الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
استشهاد الفيصل العظيم رحمه الله
-
لما قتل في الساعة الثالثة صباحًا بالغروبي أعلن الديوان الملكي بالرياض بعد صلاة الظهر من اليوم المذكور نبأ استشهاد الفيصل رحمه الله وهو يصرف شؤون الدولة ويواصل نهجه في البناء والتطوير وما أن أذيع النبأ حتى ذهل الناس جميعًا وأصابهم الوجوم والحزن وأغلقوا متاجرهم وتركوا بيوتهم متوجهين إلى قصر الحكم في الرياض بين مصدق ومكذب وغير مصدق وإلى دور الإمارات في داخل المملكة والسفارات في خارجها فوجدوا الأعلام منكسة وإذا الخبر حقيقة والفيصل الغالي ينتقل إلى الرفيق الأعلى، فعمّ الحزن وانهمرت الدموع لوعةً وحسرة على الفقيد الراحل طيب الله ثراه، كما حضرت الألوف المؤلفة من داخل المملكة وخارجها لتشييع جثمان الشهيد إلى قبره ولتعزية الأسرة المالكة وهم يتلون قوله تعالى:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30)} وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولما نودي بالصلاة عليه بعد العصر من اليوم الرابع عشر وحمله ودفنه وسار نعشه فوق الرؤوس كنت لا تسمع إلا البكاء والابتهال والنداء بذكر الله جهرًا وحصلت ضجة عظيمة شديدة وزحام عظيم واشتد الخطب وعظم المصاب وشقت الجيوب من بعض الأنام وانطلقت بالرثاء الأقلام، وكنت ممن وفد للصلاة عليه وتشييع جثمانه فرأيت حالة يرثى لها وحاملي النعش من الأسرة السعودية من بين الأمة قد رفعوا أصواتهم بالبكاء وسباباتهم بذكر الله جهرًا فكان مشهدًا أليمًا ولبست بعض الجهات السواد لموته، وذلك لأنه سقط في ساحة الشرف في سبيل القضايا العربية التي وقف حياته لها ولفظ آخر أنفاسه في خدمتها قالت الرياض في أحد أعدادها (قلوب الناس لم يخف حزنها وعيون لم تجف دمعها) إن قلوبنا لن يخف حزنها وعيوننا لم تجف دمعها بفقيد بطل العروبة والإسلام فيصل بن عبد العزيز رحمه الله الذي ترك فينا ألمًا وحزنًا مصيبة برحيله عنا فقد كان يعيش في قلوبنا في أفكارنا في كل حياتنا إن الفيصل العظيم زرع حياتنا أمنًا ورخاءً وسرورًا ورفاهية
وجعلنا قمة في هذا الوجود قمة في حياتنا فقد جعل الشعب السعودي المثل الذي يحتذى به ولم يكن الشعب الذي قاده الفيصل الباني إلى القوة والجد وأسس نهضته العارمة وحده ولكن الشعوب العربية والإسلامية قادها بطل الأبطال إلى بناء مجدها وعزها وتوحيد صفوفها ووقف في كل المنابر يدعو إلى الخير والفضيلة يدعو إلى السلام والعدل إلى آخر كلامه.
