الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأسد فقد لا يوجد لانفصال قارة أفريقيا عن آسيا بحفر قناة السويس وهي موجودة بكثرة في أفريقيا وفي جبل اللوز أنواع من النباتات قد لا توجد في غيره ووددت لو سمحت الظروف بدخوله والتجول فيه ولا سيما ونحن معنا من السلاح ما يحفظنا بإذن الله لأخذ فكرة عنه غير أنه لا يكفي للتمكن من رؤيته عدة أيام فضلًا عن الساعات وكان ينحدر منه بعض أودية تتفرع من وادي أقل الذي ينبع من جبل اللوز الكبير وإذا كان ارتفاع منطقة الحصمة حوالي 4000 قدم فوق سطح البحر كما يبلغ ارتفاع أعلى قمة فيها 5000 قدم أو أكثر فإن جبل اللوز وهو الوحيد يبلغ غاية في الارتفاع وقد شاهدنا قمم سلسلة جبال مدين تمتد شاهقة أمامنا إلى علو يقارب 7000 قدم، ومن العجائب كون بعض الصخور رملية متآكلة تحتوي على مواد صلدة وثابتة اللون ورغم تقلب عوامل الجو كالريح والأمطار والشمس عليها آلاف السنين فقد قاومتها وجعلتها عاجزة عن محو فن المعمار الممتد إلى هذه الأزمنة محوًا تامًّا كما هو مشاهد في ديار ثمود وبلاد مدين أصحاب الأيكة.
مرئياتنا في مدين
لما أن غادرنا أقبال وزهد تبدت لنا أعلام البدع في اللغة الحديثة أو مدين بلاد شعيب صلى الله عليه وسلم فقدمناها في الساعة الثالثة بالغروبي تزيد 45 دقيقة من صباح يوم السبت 10/ 7 / 1392 هـ وهي التي توجه إليها موسى عليه الصلاة والسلام لما فرّ من فرعون وقومه خشية القتل فقصدنا قصر الإمارة حسب التعليمات وكان الأمير فيها متعب بن زيد الأيادي العنزي ويقوم بالنيابة عنه أخوه سلطان بن زيد إذا كان غائبا وكان سلطان شابًّا في التاسعة عشرة من العمر ضرب اللحم طلق المحيا نشيطًا في عمله طيب النفس عذب النطق جذابًا في تعطفاته فقام مبادرًا بالتحية والاستقبال وبدرنا بأن الغداء يكون عنده، أما القاضي هناك فهو فضيلة الشيخ محمد بن مسلم -بإسكان السين- بن سعيد بن عثيمين الدوسري، وكان ابن عم
الشاعر محمد بن عبد الله بن عثيمين صاحب الديوان فكان الشيخ محمد بن مسلم يتصل بآل مبارك وصاحب الديوان يتصل بآل سعد وكان من جملة الحاضرين في مجلس الإمارة معي عمره في الرابعة عشرة وهو نجل الأمير متعب بن زيد الأيادي أقامه الوكيل معي لإزالة وعثاء السفر فدلني على دورة المياه وهذا من تمام العناية فركبنا في سيارة من سيارات الأمن إلى بيت الأمير للاغتسال والتحمم وقد كان موجودًا في ذلك الحمام ماء بارد ومناديل وخدمة وبعد خروجي وجدت أصحابي ينتظروني فذهبنا للسلام على القاضي بعد أداء ركعتين بعد الوضوء ولما أن دخلنا عليه كان إلى جانبه كاتب أسمر اللون ولا يتجاوز عمره الثلاثين أما عن الشيخ محمد فقد قام من فوره للسلام وأداء التحية تاركًا بعض أشغاله، وكان قصير القامة أشمط الشعر ويتمتع بنشاط وعزم وكان في آخر العقد السادس من عمره وتقدم إلى نحو باب المكتب فأجلسنا معه وأمر بالطيب والقهوة والشاي وعرض علينا دعوة العشاء بحيث ورده دعوة الأمير كغيره من الرؤساء للغداء ثم طلب إجابة دعوته من الأمير والوجهاء والرؤساء وعرضنا عليه ما قمنا به من رؤية الآثار فلبى طلبنا وأحضر أحد أجزاء البداية والنهاية للحانظ ابن كثير يستعرض بلاد مدين ثم ركب معنا في سيارتنا الخاصة وهو يقول إنني ما تمشيت فيها منذ قدومي لهذا البلد ولي أربع سنين، وذكر أن فضيلة رئيس القضاة الشيخ محمد بن إبراهيم ابتعثه للقضاء في هذه الجهة لمدة أربعة أشهر وقد امتدت إلى أربع سنين ويظهر من كلامه تضجره من تلك البلاد النائية ويامل أن ينقل ويا ليته لا ينقل إنه عالم متمسك بدينه وهو خير لهم ثم إنه ذهب بنا إلى جبل الرغام الواتع في شرقي البلد وبينا نحن نمشي هناك نجد آثار الحيطان مقامه من الحجر والجص وفي ذلك الجبل نجد آثار القبور بائنة فيها وآثار النيران القديمة موجودة وهناك آثار شق عظيم يظهر أنه موضع خسف يبلغ عمقه خمسة أمتار في غيران الجبل المحاذي له من جهة الغرب موجود فيه بيوت منحوتة كبيوت ثمود لكنها أقل نسبيًّا منها وقد اندفن شيء منها على مر السنين ولكنها أصلب حجارة من مدائن صالح، وفي الجهة الأخرى بيوت واسعة جدًّا كان
