المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة البقرة (2) : الآيات 105 الى 106] - تفسير الثعالبي = الجواهر الحسان في تفسير القرآن - جـ ١

[أبو زيد الثعالبي]

فهرس الكتاب

- ‌[الجزء الاول]

- ‌«توطئة»

- ‌1- مدرسة ابن عباس ب «مكّة» ، وكان أشهر تلاميذه من التابعين:

- ‌2- مدرسة أبي بن كعب ب «المدينة النبوية» ، وأشهر تلاميذه:

- ‌3- مدرسة عبد الله بن مسعود ب «العراق» ، وأشهر تلاميذه:

- ‌المبحث الأول نبذة عن حياة الثعالبي

- ‌مولده:

- ‌نشأته:

- ‌رحلاته وشيوخه:

- ‌تلاميذه:

- ‌مصنّفات الثّعالبيّ:

- ‌ثناء العلماء عليه:

- ‌وفاته:

- ‌المبحث الثاني التفسير قبل أبي زيد الثعالبي التّفسير والتّأويل

- ‌التفسير اصطلاحا:

- ‌التأويل لغة:

- ‌التأويل اصطلاحا:

- ‌التأويل عند السلف له معنيان:

- ‌الفرق بين التّفسير والتّأويل

- ‌حاجة النّاس إلى التّفسير

- ‌فهم الصّحابة للقرآن الكريم

- ‌أشهر مفسّري القرآن من الصّحابة

- ‌1- عليّ بن أبي طالب:

- ‌2- عبد الله بن مسعود:

- ‌3- أبيّ بن كعب:

- ‌4- عبد الله بن عبّاس

- ‌طرق الرواية عن ابن عبّاس:

- ‌قيمة التّفسير المأثور عن الصّحابة

- ‌مدرسة مكّة تلاميذ ابن عبّاس

- ‌1- سعيد بن جبير:

- ‌2- مجاهد بن جبر:

- ‌3- عكرمة:

- ‌4- طاوس:

- ‌5- عطاء بن أبي رباح:

- ‌مدرسة المدينة تلاميذ أبيّ بن كعب

- ‌1- أبو العالية:

- ‌2- محمّد بن كعب القرظيّ:

- ‌3- زيد بن أسلم:

- ‌مدرسة العراق تلاميذ عبد الله بن مسعود

- ‌1- علقمة بن قيس:

- ‌2- مسروق:

- ‌3- عامر الشّعبيّ:

- ‌4- الحسن البصريّ:

- ‌5- قتادة:

- ‌قيمة التّفسير المأثور عن التّابعين

- ‌سمات التّفسير في تلك المرحلة

- ‌التّفسير في عصر التّدوين

- ‌أقسام التّفسير

- ‌أوّلا- الاتّجاه الأثريّ (التّفسير بالمأثور) :

- ‌ ابن جرير الطبريّ

- ‌طريقة الطّبريّ في التّفسير:

- ‌ثانيا- الاتّجاه اللّغويّ:

- ‌ثالثا- الاتّجاه البيانيّ

- ‌المبحث الثّالث الكلام على تفسير الثّعالبيّ

- ‌أوّلا: المصادر الّتي استقى منها أبو زيد الثّعالبيّ في «الجواهر الحسان»

- ‌أوّلا: مصادره من كتب التّفسير:

- ‌4- «مفاتيح الغيب» أو التفسير الكبير، للإمام الرّازيّ:

- ‌5- «أحكام القرآن» للقاضي أبي بكر بن العربيّ:

- ‌ثالثا: المصادر الّتي اعتمد عليها من كتب السّنّة:

- ‌رابعا: كتب الترغيب والترهيب والرقائق:

- ‌1- التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، للإمام القرطبي

- ‌خامسا: كتب في الأحكام الفقهية والأصوليّة:

- ‌سادسا: كتب الخصائص والشمائل:

- ‌سابعا: كتب في التربية وتهذيب النفوس:

- ‌1- «بهجة النفوس وتحليها بمعرفة ما لها وما عليها»

- ‌4- شرح ابن الفاكهاني على أربعين النووي

- ‌تاسعا: ومن كتب التّاريخ:

- ‌عاشرا: كتب أخرى منثورة:

- ‌ثانيا: منهج الإمام الثّعالبيّ في تفسيره

- ‌بين يدي المنهج:

- ‌أولا: جمعه بين التفسير بالمأثور والرّأي:

- ‌ثانيا: تعرّضه لمسائل في أصول الدين:

- ‌ثالثا: مسائل أصول الفقه في تفسيره:

- ‌رابعا: تعرضه لآيات الأحكام، وذكره للاختلافات الفقهية:

- ‌خامسا: احتجاجه باللّغة والمسائل النحوية، والتصريفية وغيرها:

- ‌سادسا: ذكره لأسباب النّزول، ومكّيّ القرآن ومدنية:

- ‌سابعا: ذكره للقراءات الواردة في الآية:

- ‌ثامنا: احتجاجه بالشّعر:

- ‌تاسعا: موقفه من الإسرائيليّات:

- ‌وصف النسخ المعتمد عليها في كتاب تفسير «الثعالبي» المسمى بجواهر الحسان في تفسير القرآن

- ‌عملنا في الكتاب

- ‌[مقدمة المؤلف]