ونشرت هذه الجريدة لإحدى نساء الأسرة كلمة عنوانها: القائد الملهم. ماذا بعد فيصل، وماذا بعد الذي حقق الخير والسلام في أرجاء العالم، أبعد فيصل أبعده قائد داع إلى السلام في العالم الإسلامي والعربي إن هذه لخسارة عظمى وفادحة كبرى بعد فقد هذا الرجل الذي ضحى بكل حياته وراحته وسعادته في سبيل الرفاهية لهذا الشعب المخلص الذي تمنى أنه فقد أعز ما يملك من المال والبنين في سبيل حياة الفيصل ولكن هذا قضاء الله وقدره أن هذا الشعب الذي ذرف الدمع الغزير على فقيد هذه الأمة ألا وهو الفيصل الشهيد لا يفي حقًّا من حقوقه العظيمة ولا نقطة من دمه التي خرجت من جسمه الطاهر على يدٍ أثيمة وهو على مكتبه يجاهد من أجل المقدسات الإسلامية ومن أجل إسعاد هذه الأمة وفي سبيل إعلاء كلمة التوحيد لا إله الله محمد رسول الله التي لا تفارق ذلك الفم، إلى أن قالت: فيا لهول هذه الخسارة على الأمة الإسلامية والأمم التي تنشد السلام فإن القلوب ذابت والعيون عمت من شدة البكاء وإنني أكتب هذه الأسطر التي لا تفي الفيصل حقه وأنا لا أكاد أرى سطرًا من سطورها من شدة الدموع وكل هذا لا يجزي فيصل الشهيد الأب الحنون المرحوم والابن البار لشعبه وأمته والرجل المتواضع في جميع أعماله وفعاله فيا رب وفق خليفته خير خلف لخير سلف وبارك في مساعيهم وخذ بأيديهم ليسلكوا الطريق الذي سلكه الفيصل وبارك في مساعيهم وخذ بأيديهم ليسلكوا الطريق الذي سلكه الفيصل وبارك في مساعيهم وخذ بأيديهم واجعل خالدًا وفهدًا محروسين تحت حراستك وتحت حمايتك واجعل فيصلًا في جنة الخلد مع الشهداء الأبرار والصالحين من عبادك وأظله تحت ظلك
يوم لا ظل إلا ظلك واجبر مصيبتنا وأحسن عزاءنا وثبت أقدامنا على طاعتك واقهر أعداء الدين وانصر عبادك الموحدين، واجعل هذا البلد تحت ظل الليك وولى عهده آمنًا وسائر بلاد المسلمين يا الله.
قالت أيضًا هذه الجريدة تحت عنوان (رحم الله الراحل العظيم) رحمك الله يا فيصل العرب والمسلمين رحمك الله يا شهيد الأمة العربية والإسلامية رحمك الله قائدًا فذًا وحكيمًا نافذ البصيرة ثاقب الرأي ملكت عرش القلوب في وقت اضطربت فيه الموازين وتفرقت فيه الأمة العربية شيعًا وتألبت فيه قوى الشر وتحيرت فيه وسائل الأعلام ضد مواقفك التاريخية في دعوة التضامن العربي ودعوة التضامن الإسلامي فاستطعت بما منحك الله من الصبر والحلم والحكمة والجلد والحزم والتسامح من ترأب الصدع وتجمع الكلمة وتوحد البلاد العربية وتشد من أزر دول المواجهة وأن تساهم في معركة رمضان المبارك العسكرية وما تبعها من معارك سياسية واقتصادية لا تزال آثارها قائمة وكنت المرجي بعد الله في إصلاح الأمور بما عرف عنك من سداد الرأي والجزم وحسن الإدارة والجلد والثابرة والصبر والحلم والتواضع، وبعد النظر وبدأت جهادك بل واصلت جهادك الشاق ورسالتك العظيمة مستلهمًا من الله العون والرشاد وملتمسًا من إخوانك ورجالك المخلصين العون ومسترشدًا في سياستك وقيادتك مبادئ المغفور له مؤسس الدولة السعودية وموحد الجزيرة العربية تلك المبادئ التي أهمها الحلم والحزم والتسامح والتواضع فكنت أخًا وخادمًا وقائدًا فتحققت على يديك العجزات بفضل الله ثم بفضل قيادتك الرشيدة وأطالت الجريدة في تعداد مواهبه وفضله وتسامحه مع خصومه كل ذلك لأجل جمع كلمة العرب سعيًا وراء وحدة الصف وأثنت على نهضته بالملكة حضاريًا واقتصاديًا بحيث جردت كثيرًا من دول أفريقيا من علاقاتها السياسية والاقتصادية من القوى الصهيونية إلى آخر الثناء على الفقيد، قال غازي القصيبي يرثي الملك فيصل بن عبد العزيز:
