المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌صفة قتل أمير تيماء - تذكرة أولي النهى والعرفان بأيام الله الواحد الديان وذكر حوادث الزمان - جـ ٦

[إبراهيم بن عبيد آل عبد المحسن]

فهرس الكتاب

- ‌ثم دخلت سنة (1385 ه

- ‌أخطار تهدد بني الإنسان

- ‌ المدير العام للمعارف السعودية سابقًا الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع

- ‌ذكر الوظائف التي نالها

- ‌وفاة رئيس الجمهورية العراقية

- ‌إعادة السلام بين الهند وباكستان

- ‌إذاعة جديدة

- ‌ثم دخلت سنة (1386 ه

- ‌شباب سعوديون يتخرجون من الجامعات الأمريكية

- ‌حادثة غريبة

- ‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

- ‌قتل عالم من العلماء

- ‌الأوساط الإسلامية تناشد الرئيس جمال عبد الناصر

- ‌إعدام الشهيد

- ‌مولده وحياته

- ‌تعذيب الإخوان المسلمين

- ‌نوع آخر من التعذيب

- ‌ركن ينهد في شرقي المملكة

- ‌ أمير المنطقة الشرقية سعود بن جلوي

- ‌تشييع جنازته

- ‌عواصف شديدة ورياح مزعجة تهب على الشرق الأوسط

- ‌عقوبات للمفسدين وتنكيل بالمخربين والمعتدين

- ‌ثم دخلت سنة (1387 ه

- ‌ذكر ما جرى فيها من الحوادث

- ‌حرب بن العرب وإسرائيل

- ‌ذنوب تحيط بأهلها وعقوبات عاجلة

- ‌تراجع العرب إلى جبهة القتال

- ‌المرابطة في الجبهة

- ‌أعمال الأسد الجريح

- ‌قتل المشير عبد الحكيم عامر

- ‌ذكر الأهوال والأحداث المريرة التي جرت من اليهود

- ‌ذكر ما جرى بعد نكسة حزيران

- ‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

- ‌كائنة غريبة

- ‌ذكر الحرب الأهلية في نيجيريا

- ‌ذكر ما حصل من القتل والتشريد

- ‌تلفزيون القصيم

- ‌ذكر مقام إبراهيم عليه السلام

- ‌نافورة الريع

- ‌ثم دخلت سنة (1388 ه

- ‌مكة المكرمة تستهدف لأمطار غزيرة

- ‌ذكر ضحايا ذلك السيل

- ‌طعنة في الصميم

- ‌احتلال اليهود مطار لبنان

- ‌خلع رئيس الجمهورية العراقية

- ‌وفاة عالم ديني

- ‌ الشيخ سليمان الناصر السعدي

- ‌أخلاقه وشمائله

- ‌وفاة أمير القصيم سابقًا

- ‌عفوه وتجاوزه

- ‌أخبار عن وزير الدولة شلهوب

- ‌مصائب تنزل بالعالم

- ‌ذكر ما جرى فيها من الحوادث

- ‌ذكر شيء من إصلاحات الملك فيصل

- ‌ثم دخلت سنة (1389 ه

- ‌عدوان صارخ أثيم

- ‌أعمال الفدائيين

- ‌ذكر ما جرى فيها من الحوادث

- ‌إمارة فهد بن محمد بن عبد الرحمن

- ‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

- ‌اعتداء أثيم

- ‌المبنى الكبير للجامعة الإسلامية

- ‌مصاب عظيم وركن ينهل في عاصمة المملكة السعودية

- ‌ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله

- ‌دروسه وتدريساته

- ‌مقامات المترجم في الإسلام

- ‌تلامذة الشيخ محمد

- ‌تنبيه

- ‌ثم دخلت سنة (1390 ه

- ‌ذكر وفاة الزعيم جمال عبد الناصر

- ‌رياح تجتاح باكستان

- ‌فصل المعاهد العلمية

- ‌كشف طبي

- ‌رحلتنا إلى قطر عالم (1390 ه

- ‌التعريف بقطر

- ‌الاعتراف بالجمهورية اليمنية

- ‌بناء برج الرياض الحديث

- ‌مجازر أهوال تصيب العالم

- ‌فائدة عظيمة النفع

- ‌تخريج أناس من تحفيظ القرآن

- ‌ثم دخلت سنة (1391 ه

- ‌جراد في أفريقيا يلتهم ما مر عليه

- ‌شعب يتعرض للإبادة

