وَقَائِل يَقُول: مَاتَ سيدوك ملك الْجِنّ وَأي بلد لم يلطم أَهله قلع أَصله، فَصدق ذَلِك السفلة وَخرج رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ يلطمون.
قَالَ ابْن الْأَثِير: وَجرى بالموصل كَذَلِك وَنحن بهَا سنة سِتّمائَة أصَاب النَّاس وجع الْحلق، فشاع أَن امْرَأَة من الْجِنّ اسْمهَا أم عنقود مَاتَ ابْنهَا، وَمن لَا يعْمل مأتماً أَصَابَهُ هَذَا الْمَرَض، فَكَانَ النِّسَاء والأوباش يلطمون على عنقود وَيَقُولُونَ:
(يَا أم عنقود اعذرينا
…
قد مَاتَ عنقود وَمَا درينا)
وَإِلَى الْآن يَقع النَّاس فِي هَذَا الهذيان.
وفيهَا: مَاتَ أَبُو الْقَاسِم بن عَليّ بن برهَان الْأَسدي النَّحْوِيّ الْمُتَكَلّم لَهُ اخْتِيَار فِي الْفِقْه مَشى فِي الْأَسْوَاق مَكْشُوف الرَّأْس وَلم يقبل من أحد شَيْئا؛ مَال إِلَى مَذْهَب مرجئة الْمُعْتَزلَة واعتقد أَن الْكفَّار لَا يخلدُونَ فِي النَّار، وَجَاوَزَ الثَّمَانِينَ.
ثمَّ دخلت سنة سبع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا جَاوز ألب أرسلان جيحون إِلَى جند وصيران وهما عِنْد بخارا وقبر جده سلجوق بجند فَخرج صَاحب جند إِلَى طَاعَته فأقره على مَكَانَهُ، وَوصل إِلَى كركنج خوارزم وَسَار مِنْهَا إِلَى مرو.
وفيهَا: ابْتَدَأَ نظام الْملك بعمارة الْمدرسَة النظامية بِبَغْدَاد. قلت: وفيهَا أقطعت معرة النُّعْمَان للْملك هَارُون بن خَان ملك التّرْك فِيمَا وَرَاء نهر جيحون أَخذهَا حَربًا وخراجا، وَوصل إِلَيْهَا مَعَه ترك وَدَيْلَم وكرد وكرج نَحْو ألف رجل مَعَ حاشيتهم وأتباعهم وتعففوا فِيهَا عَن الأذية حَتَّى سقوا دوابهم المَاء بِثمنِهِ وَنزل بالمصلى، وَجعل فِي حصن المعرة بعض حجابه، وَأقَام يَسِيرا ثمَّ نقل إِلَى حلب وَعوض عَن المعرة بِمَال، قدم هَذَا إِلَى الشَّام مغاضبا لِأَبِيهِ، وَولي المعرة بعده الْأَمِير فَارس الدولة يانس الصَّالِحِي وَالله أعلم. ثمَّ دخلت سنة ثَمَان وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا أقطع ألب أرسلان شرف الدولة مُسلم بن قرواش بن بدران صَاحب الْموصل الأنبار وهيت مَعَ الْموصل.
وفيهَا: توفّي أَبُو بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن بن عَليّ الْبَيْهَقِيّ الخسروجردي الشَّافِعِي إِمَام فِي الحَدِيث وَالْفِقْه زاهد بنيسابور وَنقل إِلَى بيهق وبيهق قرى مجتمعة على عشْرين فرسخاً من نيسابور، وَهُوَ من خسروجرد قَرْيَة من بيهق رَحل فِي طلب الحَدِيث إِلَى الْعرَاق وَالْجِبَال والحجاز، وَهُوَ أول من جمع نُصُوص الشَّافِعِي فِي عشرات مجلدات، وَمن تصانيفه السّنَن الْكَبِير وَالسّنَن الصَّغِير وَدَلَائِل النبوّة، قَالَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ: مَا من شَافِعِيّ الْمَذْهَب إِلَّا وَللشَّافِعِيّ عَلَيْهِ منّة إِلَّا أَحْمد الْبَيْهَقِيّ فَإِن لَهُ على الشَّافِعِي منّة، لِأَنَّهُ كَانَ اكثر النَّاس نصرا لمَذْهَب الشَّافِعِي، وَكَانَ قانعاً من الدُّنْيَا بِالْقَلِيلِ رَحْمَة الله تَعَالَى.