فارس القدس اقفر الميدان
…
وهوى البند واستراح الحصان
سقط السيف من يد رفعته
…
نصف قرن واستسلم العنفوان
وانحنت أمة عليك بقلب
…
ملأ التوحيد نبضه والحنان
الرياض الحسناء وجه كئيب
…
أوغلت في شحوبه الأحزان
والجماهير موجة من ذهول
…
ونشيج ماذا يقول البيان
نبأ طاف بالصحارى فريعت
…
واقشعرت لهوله الكثبان
أجهشت بعده الخيام وفاض الـ
…
ـرمل دمعًا وأنت الوديان
فارس القدس لو يجوز فداء
…
لافتدتك الأضلاع والأجفان
لو يرد القضاء لانتصب السحب
…
سياجًا فما استطاع الجبان
لو يصد الردى الثبات لصد الـ
…
ـموت حزم ملكته وجنان
لو ونحتي الرؤوس هذا قضا
…
ء الله هذا ما شاءه الرحمن
كلما ضلل المصاب نهانا
…
ردنا من ضلالنا الإيمان
فارس القدس أغمض العين واهدا
…
فلقد أرهق الكمي الطعان
قد بلوت الجهاد والعمر غض
…
والصبا في أحصلاله ريان
وخبرت النضال شيخًا فلم يصدأ
…
فرند ولم يكل سنان
خطوات القصون فوق محياك
…
حروب وقودها الشجعان
خضتها بالسلاح والهول نار
…
تتلظى وللردى جيشان
خضتها باليقين والأفق بحر
…
مدلهم يعي به الربان
خضتها بالصمود ينتحر
…
اليأس عليه يخافه الإذعان
خضتها بالسديد من ثابت الرا
…
ي وللرأي في الحروب مكان
فارس القدس كيف عبت وما حيـ
…
ـاك في قدسك الحبيب أذان
مت والقدس في عيونك حلم
…
وخيال منظر فتان
مت والقدس في دمائك شوق
…
ليس يهدأ أيهدأ الطوفان
مت والقدس في الشفاه صلاة
…
يا إلهي متى يحين الأوان
فارس القدس لا يزال على القد
…
س ظلام مخيم وهوان
في ربوع الإسراء يستأسد البغـ
…
ـي علينا ويشمخ الطغيان
غرهم أناهد أنا وهل يد
…
رون ماذا يدبر البركان
فارس القدس مت ويبقى الحـ
…
ـب يبقى الوفاء يبقى الكيان
كلما خر فارس في ثرانا
…
دفع البند بعده فرسان
منجم للرجال أرض بلاد
…
في رباها تنزل القرآن
شع منها الهدى فأومضت الد
…
نيا حبورًا ومادت الأوثان
وأطل الصباح يزهق كفر
…
في سنياه ومولد الإيمان
يا بلادي والجرح دام عميق
…
والليالي من حولنا أشجان
كفكفي الدمع فهو فينا وإن
…
شق ضريح ولفت الأكفان
هو فينا حسب البساطة لم
…
يطغِ عليها عز ولا سلطان
هو فينا الصمت الدوب والصمـ
…
ـت بيان وللسكوت لسان
هو فينا فكر ورأي سديد
…
واعتدال محبب واتزان
وهو فينا التصميم أن تدخل القد
…
س كرامًا أن ترجع الجولان
وهو فينا بشائر الغد نبنيـ
…
ـه رخاء ليسعد الإنسان