- ‌ذكر ما جرى على المسلمين هناك من الخزي والتعذيب والهلاك والدمار

- ‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

- ‌ الشيخ محمد حسين نصيف

- ‌وفاؤه وكرمه

- ‌وممن توفي فيها

- ‌وممن توفي فيها من الأعيان

- ‌وممن توفي فيها من الأعيان

- ‌ذكر شيء من نباهة المترجم وسياسته

- ‌شر عظيم وبلاء مستطير تعانيه باكستان

- ‌التهديد بحرب عالمية

- ‌موقف المملكة العربية السعودية

- ‌ضرب فيتنام

- ‌المعهد الفني في الظهران

- ‌ذكر ما جرى فيها من الحوادث

- ‌إنشاء الهاتف الآلي

- ‌النظر إلى الماضي والحاضر

- ‌وفاة عالم من العلماء

- ‌ فالح بن مهدي

- ‌أخلاقه وصفاته

- ‌تنبيه

- ‌ثم دخلت سنة (1392 ه

- ‌رحلتنا إلى الجهة الشمالية الغربية

- ‌تيما والحديث عنها

- ‌صفة قتل أمير تيماء

- ‌محتويات تبوك

- ‌رحلتنا إلى الحجر

- ‌الوجه وموقعه والحديث عنه

- ‌مسيرتنا إلى ضباء

- ‌محتويات ضبا

- ‌مرئياتنا في مدين

- ‌ترتيبه لفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌أعماله التي كان يمارسها

- ‌غريبة من الحوادث

- ‌إصلاح مجاري مدن المملكة

- ‌حادثة من الحوادث

- ‌إنشاء مصنع كسوة الكعبة

- ‌أمطار على الأماكن السعودية

- ‌كتب أثرية ومخطوطات نادرة تلتهمها النيران

- ‌إعصار وفيضانات تضرب الفلبين

- ‌إسلام 450 مسلمًا بأفريقيا

- ‌ثم دخلت سنة (1393 ه

- ‌نشاط التعليم

- ‌زيارة الملك للقصيم

- ‌حادثة غريبة ونادرة عجيبة

- ‌انتهاك العراق الحدود الكويتية

- ‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

- ‌ذكر كارثة في معرض باريس

- ‌ذكر ما جرى فيها من الحوادث

- ‌قدح الزناد والحرب بين العرب وإسرائيل

- ‌الجبهة السورية وشدة موقعها

- ‌أعمال الفدائيين

- ‌خديعة أمريكا للعرب وخيانتها

- ‌فشل المؤتمر الذي سعى به كيسنجر

- ‌استدراك لما فات

- ‌رحلتنا إلى حائل

- ‌المعهد الزراعي

- ‌محطة بترومين

- ‌حالة عمّار

- ‌ الشيخ حسن إسماعيل الهضيبي

- ‌ذكر المحن التي مرق عليه

- ‌نشأته

- ‌مشائخه

- ‌شمائله وأخلاقه

- ‌وصمة عظيمة لولا الوقوف بطريقها

- ‌المرصد الفلكي

- ‌تكوين المسالخ في أمهات المدن

- ‌ثم دخلت سنة (1394 ه

- ‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

- ‌ عمر السقاف وزير خارجية المملكة العربية السعودية

- ‌مشائخه

- ‌حادثة غريبة

- ‌التعويضات

- ‌سحب المياه لمدينة الطائف

- ‌عجائب الشفاء

- ‌زيارة الملك لمصر والاحتفال هناك

- ‌أبشع مجزرة بشرية في القرن الرابع عشر

- ‌اضطهاد المسلمين في زنجبار

- ‌ثم دخلت سنة (1395 ه

- ‌حادث أليم في هذه السنة

- ‌صفة الحادث

- ‌استشهاد الفيصل العظيم رحمه الله

- ‌ كر ما جرى بعد ذلك

- ‌تنبيه لما سبق

- ‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

- ‌نشوب الحرب في لبنان

- ‌ثم دخلت سنة (1396 ه

- ‌ضرب المخيمات في لبنان

- ‌تقدم الزراعة في السعودية

- ‌ذكر من توفي فيها من الأعيان

- ‌بيان من وزارة الداخلية

الفصل: ‌صفة قتل أمير تيماء

أتباعه في أواخر أعوامه والتطورات التي جرت في المناطق وهم غافلون طيلة أيامه الماضية غير عالمين بها فأخذوا يشعرون بالقنوط لحياتهم المزرية التي يعيشونها نتيجة تعسف الأمير عبد الكريم.