تصميم البيت مكونًا من مجلس وإلى جوانبه حجر جمع حجرة منحوتة ووجدنا بيتًا فيه ما لا يقل عن عشرة خنادق كأنها في نحتها الهندسي مخازن للطعام أو قبور وهناك سرب في بطن الأرض مظلم لا يمكن النزول فيه إلا بحبل ولا يصعد قط إلا بحبل وهو كهيئة السجن فيما يبدو وتلك الآثار لم تتغير عن وضعها القديم اللهم إلا ما كان من سواقي الرمال التي دفنت جزء منها ويوجد هناك آثار الآنية القديمة من الفخار ولا ريب أن مدين كانت في قديم الدهر مساكن عامرة وتدل على قوة أهلها وما زلنا كذلك حتى سئمنا من الصعود والنزول ولم نتمكن من رؤية بئر موسى وكان للقاضي بستان كغيره من السكان فيه مجموعة من أشجار العنب والنخيل والبطيخ وقوامها على آبار يصبونها من الإسمنت ويقدر عمقها بعشرة أمتار تقريبًا، ومما وقفنا عليه موضع في مرتفع من الأرض يسمونه قرية الفسقية مرتفعة كربوة فيها آثار حجارة متداعية وآثار بيوت وآثار بروج ولا أدري عن اشتقاق هذه اللفظة ولقد جئنا بشيخ من السنين فقال إنها تعرف ببئر السعيدني وأنها تسقي الحجيج من السنة إلى السنة ويقول فضيلة القاضي أنها كانت تسقي ألف سقية، وبعد صلاة الظهر ذهبنا إلى دعوة الأمير التي حضرها الزعماء ومشائخ القبائل ومن ضمن هؤلاء شيخ البلد ورئيسه سليمان بن علي البحيري، أما قبيلة العميرات فشيخهم الحاضر بن فايز وخصر بن حماد، أما قبيلة المساعيد فشيخها الطرفاوي وسليمان بن علي الدهينة جعل أولئك الرؤساء يقدمون دعواتهم ويطلبون تمديد الإقامة غير أنا أقنعناهم بأن لبثنا إلى صلاة العشاء الآخرة، أما ما كان عن شيخ البلدة ورئيسها سليمان بن علي البحيري فلم يقنع وجعل يبدي أسفه الشديد بحيث لم يكن له فرصة لجلوسنا في بيته وكان يقول أيها يا ابن مسلم وابن أبيدي لم يكن لي حظ من الشيخ ورفقته وكان رجلًا أبيض اللون طويل القامة ممتليء الجسم على رأسه غترة بيضاء وفوقها العقال الأسود وكان كريمًا سخيًّا من رجالات مدين فأقنعته بحيث لم نتمكن من البيتوتة والجلوس من الغد بأن سنشرف بيته بعد العصر إذا سمحت الظروف وكان من عزمنا أن نذهب إلى مركز الشيخ
حميد أو اللسان الذي هو من أبعد المراكز السعودية بحيث كان يبعد عن مدين بواحد وستين كيلو وهو على مقربة من الحد إلى جهة إسرائيل فسرنا إليها وكان في الطريق (مقنا) وهو أيضًا مركز هناك، أما عن مركز الشيخ حميد فإنه لا يتجاوز بعده عن كيلوين من مطار إسرائيل وكان فيه جنود مرابطين بصورة مستمرة على الساحل يرقبون حركات اليهود وسكناتهم كان لديهم جهاز مخابرات واستعداد للطوارئ ويرأس ذلك المركز ناصر فارس العتيبي أدينا صلاة العصر في ذلك المركز وأحاطوا بنا يقدمون ما لديهم من كرامة وكان المعروض مع القهوة والشاي تمرًا يابسًا رغم أن اليوم يوافق السادس والعشرين من برج الأسد وكان من توفيق الله أننا كنا نحمل حبات من القثاء أهداها إلينا الشيخ محمد بن مسلم فقدمناها لهم هذا ونحن نحدثهم ونشجعهم على الحفاظ فيما وسد إليهم ولزوم الثغر الذي هم فيه وكانوا مخلصين ولديهم شهامة وشجاعة وبين أيديهم المنظارات وحواليهم مخزن قد أعد فيه قوة هائلة وذخيرة، نعم كانوا مرابطين وفي سلاح الحدود جزاهم الله خيرًا.