قدمنا هذه القصيدة لما فيها من الأسف الشديد من أن يتوفى المترجم ولم يحرر القدس، وهذه ترجمته: هو القائد المحنّك والعبقري المقدام والباقعة الذي يوقف كل معتد عند حده فيصل بن الإمام الأعظم والرئيس الفخم عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن محمد بن سعود بن محمد بن مقرن الأوحد الهمام والرئيس المقدام ولد في مدينة الرياض في 14/ 2 عام (1324 هـ) ووالدته ابنة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ طرفة ابنة عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الله بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، نشأ نشأة أدبية ورباه والده تربية إسلامية عبقرية، وكان يسمى ذا النورين فأبوه بطل الصحراء، وأبوه من أمه من الأخيار الذين يتسلسلون إلى إمام الدعوة السلفية وزوجه والده لما بلغ من العمر خمس عشرة سنة بأم ابنه عبد الله سلطانة السديري، فولدت منه عبد الله بن فيصل
وسِنُّه ست عشرة سنة وبعثه والده الملك عبد العزيز، وهو في السادسة عشرة من العمر إلى لندن للتعرف بلندن بصحبة أحمد بن ثنيان، وذلك لما كان يرمقه والده فيه من المؤهلات وحُسن الجواب مع حداثة سِنّه وكان يقول عنه إني أستحي من فيصل من بين أبنائي ومن كان أبوه عبد العزيز وجده عبد الله بن عبد اللطيف حق له أن يكون نجيبًا، فهو البطل الجسور والليث الهصور، قاد الجيوش بحياة والده قيادة بصير محنك وهزم الأقران، وكان عظيمًا لا تلين قناته ولا يقعقع له بالشنان كانما قلبه قطعة من الصوان وكان ماهرًا في القيادة بسياسة حيرت العالم كله وأحرز انتصارات عظيمة تدمر بعضها في هذا التاريخ وجعله والده نائبًا في الحجاز جميعًا ثم أضيف إليه وزارة الخارجية فقام بأعماله خير قيام جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، وكان هو العضد الأشد لأخيه سعود لما تولى الملك بعد أبيه، وكان مع ذلك صبورًا وذا معرفة وبصيرة بالرجال، يقدر من يستحق التقدير، وله ميل إلى الأدب والأخلاق الكريمة والشرف وله حسن تدابير وأعده والده لمهام الأمور وصعوباتها فكان ينجلي بسعيه وإدراكه ما لا يدور في الخيال، ولما أن زحف لقتال أهل اليمن المتمردين ووحدت القيادة له نازل مدينة ميدي وأصدر أوامره على القوات للهجوم عليها وجعل يطالع عن كثب من المرتفعات للكشف على المدينة، ولكنه جعل يفكر في العجزة من النساء والشيوخ والذراري ومن لا ذنب له إذا وقعت الواقعة وعمهم الدمار والتهمتهم النيران وبينما هو ينتظر الساعة التي قرر فيها الهجوم إذ قد رفعت الأعلام فيها للتسليم والاستسلام وجاءه مندوبها لذلك فاحتلها من دون سفك دماء، وفرّت قوات الإمام يحيى هاربة هي وقائدها عبد الله العرشي فبعث القوات في آثارها وفتكت بهم فتكًا هائلًا فوقعوا في شر حالة ما بين قتيل وجريح وأسير، وقد أوصى أن يؤتى بالعرشي أسيرًا فجيء به مكبلًا بالحديد، وألقي أمامه ولكنه لأدبه وحسن مجاوبته لم يقتله، وكان في حرب الغفران الذي أدار إليه الدائرة فيه على اليهود هو الدينامو الفعال بحيث قطع البترول عن أمريكا فتوقفت السيارات في الطرق، ولما علمت اليهود بتلك التدابير أوعزت إلى أسيادها