‌صفة قتل أمير تيماء

بينما كان عبد الكريم خارجًا من المسجد الذي في قصره وكان هذا المسجد صغيرًا بالنسبة إلا أنه تقام فيه صلاة الجمعة كان خروجه وقت يلاقي حتفه بعد صلاة الجمعة إذ فاجأه ابن عم له يدعى فارس بن عبيد الله بن ثويني بن رمان وكان من جملة الناقمين عليه فأطلق عليه النار وأرداه قتيلًا ولكنه قام على فارس عبيد القصر فقتلوه شر قتلة ومزقوا جثته شر ممزق ففي مسجد هذه القلعة لقي الحاكم الأخير من أسرة آل رمان مصرعه وذلك في اليوم السادس من شهر أكتوبر تشرين الأول عام (1950 م) الموافق يوم الجمعة 23/ 12 / 1369 هـ، ولما أن جاءت الأنباء البرقية إلى صاحب الجلالة الملك عبد العزيز باغتيال أمير تيماء أصدر أوامره بإعدام القاتل على الفور ولكن القاتل كما ذكرنا لقي حتفه وقتل شر قتلة وكان من الطبيعي أن يخلف عبد الكريم ابنه الأكبر عبد العزيز إلا أنه بالنظر للاضطرابات التي اجتاحت المنطقة فقد أصدر الملك عبد العزيز بن سعود أوامره إلى خالد بن أحمد السديري أمير تبوك أن يتوجه بقوة كافية إلى تيماء في الحال وذلك ليتأكد من أن النظام قد استتب هناك وبما أن الظروف يقتضي برأي من يقول أن برجس بن محمد بن ثويني بن رمان بن عم القتيل هو الذي يتولى زمام السلطة في تيماء وذلك بعد وقوع الكارثة فإنه هو الذي سلم منطقة تيماء إلى حكومة ابن سعود لدى وصول خالد السديري. هذا وقد دعي برجس المذكور مع أبنائه الثلاثة وشقيقه وحفيده وابن أخي عبد الكريم الإقامة بالرياض كضيوف على الملك أما الابنان الصغيران للمرحوم عبد الكريم، فقد أقاما في مدائن صالح حيث سمح لهما بالبقاء هناك وسمح لأخ القاتل سعود بن عبيد الله بالبقاء في تيماء ولما أن قدم