وفيهَا: توفّي أَبُو يعلى مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن الْحسن الْفراء الْحَنْبَلِيّ وعنة انْتَشَر مَذْهَب أَحْمد، وَله كتاب الصِّفَات فِيهِ كل عَجِيبَة وَيدل على التجسيم الْمَحْض، كَانَ ابْن التَّيْمِيّ الْحَنْبَلِيّ يَقُول: لقد خرى ابو يعلى الْفراء على الْحَنَابِلَة خرية لَا يغسلهَا المَاء.
وفيهَا: توفّي الْحَافِظ أَبُو الْحسن عَليّ بن اسماعيل ابْن سَيّده المرسي إِمَام فِي اللُّغَة لَهُ الْمُحكم وَغَيره وَكَانَ ضريراً، توفّي بدانية من شَرق الأندلس وعمره نَحْو سِتِّينَ.
ثمَّ دخلت سنة تسع وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا فِي ذِي الْقعدَة تمت النظامية وتقرّر لتدريسها الشَّيْخ ابو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَاجْتمعَ النَّاس فَتَأَخر الشَّيْخ فَإِنَّهُ سمع أَن أرْضهَا مَغْصُوبَة فدرس بهَا يُوسُف بن الصّباغ صَاحب الشَّامِل عشْرين يَوْمًا ثمَّ ألحوا على الشَّيْخ حَتَّى درّس بهَا.
قلت: وَابْن الصّباغ الْمَذْكُور هُوَ أَبُو نصر عبد السَّيِّد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد، وَأما كَون اسْمه يُوسُف فَلَا نعرفه وَالله أعلم.
وفيهَا: كَانَ بالبلاد سوى الرّوم غلاء عَظِيم وَمَوْت لَا سِيمَا بحلب فَإِنَّهُ مَاتَ بهَا فِي شهر رَجَب خَاصَّة زهاء أَرْبَعَة آلَاف، وَمَات جمَاعَة من ساداتها وَالله اعْلَم.
ثمَّ دخلت سنة سِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة فِيهَا: زلزلت فلسطين ومصر حَتَّى طلع المَاء من رُؤُوس الْآبَار وردم عَالم عَظِيم وَزَالَ الْبَحْر عَن السحال مسيرَة يَوْم فالتقط النَّاس من أرضة، فَعَاد المَاء وَأهْلك خلقا.
قلت: وفيهَا: فتح الله على الْمُسلمين حصن أرتاح وَقد اجْتمع إِلَيْهِ من أهل النَّصْرَانِيَّة مَا حوله وَقتل من رِجَاله نَحْو ثَلَاثَة آلَاف حاصره الْملك هَارُون بن خَان خَمْسَة أشهر، وَهُوَ فتح عَظِيم فَإِن أَعماله كَانَت بِمِقْدَار أَعمال الشَّام من الْفُرَات إِلَى العَاصِي إِلَى أفامية إِلَى بَاب انطاكيا إِلَى الأثارب، وأحصى قوم بطرابلس فِي مجْلِس القَاضِي ابْن عمار أَن المفقودين من الرّوم فِي هَذِه السّنة إِلَى شهر رَمَضَان فِي الدَّرْب إِلَى أفامية قتلا وأسراً ثلثمِائة ألف، ذكره ابْن الْمُهَذّب.
