الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شرب بولهم وإعطائهم الطَّعام العفن وعدم السماح لهم بارتياد دور المياه إلا مرَّة واحدة في الأسبوع حتَّى تضعف قواهم البدنية، ومما قال الأمير محمَّد بن إسماعيل الصنعاني المتوفى سنة (1182 هـ) في التحذير من الظلم وكيف طاب لهم التنزه في الحدائق والمنتزهات وإخوانهم في السجون:
فيا عصبة ضلت عن الحق والهدى
…
ومالت إلى أفعال طاغٍ وفاجر
بأي ملوك الأرض كان اقتداؤكم
…
فما لكم في فعلكم من مناظر
أنافستم الحجاج في قبح فعله
…
ففعلكم في الجور فعل مفاخر
ويا وزراء السوء يا شر فرقة
…
وأخبث أعوان لناه وآمر
إلى أي حين في الضلالة أنتم
…
جهلتم بأن الله أقدر قادرٍ
فما يفعل الدجال مثل صنيعكم
…
فلا تتشمتوا من بعد هذا بكافر
إذا كان هذا حال قاضٍ وعالم
…
وحال وزير أو أمير مظاهر
ولم تنتهوا عن غيكم فترقبوا
…
صواعق قهار وسطوة قادر
فما الله عما تعملون بغافل
…
ولكنه يملي لطاغٍ وفاجر
وقد أرسل الآيات منه مخوفًا
…
ولكن غفلتم عن سماع الزواجر
رماكم بقحط ما سمعنا مثله
…
وحبس سحاب الإغاثة ماطر
نوع آخر من التعذيب
كان يؤتى بالبعض منهم في أثناء طابور الصباح ويصفونهم في ساحة أمام زملائهم السجناء ويطلقون عليهم الكلاب المتوحشة التي سبق تجويعها لأيام عديدة لكي تنهش من لحوم المسجونين بينما يشاهد هذا المنظر المزعج الفجرة من حكام القاهرة وزبانيتهم، أما الأقوياء الذين صمدوا لكل أنواع هذا التعذيب فكان يؤتى لهم بالمومسات القذرات العاريات ليقمن بأعمال تتنافى والأخلاق وينهالون عليهم بالشتائم والإهانات والتهكم على الله سبحانه وتعالى وعلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام بنكات وعبارات يقشعر لها البدن فعياذًا بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، أما الذين فشلت كل أنواع التعذيب فيهم فيرسلونهم إلى
أماكن بعيدة جدًّا في الصحراء الغربية حيث لا ماء ولا طعام لكي يموتوا جوعًا وعطشًا (1) قالت الناشرة لهذه الأوضاع ولقد شاء الله لي أن أقابل بعض هؤلاء والذين أفرج عنهم في عام (1963 م) فرأيت آثار التعذيب الوحشي على أجسامهم فأحدهم وهو مدرس لغة عربية بإحدى المدارس الثانوية رأيت أثر الكسر في أذنه من جراء وضع السيخ المحمي من الحديد فيها وآثار أخرى على ظهره من أثر الكي بالحديد المحمي وآخر رأيته وقد تشوه ظهره من آثار نهش الكلاب وآخرون كثيرون عذبوهم وأصيبوا بعاهات مستديمة هذا بعض مما روته الرواة الذين شاهدوا تلك المخازي ونحن نذكر قصَّة عن رئيس زبانية عبد الناصر وهو حمزة البسيوني أنَّه لما دفع إليه أحد الأخوان المسلمين للتعذيب فأمر برفعه بقدر متر عن الأرض وأوقد النَّار لشيِّه، قال المعذب: يا الله يا رب، يستغيث بالله، فقال المجرم استهتارًا بالله وتحديًا له: أقسم بحياته لو أن الرب نزل من فوق سبع سماوات لسجنته في زنزانة 14.