ص: 211

الأمير خالد إلى تيماء أشرف على تهدئة الأحوال فيها وكان ذلك في التاسع من شهر أكتوبر تشرين الأول ثم أنه شق في وسطها شارعًا تصل منه السيارات إلى القصر ورتب شئون الحكم فيها حتى بعث الأمير عبد العزيز بن مساعد أمير حائل أحد رجاله وهو الأمير عبد الله بن إبراهيم الشنيفي فتولى إمارة تيماء في أوائل سنة (1370 هـ) ولما أن كان في سنة (1384 هـ) تولى الإمارة بعد المذكور في تيماء الأمير سليمان بن يوسف الشنيفي واستمر في إمارتها. ومن العجائب أن الأمير عبد الكريم قد دمر الضاحية الغربية وتركها خرابًا يبابًا لا يرى من أن في وجودها هناك تهديدًا لسلامته ثم أنه عاد على الضاحية الشرقية وأصابها ما أصاب أختها بعد خمس سنوات ودمر هذه الضواحي عمدًا حتى لا يمكن أن يختبئ فيها غاز طامع أو يختفي آية جموع يقوم بها ابن سعود لغزو المنطقة بقصد احتلال الواحات وفعل تلك الأفاعيل ليوطد مقامه ودمر هذا الطاغية آبارًا ونخيلًا ولم يقدر المسئولية عندما أقدم على تلك الأفعال خشية من عدو بعيد فأقدم على اغتياله في عقر داره ابن عمه وما أغنى حذر من قدر. أما عن الناحية الدينية والإدارية والتعليمية ففيها جامع كبير أنشئ حديثًا على الطراز الحديث ومساجد أخرى سوى مسجدها الأثري. وفيها محكمة شرعية راودتني الحكومة أيدها الله أن أتولى رئاستها عام (1372 هـ) لكني رفضت الذهاب إليها لبعد المسافة بينها وبين الوطن وقد امتدت المعالجة في هذا الشأن قرابة خمسة شهور وأخيرًا سامحتني الحكومة جزاها الله خيرًا لما رأت أن لا رغبة لي فيها. وفيها إدارة شرطة وإمارة عامة واطلعت على مدرستين ابتدائيتين فيها إحداهما للأولاد والأخرى للبنات ويبالغ بعض الرواة من جهة إقبال الأولاد على التعليم وارتفاع منسوب التلاميذ. أما عن الناحية الصحية فإن مناخها جيد جدًّا وصحي وجوها قابل للزراعة وموضعها الاستراتيجي قابل للسكنى وبكل حال فإنها مدينة قابلة للتقدم لو وافقت عناية ولكن أهلها يعيشون على الطريقة البدائية بحيث كانت الحديقة الصغيرة يشترك فيها أفراد كثيرون ويسقيها على العموم بئر هداج المتقدم ذكرها. أما عن قصر السموئل فهو كائن في موضع

ص: 212

مرتفع من الأرض يقع في غربي المدينة وقد بقي منه بقية آثار الحيطان العامة من الحجر وهو واسع جدًّا محاطة بقدر المدينة العظيمة وكان مساحة عرض الحائط ثلاثة أذرع بقدر 150 سنتيمتر وأطلاله تدل على القوة والعظمة وهذا القصر هو حصن الأبلق الذي تضرب الأمثال بمنعته فتقول الأمة تمرد مارد وعز الأبلق وكان لهذا الحصن شهرة عظيمة وهو الذي كان يسكنه السموئل وكان فوق تل مطل على تيماء ولا يستطيع أحد إذ ذاك الدنو منه وقد تهدم على مر السنين ويظهر لي أن مبانيه الداخلية مقامة من الطين فآثار اللبِن بادية آثارها وفي هذا الحصن يقول الأعشى:

كن كالسموئل إذ سار الهمام له

في جحفل كسواد الليل جرار

جار بن حيا لمن نالته ذمته

أوفى وأمنع من جار ابن عمار

بالأبلق الفرد من تيماء منزله

حصن حصين وجار غير غدار

والأبلق الذي ذكره هو حصن السموئل بناه أبوه عاديًا بن رفاعة بن ثعلبة بن حيا ابن عاديا بن رفاعة بن الحارث بن ثعلبة بن كعب بن عمرو بن مزيقياء اليهودي والدليل على أن داخله من لبن وصف صاحب معجم البلدان له بأن فيه آثارًا مبنية من لبن فرؤيتنا لهذا القصر العظيم دليل على أنه يضم غرفًا ومباني وذكر أن أول من بناه عاديًا أبو السموئل، فأما السموئل فهو المعروف صاحب الحماسة والفخر المتوفى في سنة 62 قبل الهجرة وتضرب الأمثال بوفائه وذلك لأنه لما أراد امرؤ القيس الشاعر الذهاب إلى قيصر ملك الروم أودع عند السموأل دروعًا فلما مات امرؤ القيس غزاه الحارث بن ظالم أر الحارث بن أبي شمر الغساني بقوة وطلب منه تسليم الدروع وكانت مائة درع مزخرفة فتحرز منه السموأل فأخذ الحارث ابنه وكان قد خرج للصيد وهدده بقتل ابنه إن لم يسلم الدروع وقال بعدما صاح بالسموأل فأشرف عليه هذا ابنك بين يدي فإن دفعت إلي الدروع وإلا ذبحت ابنك فقال أجلني فأجله فجمع أهل بيته وشاورهم فأشاروا كلهم بدفع الدروع وكان الحارث قد ادعى أن امرؤ القيس ابن عمه ومن عشيرته وهو أحق بميراثه فلما