وفيهَا - أَعنِي سنة سِتِّينَ -: فِي أيار جَاءَت رعدة عَظِيمَة بالمعرة غشي من صَوتهَا على كثير من الرِّجَال وَالصبيان وَالنِّسَاء، وَجَاء بعْدهَا سَحَاب عَظِيم معظمه على جبل بني عليم
وَفِيه برد فَقلع الشّجر وَجرى مِنْهُ سيل فِي وَادي شنان الَّذِي فِيهِ الْعين فَكَانَت من الْجَبَل القبلي إِلَى الْجَبَل الشمالي وغطى شجر الْجَوْز وَأخذ صَخْرَة يعجز عَن قَلبهَا خَمْسُونَ رجلا وَمضى بهَا فَلم يعرف لَهَا ذَلِك الْوَقْت مَوضِع، وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي الشَّيْخ ابو مَنْصُور عبد الْملك بن يُوسُف من أَعْيَان الزهاد.
ثمَّ دخلت سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا وَقعت فتْنَة بَين المغاربة والمشارقة بِدِمَشْق فَضربت دَار جوَار الْجَامِع بالنَّار فاتصلت النَّار بالجامع وعظمت فدثرت محاسنه وزالت اعماله النفيسة.
قلت: وفيهَا أَخذ ملك الرّوم حصن منبج وشحنة رجَالًا وعدّة، ثمَّ وقف على عزاز سَاعَة ثمَّ رَحل عَنْهَا ، وسلط الله عَلَيْهِ وعَلى من مَعَه الغلاء والقلة وَمَات مِنْهُم خلق كثير فَرجع حافلاً.
وفيهَا: جمع قطبان أنطاكيا وقسها الْمَعْرُوف بالبخت جموعاً وطلع إِلَى حصن أشعوبا من قرى المعرة بِعَمَلِهِ عَملهَا لَهُم قوم يعْرفُونَ ببني ربيع من أهل جوزف ففتحوه وَقتلُوا وأسروا رِجَاله وواليه بنادراً التركي، فَبلغ الْخَبَر الْأَمِير عز الدولة مَحْمُود بن نَاصِر بن صَالح وَهُوَ يسير فِي ميدان حلب، فَسَار إِلَيْهِ وَلم يدْخل الْبَلَد وَمَعَهُ نَحْو خمسين ألفا من التّرْك وَالْعرب وَأَخذه من النَّصَارَى وَقتل مِنْهُم أَلفَيْنِ وَسَبْعمائة نفس، وَهَذَا الْحصن كَانَ قد عمره حُسَيْن بن كَامِل بن حُسَيْن بن سُلَيْمَان بن الدوح الْعمريّ المرثدي الْكلابِي وَمَعَهُ جمَاعَة من المعرة وَكفر طَالب وضياعهما فِي سنة سِتّ وَخمسين وَأَرْبَعمِائَة وأكمل عِمَارَته فِي مُدَّة يسيرَة فتعجب النَّاس لسرعة عِمَارَته. ثمَّ فِي سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة اقْترض عز الدولة مَحْمُود من الرّوم أَرْبَعَة عشر ألف دِينَار وَرهن وَلَده نصرا عَلَيْهَا وعَلى هدم الْحصن الْمَذْكُور، فَجمع النَّاس من المعرة وَكفر طَالب على هَدمه، وَللَّه قَول من قَالَ:
(وهدّوا بِأَيْدِيهِم حصنهمْ
…
وأعينهم حزنا تَدْمَع)
(عجبت لسرعة بُنْيَانه
…
وَلَكِن تخريبه أسْرع)
وَالله اعْلَم.
ثمَّ دخلت سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا غلت مصر حَتَّى أكل بعض النَّاس بَعْضًا ونزح من الْقدر، وَاحْتَاجَ الْمُسْتَنْصر فباغ ثَمَانِينَ ألف قِطْعَة بلور كبار وخمسا وَسبعين ألف قِطْعَة من الديباج وَأحد عشر ألف قزاغند وَعشْرين ألف سيف محلى وَوصل من ذَلِك مَعَ التُّجَّار إِلَى بَغْدَاد.
ثمَّ دخلت سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَأَرْبَعمِائَة: فِيهَا قطع مَحْمُود بن نصر بن صَالح بن مرداس بحلب خطْبَة الْمُسْتَنْصر وخطب للقائم العباسي.