في أمريكا أن تطلب منه إيقاف الحرب والسعي في ذلك، وبما أن العرب موتورون من أعمال اليهود وتعسفاتها فإنه لم يخضع لذلك، وأصيب حليفة أمريكا بقوارع من أمر الله ما لا يطاق وهدت القوات المصرية خط بارليف الذي يعتقد العدوان لو اجتمعت الإنس والجن عليه لم يهدوه وكان قاب قوسين على أن تستسلم اليهود غير أن الأمور مرهونة لأوقاتها ولله تمام الحكمة وله الحجة البالغة، فلو شاء لهدى الخلق أجمعين وفي عام (1373 هـ) نودي به وليًّا للعهد وفي عام أربع وثمانين نوديَ به ملك الملكة العربية السعودية عن اختيار من الأمة واتفاق على ذلك فسار بالمملكة إلى الأمام ولا نطيل فحدِّث ولا حرج ولكن ويا للأسف أنها اختطفته أيدي المنية وخسرته المملكة وقد قلت هذه المرثية في عاهل الجزيرة الراحل الذي شاهدته من أعظم المحترمين لي والمقدرين للعلماء فيا لها خسارة لا تشبهها خسارة، وإنا لله وإنا إليه راجعون، فقلت هذه مرثية في إمام المسلمين وأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبد العزيز لما توفاه الله تعالى بسبب الاعتداء فأصبحت المملكة العربية السعودية بحالة حزينة لفراقه:
لكارثة هدت جميع الجوانب
…
نريق دموعًا حزنها غير ذاهب
على فيصل بدر الزمان وشمسه
…
ومن حاز جل الكرامات الأطائب
فلله من عين تحلب دمعها
…
وتبكي طويلًا بالدموع السواكب
على مثله تبكي الأنام بحسرة
…
وتندب شهمًا ماهرًا في التجارب
فما شئت من حزن وندب ولوعة
…
وحسرة أشجان وصرخة نادب
أصيبت به أقطار أمة يعرب
…
بكى الشرق ثم الدهر حتى المغارب
فيا لك من رزء ويا لك من أسى
…
ويا لك من حزن مرير المصائب
فيا أمة الإسلام هذا مصابكم
…
دهانا به فدم جهول العواقب
عليه من الرحمن ما يستحقه
…
وباء من المولى بخزي العواقب
وقد قيل في الأمثال بيت وإنه
…
لا صدق قيل في اللئام الأجانب
فلا تحقر الخصم الضعيف بضعفه
…
فكم خرب الجرذي في سد مأرب
دهانا بها عظمى بكف أثيمة
…
وكم من ضعيف نافذ في المضارب
فجعت به شعبًا وأيتمت أمة
…
وأذويت روضًا زاهيًا بالغرائب
ففي خامس التسعين من بعد ألفها
…
ثلاث مئين قد تلاها لحاسب
بيوم الثلاثاء من ربيع الأول
…
ثلاث وعشر يومها ذو مصائب
فيا لك من يومٍ مشومٍ على الورى
…
به ضلت الأفكار حقًّا لنادب
به فقدوا حبرًا شفيقًا على الورى
…
سجيته نشر الهدى في الأجانب
به فقدوا شهمًا نبيلًا مؤدبًا
…
شمائله التقوى وقمع المشاغب
لقد كان سدًا محكمًا دون شعبه
…
وغوثًا عظيمًا يرتجى في النوائب
فما فيصل إن قيل من هو فيصل
…
سوى أمن أوطان وغوث لطالب
ملاذ عيايل ثمال أرامل
…
غياث ذوي عدم جزيل المواهب
ملاذ لقصَّادٍ إذا ما لجوا له
…
وقد نالهم أمر عظيم المصاعب
يقضي لياليه قيامًا بواجب
…
لإنصاف مظلوم وقمع المشاغب
صبورًا على الشدات محتمل الأذى
…
إذا أظلمت أرجاؤها بالغياهب
لقد ملأ الدنيا سرورًا وغبطة
…
وأضحى بنو الإنسان في خير عاقب
فيا ويح للشورى إذا قيل من لها
…
ويا ويح للآراء في فقد صائب
مضى ملتجأ المفهوم من كان ساهرًا
…
لنصرة مظلوم وكشف المعاطب
مضى كاشف الأوهام في عقله الذي
…
يفوق به أهل النهي والتجارب
لقد كان كهفًا يلتجي فيه خائف
…
يلاذ به عند اشتداد النوائب
وسرنا نشق البيد من كل وجهة
…
لتشييع جثمان ودفن لذاهب
نوالي إلى نحو الرياض مسيرنا
…
بيوم به لفح الهجير النواكب
فلله من ألف وألف تجمعت
…
وضاقت بهم أقطارها في المناكب
هناك ترى فوق البيوت خلائقًا
…
نساء وأطفال كحال الجنادب