ص: 213

أصبح أشرف على الحارث وقال ليس إلى دفع الدروع من سبيل فاصنع ما أنت صانع فقتل الحارث الابن الشاب والأب مشرف ينظر إليه ثم انصرف بالخيبة فوافى السموأل بالدروع الموسم ودفعها إلى ورثة امرئ القيس وقد امتدحه الأعشى وذكر قصة ذبح ولده وهو ينظر إليه في القصيدة الرائية التي تقدم بعضها قال السموأل بن عاديا يفتخر بقومه وما لديهم من الفخر والحماسة:

إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه

فكل رداء يرتديه جميل

وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها

فليس إلى حسن الثناء سبيل

تعيّرنا إنا قليل عديدنا

فقلت لها إن الكرام قليل

وما قل من كانت بقاياه مثلنا

شباب تسامى للعلى وكهول

وما ضرنا أنا قليل وجارنا

عزيز وجار الأكثرين ذليل

لنا جبل يحتله من نجيره

منيع يرد الطرف وهو كليل

رسى أصله تحت الثرى وسمى به

إلى النجم فرع لا ينال طويل

هو الأبلق الفرد الذي شاع ذكره

يعز على من رامه ويطول

إذا سيد منا خلى قام سيد

قؤل لما قال الكرام فعول

وأسيافنا في كل شرق ومغرب

بها من قراع الدارعين فلول

سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم

فليس سواء عالم وجهول

وفي هذا الموضوع قال الشاعر الأعشى مشيرًا إلى سليمان بن داود:

أرى عاديًا لم يدفع الموت ماله

وفرد بتيماء اليهودي أبلق

أقام ذراه بن داود حقبة

له أزج سام وطي موثق

براري كبيدات السماء ودونه

بلاط ودارات وكلس وفندق

له درمك في رأسه ومشارف

ومسك وريحان وراح تصفق

وحور كأمثال الدمى ومناصف

وقدر وطباخ وصاع وديسق

فذاك ولم يعجز من الموت ربه

ولكن أتاه الموت لا يتأبق

ص: 214

وحديثي عن تيماء وتاريخها القديم طويل لا تتسع له هذه الأوراق، ولما أن سرنا من تيماء إلى جهة الشمال كان الخط مسفلتًا كما بينها وبين المدينة المنورة لأن الحكومة أيدها الله رأت أن يمر بها الطريق لتستفيد حياة ونشاطًا وكان مسيرنا بعد مغادرتها في أرض واسعة الأرجاء فيها حزوم وأودية صغار إذا قد تبرَّت القليبة وبينها وبين تيماء 128 كيلومترًا كان أميرها سابقًا هو عبد العزيز بن عبد الله بن وائل التويجري من أهالي بلدة الطرفية في القصيم، وكان فيه رجولة وآداب وذو همة عالية وكرم لذلك كان أمير تبوك يختصه ونقله إليه ليقوم بمهام الأمور هناك وكان من أسرة كريمة فأخوه محمد بن عبد الله بن وائل من رجالات القصيم وفيه شهامة وله عقل راجح وميل إلى الدين والعقيدة، ومن إخوانه عبد الرحمن بن عبد الله بن وائل إمام قرية الطرفية ومن رجال الفضل والدِّين، أما عن إمارة القليبة فوكالة يقوم بها الوكيل وإمام القرية عبد الله بن محمد بن عريض بالعين المهملة المضمومة من أهالي مدينة بريدة وفيه أخلاق وكرم دعانا في رجوعنا إلى ضيافته فوجدنا لديه كفاءة ومقدرة إضافة إلى ذلك دين وعبادة مع ما كان يتعاطاه من الأعمال المنوطة به، والقليبة تحتوي على مركز للشرطة ومحطة تلغراف لاسلكي وعلى مستوصف ومدرسة ابتدائية وفي الجبال الغربية منها يوجد آثار كتابات بالعبرانية ويسقيها على العموم بئر ارتوازية انفجرت من قعر 2000 قدم وأدخلت دورة المياه في البيوت وحوالي القليبة مركز فجر يقع إلى الجهة الشرقية بمسافة 70 كيلو وإلى جهة الغرب مركز الأخضر بمسافة 90 كيلو، وفي هذه الجهة الغربية الجنوبية مركز المعظم بمسافة 100 كيلو وعشرة كيلوات وإلى جهتها الشرقية الشمالية مركز الجبعاوية بمسافة 120 كيلو وكل مركز فإنه قد ملئ بجنود ودوريات لإحلال الأمن وراحة المواطنين وكلها يسودها الأمن والطمأنينة وذلك بفضل عناية أمير العاصمة تبوك سليمان بن تركي السديري بعد عناية الله ولما أن سرنا منها مسافة 135 كيلومترا في تلك الفيافي إذ بانت لنا أعلام مدينة تبوك التي تبعد عن القليبة بـ 136 كيلومترًا قدمنا إليها والساعة تشير إلى الساعة الرابعة عربي من