وفي رواية أنَّه قال: أقسم بشرفي وحياتي لو أن الله نزل من فوق سبع سماوات لسجنته سجنًا اضطراريًّا فقدِّر أنَّه انقلبت به سيارته فدخل الحديد في رقبته وذهبوا به إلى مستشفيات مصر لكنها رفضت علاجه فهلك ثم غسلوه وكفنوه وذهبوا به إلى أحد المساجد للصلاة عليه فلما حمل نعشه وأرادوا أن يدخلوه في المسجد امتنع المسجد من قبوله وعجزوا عن الدخول به في المسجد فوضعوه في الشارع للصلاة عليه هذه قصَّة أقسم رواتها بالله العظيم أنَّها معلومة مشهودة. أما خارج السجون فكان يرسل باستمرار بعملاء مدربين من النساء والرجال لأهالي المسجونين لإقناعهم وإرغامهم بالتخلي عن ذويهم وتوجيه الإهانات لهم وللزوجات بطلب الطلاق من أزواجهن، وللأسف قد نجحوا إلى حد ما ولكن بعضًا من الأسر عرفت مكرهم ورفضت ألاعيبهم مما حدى بعبد الناصر إلى أن يأمر بالاستيلاء على كل ما لدى هذه الأسر وطردهم من مساكنهم وتركهم بدون مأوى وطعام وعدم مد يد
(1) نشرت ذلك جريدة القدوة عن إحدى المرزوآت وهي إصلاح سهيل.
المساعدة لهم وفرض عقوبات إرهابية على كل من تسول له نفسه بمدهم بأي معونة، هذا بعض من كل وسنعود إلى المقصود (1).
وممن توفي فيها من أعيان أهالي بريدة إبراهيم السليمان الجربوع رحمه الله تعالى وعفا عنه وهذه ترجمته هو الشَّيخ البارع في الرجولة والدهاء والمعرفة والكرم والنبل والفضل رئيس العقيلات وأحد أعضاء أهل الضبط والربط في عاصمة القصيم إبراهيم بن سليمان بن عبد الله بن عبد الكريم بن سليمان بن محمَّد بن علي بن جربوع من قبيلة شمر من سنجارة من فخذ المختار رئيس الفخذ الحايق ولد في سنة (1310 هـ) بمدينة بريدة فنشأ في رعاية والده وكان والده محبًا للعلم وأهله فأدخله والده مدرسة الشَّيخ ناصر السليمان بن سيف وكانت المدارس إذ ذاك آهلة بالطلاب وكلها أهلية في تعليم حروف الهجاء بالألواح الخشبية ثم يتنقلون بالتدريج إلى السور القصار من القرآن الحكيم حتَّى تتصلب معلوماتهم فيعلمون الاستفتاح والتشهد والسير في تعلم القولين وهناك يجدون بعض المبادئ في الخط والحساب ثم تعلم من كتاب في بريدة عراقي كان يعلم إذ ذاك الصبيان وبعدما حفظ القرآن وتعلم الخط والحساب وبلغ الخامسة عشرة من العمر اشتغل بالتجارة في المواشي وجلبها من أنحاء المملكة إلى سوريا وفلسطين ومصر والعراق ودام على ذلك مشتغلًا بالمواشي ويجوب أقطار المملكة لهذا الغرض مما أورثه معرفة الطَّريق والهداية في ظلمات البر والبحر فكان خريتًا ماهرًا في الدلالة يتساوى عنده السير بالليل أو النهار ولقد كان الترجم مشهورًا من بين العقيلات في أسفارهم يختارونه ليسير في مقدمة القوافل لمعرفته بالطرق ومتاهات الصحاري ولما كان ذات مرَّة يسيرون في الحماد قادمين من الشَّام إلى القصيم ثار الجدل بين الذي كان أميرًا
(1) أعلم أن سبب ذكر هذا الابتلاء والامتحان ليتذكر الإنسان نعم الله سبحانه وتعالى وليوطن نفسه على نوائب الدهر ويعرضها على الحديث الشريف "أشد النَّاس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون الأمثل فالأمثل"، نسأل الله تعالى أن لا يبتلينا وأن لا يمتحننا إنَّه جواد كريم.