ولما كان يوم حنين أخبر الرسول أن هوازن خرجت عن بكرة أبيها بظعنهم ونعمهم ونسائهم واجتمعت في حنين فقال الرسول عليه الصلاة والسلام من يحرسنا الليلة فقام أنس بن أبي مرثد القنوي وقال أنا يا رسول الله قال اركب فركب فرسه وذهب إلى أعظم الثغور حيث وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما رجع بعد صلاة الفجر سأله هل رأى أحدًا قال لا يا رسول الله فسأله هل نزلت الليلة قال لا إلا مصليًا أو قاضي حاجة فقال له الرسول قد أوجبت فلا عليك أن لا تعمل بعدها أي أتيت بعمل يوجب لك الجنة فنسأل الله تعالى أن يحمي حرزة الدين وينصر الإسلام والمسلمين، ثم رجعنا إلى مدين وذهبنا مساءً إلى الزعيم سليمان البحيري بحيث كان بانتظارنا حيث تناولنا عنه الشاي والقهوة وشيئًا من الفاكهة وقدم لنا قنوان النخل فيها رطب وبسر وأتي أيضًا قنوان النخلة الحلوة التي ملئت السيارة يقول تصدقوا به على من وجدتم فطلب منا فضيلة الشيخ القاضي أن نؤدي صلاة المغرب في الجامع الكبير ونلقي فيه موعظة وذكر أنه واعد الأمة بذلك وكان
بتواضعه بعدما صلى خلفي زحف وترب وكان الوقت مناسبًا جدًّا، وهذه رغبة في الانطلاقة التي كنت عليها في الوعظ والتذكير إذ كان مكبر الصوت موجودًا فألقيت عليهم موعظة جامعة شاملة أسمعتها الأمة المجتمعين في الجامع والجالسات في بيوتهن، إذ كان الحاضرون يتقدمهم الأمير والرؤساء وبعد فراغها أدوا التحية والإجلال وذهبنا إلى موضع قد أعده الأمير أمام قصره ليتناول الند والطيب وكان المجلس برحة من دون حائط قد فرشت بالمفروشات الحسنة، وما أن اطمأن بنا المجلس حتى جاء مندوب القاضي يدعونا إلى وليمته التي دعي إليها الكبراء والمدراء والرؤساء وعلى رأسهم الوكيل وقد طلبوا منا تكرير الزيارة وتعلقوا راجين تحقيق ذلك وطلبوا منا السعي في جلب وعاظ ومرشدين إلى جهتهم ليعلموا ويبينوا ويرشدوا ثم سرنا راجعين إلى تبوك. أما عن محتويات مدين فإنها كما يلي:(1) مركز إمارة (2) محكمة شرعية (3) شرطة وأمن (4) مستوصف (5) تلغراف لاسلكي، وفيها مسجد تقام فيه صلاة الجمعة وأربعة مساجد عادية وفيها مدرسة ابتدائية أما عن حقل فهو تريب من العقبة وهو من آخر المراكز السعودية فكان يقع جنوب العقبة بما يقارب من 25 كيلو وقد قيل إن العقبة هي أيلة التي ذكرها الله بقوله:{وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ} ولما أن قدمنا إلى تبوك من الغد ذهبنا للسلام على الأمير سليمان التركي الذي كان قد عيل صبره في انتظارنا وقد التقينا بمكتبه بالأخوين العالمين عبد الرحمن بن حماد العمر وإبراهيم بن عبد الله بن ناصر بن عتيق وكانا قد طلبا من الأمير صراحة بالذهاب إلى الأردن ليأخذا جولة ويعظا ويرشدا وقد طلبوا مني صحبة المذكورين لكني لست راغبًا في الذهاب إلى تلك الجهة، أما ما كان عن عين تبوك التي تقدمت الإشارة إليها فقد يوجد لها ذكر كثير نشرته المؤلفات العربية وذكر ياقوت الحموي في معجمه أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر ابن غريص بإسكان الباء اليهودي بطي هذه البئر وهذه هي الواقعة بجوار المسجد الذي أشرنا إليه وكان يجاور المسجد من جهته الشرقية مقبرة قديمة محاطة بسور ويذكر المؤرخون بأن هذه القبرة تضم رفات أناس