شوارعها من غصة قد توقفت
…
ينادون بالويلات من حر لاهب
فهذا لذكر الله يرفع صوته
…
وذاك بتكبير وذا بتناحب
وكم ثاكل حرى تمزق شعرها
…
وأخرى تنادي في عويل مصاخب
شعارهم لبس السواد لفقده
…
وتمزيق أثواب وصرخة نادب
وأعلنت الأرض الحداد تفجعًا
…
واقفلت الأعمال عن كل طالب
ونكست الأعلام فوق عراصها
…
ونودي بالأحزان في كل جانب
بكته جهات الأرض في كل وجهة
…
ورن صداها في عراض السباسب
وشقت جيوب من يتامى ورملة
…
ينادون ربًا ليس عنا بغائب
إلهي فجعت الشعب كن مخلفًا لهم
…
ببر قدير حافظ للجوانب
يلم لهم شعثًا ويجمع شملهم
…
فأنت إله الخلق مسدي المواهب
وقفت على أنصابه أبدى للأسى
…
واستنزل الغفران من خير واهب
على ذلك المدفون نرجو له الرضا
…
أنادي بجبران وبرد اللهائب
إلى الله نشكو لا إلى الخلق ما بنا
…
فما زال معروفًا لجبر المصائب
إِذا فيصل فينا قضى اليوم نحبه
…
فخالقه حي مجيب لطالب
وهذا ولي العهد أمسى مبايعًا
…
وما خالد إلا سليل الأطايب
فما خالد إن قيل من هو خالد
…
سوى الأمل المحبوب ليث الكتائب
نبايعه حقًّا على السمع أمره
…
وطاعته فرض علينا كواجب
وذا فهد أمسى وليًّا لعهده
…
فأكرم به شهمًا رفيع المراتب
وأختم قولي بالصلاة مسلمًا
…
على من به ختم الكرام الأطايب
محمد المبعوث للخلق رحمة
…
نبي أتانا من سلالة غالب
وآل وأصحاب هداة أجلّة
…
وأتباعهم من كل حبر وتائب
وقال عبد الفتاح خياط هذه المرثية في الملك الراحل:
سمعت الطفل يصرخ واأبانا
…
من الهول العظيم لقد عمانا
وجن البعض من خطب أليم
…
تردد في الإذاعة ما دهانا
وصار الكل يمشي دون عقل
…
يمزق للثياب وما كفانا
وزلزلت الجبال لهول يوم
…
وحتى الشمس غابت من سمانا
وفي كل الجزيرة صار حزن
…
وحتى مصر والأردن معانا
وفي لبنان والصومال وسوريا
…
وفي آسيا وأفريقيا وغانا
وكل الشرق والغرب ناحوا
…
وهزتهم فجيعة ما أتانا
هو القدر المقدور لست أدري
…
لماذا قد تعجل وابتلانا
بفقد حبيبنا والحب غالٍ
…
وأمر الله ينفذ كيف أين كانا
وقال أحمد بن عبد الله العامر:
عزاءكم أن الفقيد شهيد
…
وإن أمير المؤمنين فريد
تفرد بالمجد الذي جاوز العلا
…
وكان لأهل الخافقين يقود
من لم يكن للمال جامع تبره
…
ولكنه بالمال كان يشيد
بنى النهضة الكبرى بعشر وإنما
…
له المعجزات الغر وهي تزيد
فتى الصدق في وسم السياسة مثله
…
مثال أبي الخطاب وهو عميد
فتى العزم لم تعرفه عنه مقالة
…
ولم تثنه في المعضلات حشود
فتى العدل والإنصاف نهج وغاية
…
ونبل سيفنى الدهر وهو جديد
فتى الحلم والمعروف والطهر والندا
…
وإن قصرت أيدي الكرام يجود
أناة إذا خطب ألم وحكمة
…
جسور على الأقدام وهو سديد
وفيّ وشهم والرجولة معدن
…
خلال له في العالمين شهود
إلى جنة الرضوان يا خير راحل
…
وفيها لأخيار الوجوه خلود
رحلت فلم تترك ثقوبًا خلية
…
وفي خفقات القلب منك وجود
يقصر عن تعداد فضلك شاعر
…
ويعجز عنه في المقال قصيد
عزاؤكم يا آل مقرن أنه
…
شهيد بأخبار الرجال وحيد
عزاؤكم فيه وأنتم عزاؤنا
…
وأنتم بأعشار القلوب شهود
ويبقى طويل العمر خالد خالدًا
…
يحقق آمالًا لنا ويزيد
ويبقى ولي العهد فهد معينه
…
وتبقى بحبات القلوب عقود