للقافلة وبين بعض الرفقة الدعو عبد العزيز بن حماد الذي كان من كبراء العقيلات هذا يقول الطَّريق يمينًا وإبراهيم يقول يسارًا حتَّى حصل النزاع بينهما فعند ذلك أمر الترجم بنزول القافلة إلى الأرض للراحة ولا أن نزلوا جعل يقلب القربة ثم وجه كلامه إلى المعارض يقول الطَّريق يسار فوافق عبد العزيز لكنَّه بغير اقتناع، ولما أن سارت القاقلة ليلًا طويلًا مسافة غير قصيرة وطلع الفجر قال: إن أمامكم قوز وهي جبال مجتمعة وستكون موضع راحتنا بعد هذا السري نزولنا يمنة منها ولما أن نزلوا بالقرب منها وظهرت أشعة الشَّمس نادى بأعلى صوته أحد الرفقة قائلًا يا إبراهيم النودلي اذهب إلى ذلك الموضع لجبل من تلك الجبال فستجد فيه شدادًا أي رحلًا وزمزمية سقطت فيه العام الماضي بسب جفول حصل على الإبل فذهب وجاء بها فتأكد الرفقة واطمأنوا إلى كلامه وكان إلى ذلك مقدامًا شجاعًا له مواقف مشهورة فيما يضطره إليه الزمان ومقدمًا في أصحابه فإذا سافرت قوافل تجارية للبلدان المجاورة في المواشي وهو فيهم فهو الأمير لأنَّه مهيب ومحبوب وأديب ولما أن تلاشت تجارة المواشي في البلدان المذكورة ترك الأسفار وجلس في مدينة بريدة موقرًا معززًا لدى الملوك والعلماء والوجهاء محترمًا ووجيهًا لدى ولاة الأمور مقبول الشفاعة مقدمًا ومعظمًا أضف إلى ذلك أنَّه في عداد أهل الدين محافظًا على الصلوات مع الجماعة وما زال في حالاته التقدمية حتَّى وافاه الأجل في 17 ربيع الأوَّل من هذه السنة.
ولقد حضرت إحدى دعواته لوليمة العشاء حينما وجه إلي دعوة فلما أن قال تفضلوا على الميسور قام يعتذر بقوله لقد كان من العلوم بأن كل واحد منكم أحسن منا طعامًا وإنما أجبتم جبرًا لخاطرنا فاسأل الله أن يثيبكم ويكتب خطواتكم فعجبت لهذا الأدب وحسن التواضع وكان له أخوة من بينهم عبد الله بن سليمان عليه آثار الصلاح وكان مرض المترجم بالضغط وخلف سبعة أبناء فالله المستعان.
وممن توفي فيها الزَّاهد العابد والعالم الفاضل أبو حماد عبد الله بن حماد الرسي من القبلان في بلدة الرس ولد في عام (1308 هـ) فنشأ في عبادة الله
متعفِّفًا صالحًا صبورًا على حلو الزمان ومره، وكان قليل ذات اليد لكنَّه متكل على الله عز وجل ومفوض أمره إليه ويتمتع بحسن الخلق ورحابة النَّفس حتَّى لكأنه غني.