ص: 215

ضحى اليوم الثالث من شهر رجب المحرم عام (1392 هـ) وفي هذه المناسبة جادت القريحة بهذه القصيدة تبين شيئًا عن تلك الرحلة:

ففي صبح يوم السبت عجنا بموضع

به خاتم الرسل الكرام الأطاهر

محمد المبعوث للناس رحمة

عليه صلاة من عظيم وغافر

وأزكى سلام إذ يحف مباركًا

يعم ضريحًا حله خير طاهر

نزلنا به وقت الضحى في مسيرنا

فأكرم بدار حلها ذو المفاخر

بثالث أيام لشهر محرم

أصم له فضل أتى في المخابر

تزيد على تسعين مثنى لهجرة

ثلاث مئين بعد ألف لساطر

فاصغ لما أبدي كفيت نوائبًا

وقاك إله الخلق من كل ضائر

ومن بعد ذا سرنا إلى نحو وجهة

نريد تبوكًا نبتغي للمآثر

وفي خيبر عجنا لرؤية موقع

سمعنا به يروى قديمًا لآخر

ففيها جرى من سيد الخلق وقعة

رواها رجال من ثقات أقادر

يقولون سارت أمة الحق جهرة

لفتح حصون شادها كل كافر

وفيها عتاة من خلائق ربنا

دهتهم جنود خصمهم غير ضائر

أولئك أصحاب النبي وحزبه

فأكرم بهم قومًا حظوا بالمفاخر

فسبحان ربي من عظيم مهيمن

أعاد وأبدى قاهرًا كل قاهر

وفي بعض ضرب الأرض للناس عبرة

ليطلعنا ربي على فعل غابر

وآثار أقوام تولوا وأعرضوا

فعاقبهم ربي بسطوة قاهر

أولئك عاد مع ثمود ومن مضوا

وأمة لوط إذ سعوا في المناكر

كذا مدين إذ أمطروا وابل الردى

فصب عليهم جاحمًا ذا سعائر

فأما ثمود قد مررنا بدارهم

فقد عمهم ربي بصيحة قاهر

وكم من أناس قد أبيدوا بظلمهم

فأمسوا وقد باءوا بإحدى الفواقر

عياذًا بربي من أليم عقابه

وصولة عز من عظيم المقادر

وكنت أنادي صحبنا أن تمهلوا

لكي نر من أطلال تلك المآثر

ص: 216

ومن بعد ذا سرنا على الدرب غدوة

على مركب هايلكس في صبح باكر

مررنا بتيما إذ سمعنا بذكرها

قديمًا وقد كانت بلاد مآثر

وفيها لعمري من مرائي سموئل

وبئر عظيم شادها فعل قادر

وجدنا كريمًا من شباب مثقف

يسير أمام الركب ليس بغادر

فقلنا له رفقًا فمثلك محسن

تفضل علينا يا كريم العناصر

أولئك قوم قد أتوا لمهمة

ورؤية أوطان ورصد مآثر

نريد لهداج إذا قد دللتنا

ومن أين مأتاها يا كريم العشائر

فأبدى سرورًا باللقاء تفضلًا

يقول هلموا مبديًا للبشائر

فقلنا له يا قوم نحن أعزة

شمائلنا بذل الندى في المحاضر

نحب ذوي الإيمان طبعًا وفطرة

ونهجر من لا يرعوي عن مناكر

فسار إمام القوم يشرح درسها

وينبأ بأخبار تفيد لسابر

يقول انظروا فعل القرون التي مضت

وما قد أشادوا من حصون الدساكر

وقفنا بها وقتًا نقلب طرفنا

مضخاتها قد أبدلت عن أباعر

وفيها رسوم من جسور تبقيت

وفيها عديد من بقايا القناطر

وقصر عظيم قد أشيد مشرف

وكم قد رأينا من رسوم دوائر

ألا أيها الصحب الكرام ألا اصبروا

نشاهد آثارًا لنأتي بالمصادر