وفيهَا: سَار ملك الرّوم أرمانوس بجموع من الرّوم والجركس والروس وَوصل ملاز كرد، فَسَار إِلَيْهِ ألب أسلان وَسَأَلَ الْهُدْنَة فَامْتنعَ ملك الرّوم فَاقْتَتلُوا، فَانْهَزَمَ الرّوم وَقتل مِنْهُم مَا لَا يُحْصى وَأسر أرمانوس، ثمَّ أطلقهُ ألب أرسلان على هدنة وَمَال وَأسرى.
قلت: وَحمل ألب أرسلان ملك الرّوم بازيا وَخرج يتصيد ممتهنا لَهُ بذلك، ثمَّ أعْتقهُ وجهز مَعَه جَيْشًا عَظِيما من التّرْك فَإِن الرّوم ملكوا عَلَيْهِم غَيره وَوَقعت بَين الأول وَالْآخر حروب وَالله أعلم. وفيهَا: قصد أتسزين أبق الْخَوَارِزْمِيّ من أكبر أُمَرَاء ملكشاه بن ألب أرسلان الشَّام، وَأخذ الرملة والقدس من المصريين وَحصر دمشق وَلم يملكهَا.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد الفوراني الشَّافِعِي وَله الْإِبَانَة.
قلت: أَخذ عَن الْقفال الشَّاشِي وصنف فِي الْفُرُوع وَالْأُصُول وَالْخلاف والجدل والملل والنحل وَله فِي الْمَذْهَب الْوُجُوه الجيدة وطبق الأَرْض بالتلامذة، وَقيل: كَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَهُوَ شَاب يحضر حلقته والفوراني لَا ينصفه لكَونه شَابًّا فَبَقيَ فِي نَفسه فَمَتَى، قَالَ فِي النِّهَايَة: وَقَالَ بعض المصنفين كَذَا وَغلظ فِي كَذَا وَنَحْوه، فمراده الفوراني - بِضَم الْفَاء - أَو القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم.
وفيهَا: توفّي أَبُو الْوَلِيد أَحْمد بن عبد الله بن أَحْمد بن غَالب بن زيدون الأندلسي الْقُرْطُبِيّ من أَبنَاء فُقَهَاء قرطبة وانتقل وخدم المعتضد بن عباد صَاحب أشبيلية ووزر لَهُ، وَمن شعره الْفَائِق:
(بيني وَبَيْنك مَا لَو شِئْت لم يضع
…
سرا إِذا ذاعت الْأَسْرَار لم يذع)
(يَا بَائِعا حَظه مني وَلَو بذلت
…
لي الْحَيَاة بحظي مِنْهُ لم أبع)
(يَكْفِيك أَنَّك لَو حملت قلبِي مَا
…
لم تستطعه قُلُوب النَّاس يسْتَطع)
(ته أحتمل واستطل أَصْبِر وعزأهن
…
وول أقبل وَقل أسمع ومرأطع)
ونونيته الْمَشْهُورَة مِنْهَا:
(تكَاد حِين تناجيكم ضمائرنا
…
يقْضِي علينا الأسى لَوْلَا تأسينا)
وَله الرسَالَة الزيدونية، وَشَرحهَا الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن نَبَاته الْمصْرِيّ فِي مجلدين.
وفيهَا: فِي ذِي الْحجَّة توفّي بِبَغْدَاد الْخَطِيب أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ بن ثَابت الْبَغْدَادِيّ إِمَام زَمَانه، وَمِمَّنْ حمل جنَازَته الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ، وَله تَارِيخ بَغْدَاد ينبىء عَن اطلَاع عَظِيم كَانَ من الْحفاظ المتحرين فَقِيها غلب عَلَيْهِ الحَدِيث والتاريخ، مولده فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين وثلثمائة، وَهُوَ حَافظ الشرق وَأَبُو عمر يُوسُف بن عبد الْبر صَاحب الِاسْتِيعَاب حَافظ الغرب وَمَاتَا فِي هَذِه السّنة وَلَا عقب للخطيب وصنف أَكثر من سِتِّينَ كتابا ووقف جَمِيع كتبه.