ومما جرى من خوارقه أن زوجته جاءت إليه من آخر النهار وهو يقرأ في مدارج السالكين للحافظ ابن القيِّم فشكت إليه أنهم لا يجدون قوتًا للأولاد تلك الليلة وكان مكبًا على المطالعة لابسًا نظارتيه فقال لها يأتيك رزقك واستمر في المطالعة ولم يلتفت إليها فلما أن أوشكت الشَّمس من الغروب رجعت إليه تقول يا أبا حماد التفت يمنة أو يسرة للصبية أمَّا أنا وأنت فنصبر على الجوع فرد عليها برفق ولين يقول: يأتيك رزقك. يكرر هذه اللفظة ولا يزيد عليها ثم إنَّه قام للصلاة مع الجماعة ولما أن رجع من صلاة المغرب وجد صينية مملوءة من الأرز والجريش وعليها اللحم وأنواع الخضار وقد أهديت إليهم ذلك بأن رجلًا لديه ضيوف وقد أعد لهم طعامًا كثيرًا فلم يأتِ إلَّا بعضهم وكان قد كفاهم صينية ففكر في الثَّاني وقال لزوجته اذهبي به إلى بيت الرسي فعسى أن يكونوا بحاجة إليه فذهبت به إليهم ولما رآه زاهدنا قال لزوجته قلت لك يأتيك رزقك فأكلوه هنيئًا مريئًا وحقق الله ظنه فيه وهذا من صدق اليقين وقوة التوكل. وركب ذات يوم في سيارة لزيارة أقرباء له في الرياض فكان سائق السيارة ممن ابتلاهم الله بتناول التتن ولديه وقاحة لأنَّ بعض المبتلين به كالجعل الذي يدهده الخرء بأنفه لا يأنف من ذلك ويظن النَّاس مثله فنصحه بأن لا يجاهر به قائلًا يا أخي إنَّه مضر ولا تعجبنا رائحته فلم ينته ثم أنَّه امتص سيجارته ونفخ بالدخان في وجهه علاوة على رده للنصيحة فبكى لهذه الإهانة ورفع طرفه إلى السماء ودعا عليه بأنه يخصه الله بعقوبة من بين الركاب فقدر أنَّها توقفت السيارة عن السير فنزل ورفع الكبوت لتفقد المكينة فثارت النَّار في وجهه وصار مشوهًا بحرق حاجبيه وشعر عينيه وأهدابها، وما حصل على وجهه فذهب إلى المترجم يريه كيف صنع الله به ويسأله أن يسمح عنه ويعاهده أن لا يعود.
وهذه صفته: كان قصير القامة أبيض اللون ممتلئ الجسم شنن اليدين والرجلين قد تأثرت عيناه من كثرة المطالعة والبكاء من خشية الله باحمرار عليه آثار الصَّالحين وشعار المتقين وبما أنَّه هادى الطبع وفقير فإنَّه لا يؤبه له ويصدق عليه وصف النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في وصف الدنيا بقوله: "الدُّنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له"، رواه أحمد والبيهقيّ وقوله:"طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفَّع" رواه البُخاريّ.
أما مشائخه الذين أخذ العلم منهم فقد لازم الشَّيخ عبد الله بن حسين أبا الخيل وأخذ عنه وأخذ عن الشَّيخ عبد الله بن محمَّد بن دخيّل وأخذ عن الشَّيخ محمَّد بن مقبل وأخذ عن الشَّيخ عبد الله بن محمَّد بن سليم وأخذ عن الشَّيخ عمر بن محمَّد بن سليم وأخذ عن الشَّيخ عبد العزيز بن إبراهيم العبادي وكان من جملة أحبابنا وزملائنا مع أنَّه يكبرني بستة وعشرين سنة وبيني وبينه صداقة فكنا فخرج إلى قرية المريدسية وخبّ البريدي وغيرها لزيارة الأخوان هناك كآل سعوي وآل خضيري وآل سويد وغيرهم ممن يحبنا في ذات الله ونحبه وتحصل قراءة وتذكير ونجد هناك قبولًا وأخوانًا لنا في الله ويحمل دائمًا كتبه للوعظ والإرشاد والإفادة وقد تولى وظائف في الإمامة والخطابة في بعض الهجر وآخر وظيفة نالها إن كان في هجرة وثيلان من أعمال السر إمامًا ومرشدًا وفقيهًا ومدرسًا في المساجد وكان رجب الصدر حليمًا فلا يغضب ولا يحقد ويتعلم منه صغار طلاب العلم ويتحمل ما يناله من الأذى وقد أخذ عن الشَّيخ عبد الله بن محمَّد بن غدًا العالم الزَّاهد حينما كان الشَّيخ في المريدسية وقد أوذي في الله وصبر ثم أنَّه أسن ولزم بيته ويتردد إلى مجالس الذكر حتَّى توفي في هذه السنة عن عمر يناهز التاسعة والسبعين رحمه الله وعفا عنه.
وممن توفي فيها من الأعيان الشَّيخ محمَّد بن الشَّيخ عبد الله بن الشَّيخ عبد