من الصالحين من هؤلاء ذو البجادين الذي فرّ من عمه ونعيمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان قبل ذلك ينتظر إسلام عمه فلما لم يسلم عزم على الهجرة إلى الرسول فتوعده عمه ابن أسلم أن يسلب منه جميع ما أعطاه ولما أن جرى من العم ذلك وجرده من ثيابه ناولته أمه بجادًا فقطعه نصفين اتزر بأحدهما وارتدى بالآخر وسار إلى الرسول فسمي ذا البجادين فلما تنعم برؤية الرسول ولقائه وأقر الله عينه بذلك مؤثرًا خشونة العيش والعري إذا لم يحصل القصود إلا بذلك وافاه أجله في غزوة تبوك وقضى نحبه فصلى عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وحمل إلى لحده وأبو بكر وعمر يدليانه ولما صف عليه لبناته وأراد أن يخرج من القبر ليهيلوا عليه التراب رفع الرسول يديه وقال: "اللهم إني قد أمسيت راضيًا عنه فارضَ عنه" فصاح ابن مسعود يقول: يا ليتني كنت صاحب القبر.
ولما أن رأى الأمير سليمان عزمنا على السير طلب منا الإقامة لديه حتى يكون السفر ليلًا وبعد تناول مائدته التي دعا إليها أناسا من الأعيان ومن بينهم عاشق اللحاوي شيخ الشرارات كما أن مع الدعوين فضيلة الشيخ رئيس المحاكم صالح التويجري وكان الأمير قدس الله روحه قد عرض على زيارة المسجد الأقصى ويا حبذا لو حصل لنركع فيه ونسجد ما تيسر لنا هناك ولكنه يعكر الأجواء استيلاء اليهود عليه فهذا الذي قد فتّ من عزمنا أما ما كان من عاشق اللحاوي فإنه قام بدعوة لنا إلى الجوف وما إلى ذلك غير أنا أقنعناه بأن الظروف لا تسمح بذلك ولكننا وعدناه بذلك آجلًا ثم ركبنا الطريق راجعين.
وفيها في ضحى 14/ 12 نشب حريق في حفيز عبد الله بن محمد الكبير في قلب مدينة بريدة الكائن في البرحة الواقعة إلى جهة الشمال عن الجامع الكبير فاضطرمت النيران وسببت حريقًا فكانت ألسنة النار ملتهبة مخيفة في زمجرتها والرياح تصفر في لهبها فهب رجال المطافئ والدفاع المدني إلى ذلك الموضع مرتدين حلل الكفاح والعمل وجاءوا بحدهم وما يستطيعونه ليدفعوا ذلك الخطر المحدق وليقضوا على ألسنة النار المندلعة بين الحفيرات والخلائق بعد ما نهزم كل من كان
مجاورًا للنار بنفسه وانطلقوا فارين تاركين أموالهم وما يملكونه. ولقد كاد أن يعجز رجال المطافئ عن القضاء على ذلك الحريق لأنه زاد الطين بلة ما كان في تلك الحفيزات من الطيب الكالونيا الذي كان مادة عظمى للحريق كالبنزين غير أن الله تعالى وقى الأنفس البشرية من الهلاك وخمدت النيران بعدما التهمت كل ما أتت عليه فكانت مخلفاتها كومة من الرماد.