ونرجع من أخبارها نرتوي لها

فليس سماع كالوقوف بناظر

وسرنا نشق البيد نحو مرامنا

نؤم ديارًا صاعبات القناطر

نسير وما زلنا نتابع سيرنا

إلى أن قدمنا موطنًا ذا مفاخر

فقام أمير القوم يبدي كرامة

وهيا من مطلوبنا كل حاضر

سليمان من يدعى السديري مقدم

هو ابن لتركي ماهر وابن ماهر

فقد قام في بذل الجهود بسيرنا

وتسهيل مطلوب وخدمة سائر

رجالًا وأموالًا تحف بقوة

لنا أمننا بين الربى والقناطر

فأكرم به شهمًا وأنعم به أخًا

أديب أريب ما له من مناظر

ص: 217

لقد بذل المجهود في سد ثغره

وأَمَّن أوطاننا بحكمة قادر

فهذا قليل من كثير تركته

وحسبي لقد جئنا بعشر العشائر

ولما أن قدمنا العاصمة تبوك طفقنا نسأل عن بيت رئيس المحاكم هناك الشيخ صالح بن محمد بن عبد الله التويجري أن الشيخ صالح كان من زملائنا في الدراسة على الشيخ عمر بن محمد بن سليم وفي الدراسة على الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي، وما أن علم بقدومنا حتى جاء يحيينا لأنه كان في إجازة تلك الأيام وأعد لنا مائدة دعا إليها الأعيان وعلى رأسهم سعادة الأمير سليمان بن تركي السديري ووجدنا لديه ضيوفًا من قرابته وكان الأمير سليمان شابًّا نشيطًا يستقبل الأعمال الشاقة ويحلها بسعة صدر ورحابة جأش لا يتأثر لشيء من الأعمال وما يرد إليه من مهام الأمور ودعانا إلى مأدبة العشاء في قصره وأطلعنا على أشياء من الأواني القديمة التي يدخرها الرجل العربي ويحافظ على تقاليد أمته فكان لديه متحف يضم عمودًا من الحجر الأخضر الذي تدق به القهوة والبهارات في مهراس من الحجارة المهندسة وبكرة من آلات السانية ودلو كبير وهو الغرب ولما أن علم بأنا سنلقي موعظة تناول الهاتف ودعى إلى المسجد رؤساء الدوائر من بينهم مدير الأمن في المنطقة (الزعيم توفيق خالد علندا) وكانت مائدة الأمير حافلة تدل على كرمه وبعد مضي ثلاث ساعات من الليل ذهبنا إلى بستان الشيخ صالح فاستقبلنا الحارس وكان يمنيًّا يعمل في البستان ويحمل سراجًا لتقلبه بين الأشجار في ظلمة الليل فوضعه أمامنا وجعل أصحابنا يناولونه فناجين القهوة وأكواب الشاي ويتحدث معنا وأهدينا له بعض الإرشادات والبيان عن التبغ والقات ومفاسدها وقد أنسنا منه قبولًا ويعتذر عما كان عليه بعض اليمنيين من الجهل لعدم وجود تعليم لديهم. أما عن القات فإنه لا يزال يمتدحه ويقول إنه يقوي العروق وينعش النفس وغير ذلك من مقتضيات ما يوحي إليه عقله وهواه، وكنت أعجب من إخلاصه في سقي البستان طوال الليل وقد يرسل صوته في الفضاء على ألحان اليمانيين ولغتهم ولو قلت أنه ما نام ساعة من الليل لكنت صادقًا وكان في معيته اثنان من العمال لكنه

ص: 218