وفيها وفاة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم قدس الله روحه ونوّر مرقده وضريحه وهذه ترجمته: هو العالم الزاهد الورع التقي أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي القحطاني النجدي، ولد في قرية البير من قرى المحمل على بعد مائة كيلو عن مدينة الرياض في الشمال الغربي سنة (1312 هـ) فأخذ يتعلم القرآن حتى حذقه في سن مبكرة ونشأ في عبادة الله وطاعته ثم أخذ يطلب العلم وكان في أخلاقه أنه متواضع متقد الفكر صريح لا يملق ولا يداهن ولقد اتفقت به في مكة المكرمة في أوائل شهر ذي القعدة من عام (1361 هـ) حينما حججت بيت الله الحرام حجتي الثالثة بحيث كنت مبكرًا في الحج فبعث إلي أحد الأحبة يطلب مني مواجهته في مكتبه الحرم الشريف وكنت لا أعرف شخصيته غير أني طلبت منه أوصافه لأعرفه بها فقال لي تجد رجلًا طوالًا أسمر اللون يعني قد لوحته الشمس سريع الحركة ملتهبًا متواضعًا فحينما دخلت المكتبة المذكورة وكان يتولى إدارتها إذ ذاك محمد بن سياد الطبرستاني شيخ كريم الأخلاق حسن المعاملة جلست إلى جانب الشيخ عبد الرحمن بن قاسم وكنت عرفته بأوصافه التي وصف بها غير أني ويا للأسف سألت إنسان إلى جاني أهذا ابن قاسم فأجابني بأنه ليس هو وكان لا يعرفه، وكان الموعد بيننا في الساعة الثالثة وبعد مضي ثلاثين دقيقة أصغيت في أذنيه وهو إلى يميني فقلت له يا أخي إن بيني وبين الشيخ ابن قاسم موعدًا في الساعة والدقيقة ففزع واستوى قائمًا وبدأني بالتحية والمصافحة والتقبيل، وهكذا كنت واعتذر بعدم المعرفة ثم أنه أطبق كتابًا بين يديه في أصله دفترًا كبيرًا أراه يكتب ويمحي ويحمع فيه العبارات وهو مسودة حاشيته على شرح زاد المستقنع، وأخذ
بيدي بعد تبادل التحية الحارة وذهب بنا إلى بيته مارًا بالسوق حيث أخذ حبات من القثاء ودخلنا ثم جاء بالقهوة والشاي ثم جاء بالقثاء ووضعه على السفرة وبينما كنت أحادثه كلمته بيا شيخ فقال أرجو أن لا تخاطبني إلا باسمي فإنه أحب إليّ ولما أن استفسرته عن هذا اللقاء الذي من الله به علينا أبدى فرحه بذلك لما يحب على الإخوان من الاجتماع وتبادل الحديث ثم ذكر أن الشيخ محمد بن عبد اللطيف آلف الشيخ بعثه إليّ لما علم بقدومي إلى مكة لأن أنسخ له شرح السنة للبغوي، فذكرت له أن شرح السنة كبير ويحتاج إلى وقت طويل، غير أنه أبدى لي أن ناسخين يشتغلان فيه من جهته بحيث أن الكتاب ليس بموجود إلا في كتب خانة وهي مكتبة الحرم المكي، وبعدما أبديت عذرًا أنني غريب وليس لدي مسطرة ولا حبر أسود ولا أقلام للنسخ تكون صالحة أجاب بأن أعمل على حسب القدرة وأن كل شيء فموجود في مكاتب باب السلام فاتفقت بالشيخ محمد رحمه الله ووجدت رغبته في ذلك العمل وأما المسطرة فلدى فلان الحاوي مسطرة صالحة فسهل الله الأمور وكنت عند حسن ظنهما بي فكنت أخذ الكراسة واذهب ليلًا فانقل ما تيسر حوالي أحد المصابيح في رحبة المسجد الحرام. وفي السنة التي بعدها كنت أوافيه في المسجد الحرام بعد المغرب والعشاء وجرى بيننا البحث في فضائل الشيخ عمر بن محمد بن سليم لأنه قد توفي في تلك السنة فأثنى على الشيخ عمر وذكر ماله من المناقب وترحم عليه وأثنى على تلامذته بما ذكرناه عنه عند ذكر تلامذة الشيخ عمر رحمه الله، وكان الرجل متواضعًا حسن المعاشرة والمحادثة وجعل يثني على الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ويذكر مقاماته في الإسلام ونصرته له خاصة والدفاع عنه وتأييده له نعم كان الشيخ محمد بن إبراهيم مناصرًا للشيخ عبد الرحمن بن قاسم ومدافعًا عنه بل وعن غيره بجاهه العريض وماله من الوجاهة عند الحكام فإنه قد يكون سدًا عظيمًا ودرعا حصينًا يلوذ به في حياته المنكوبون والمغلوبون ولما للشيخ محمد بن إبراهيم من المواقف الدينية الجبارة التي يقفها لله عز وجل فلا يوقف في طريقه وذلك لأن الشيخ بن قاسم كان لا تأخذه في الله لومة لائم ومن