- ‌وسمّيته ب «الجواهر الحسان في تفسير القرآن»

- ‌باب في فضل القرآن

- ‌باب في فضل تفسير القرآن وإعرابه

- ‌فصل فيما قيل في الكلام في تفسير القرآن والجرأة عليه ومراتب المفسّرين

- ‌فصل

- ‌فصل في ذكر الألفاظ الّتي في القرآن ممّا للغات العجم بها تعلّق

- ‌باب تفسير أسماء القرآن وذكر السّورة والآية

- ‌باب في الاستعاذة

- ‌تفسير فاتحة الكتاب

- ‌[سورة الفاتحة (1) : آية 1]

- ‌باب في تفسير: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

- ‌[سورة الفاتحة (1) : الآيات 2 الى 3]

- ‌[سورة الفاتحة (1) : الآيات 4 الى 5]

- ‌[سورة الفاتحة (1) : الآيات 6 الى 7]

- ‌(القَوْلُ فِي «آمِينَ» )

- ‌تفسير سورة البقرة

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 1 الى 3]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 4 الى 7]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 8 الى 12]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 13 الى 16]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 17 الى 20]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 21 الى 24]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 25]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 26 الى 29]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 30 الى 32]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 33 الى 34]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 35 الى 36]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 37 الى 38]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 39 الى 41]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 42 الى 43]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 44 الى 46]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 47 الى 48]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 49]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 50 الى 54]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 55 الى 57]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 58 الى 60]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 61 الى 64]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 65 الى 66]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 67 الى 73]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 74 الى 75]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 76 الى 78]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 79 الى 82]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 83 الى 85]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 86 الى 88]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 89 الى 91]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 92 الى 95]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 96 الى 97]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 98 الى 104]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 105 الى 106]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 107 الى 108]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 109 الى 110]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 111 الى 115]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 116 الى 117]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 118 الى 120]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 121 الى 124]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 125 الى 126]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 127 الى 129]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 130 الى 133]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 134 الى 138]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 139 الى 141]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 142 الى 143]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 144 الى 145]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 146 الى 147]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 148 الى 151]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 152 الى 153]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 154 الى 157]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 158]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 159 الى 160]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 161 الى 162]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 163 الى 164]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 165 الى 167]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 168 الى 170]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 171]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 172 الى 173]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 174 الى 176]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 177]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 178 الى 179]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 180 الى 182]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 183 الى 184]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 185]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 186]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 187 الى 188]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 189 الى 192]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 193 الى 195]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 196]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 197]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 198 الى 199]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 200 الى 202]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 203 الى 205]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 206 الى 210]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 211 الى 212]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 213 الى 214]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 215 الى 216]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 217 الى 218]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 219 الى 220]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 221]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 222]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 223]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 224 الى 225]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 226 الى 227]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 228]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 229]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 230 الى 232]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 233]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 234]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 235]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 236 الى 237]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 238 الى 239]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 240 الى 242]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 243 الى 245]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 246 الى 248]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 249 الى 252]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 253 الى 254]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 255]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 256 الى 257]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 258 الى 259]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 260]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 261 الى 264]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 265 الى 266]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 267 الى 269]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 270 الى 271]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 272 الى 273]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 274 الى 277]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 278 الى 281]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 282]

- ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 283 الى 285]

- ‌[سورة البقرة (2) : آية 286]

- ‌محتوى الجزء الأول من تفسير الثعالبي

الفصل: ‌[سورة البقرة (2) : الآيات 105 الى 106]

[سورة البقرة (2) : الآيات 105 الى 106]

مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105) ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)

وقوله سبحانه: مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ

الآية: يتناول لفظُ الآيةِ كلَّ خير، والرحمةُ في هذه الآية عامَّة لجميعِ أنواعها، وقال قومٌ: الرحمة القرآن.

وقوله تعالى: ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها

الآية: النَّسْخُ في كلام العرب، على وجهين:

أحدهما: النَّقْل كنقل كتابٍ من آخر، وهذا لا مدْخَل له في هذه الآية، وورد في كتاب اللَّه تعالى في قوله: إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية: 29] .

الثاني: الإِزالةُ، وهو الذي في هذه الآية، وهو منقسمٌ في اللغة على ضَرْبَيْنِ:

أحدهما: يثبت الناسخ بعد المنسوخ كقولهم: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ.

والآخر: لا يثبت كقولهم: نَسَخَتِ الرِّيحُ الأَثَرَ.

وورد النسخ في الشَّرْع حسب هذَيْن الضربَيْن وحَدُّ «النَّاسِخ» عنْد حُذَّاق أهل السنة:

الْخِطَابُ الدالُّ على ارتفاع الحُكْمِ الثَّابتِ بالخطابِ المتقدِّمِ على وجْهٍ لولاه لكان ثَابِتاً، مع تراخيه عنه.

ت: قال ابن الحاجِبِ: والنَسْخُ لغةً: الإِزالة، وفي الاصطلاح: رفع الحُكْمِ الشرعيِّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّر «1» . انتهى من «مختصره الكبير» .

(1) ينظر: «البرهان» لإمام الحرمين (2/ 1293) ، «البحر المحيط» للزركشي (4/ 63) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (3/ 15) ، «سلاسل الذهب» للزركشي (ص 290) ، «التمهيد» للأسنوي (ص 435) ، «نهاية السول» له (2/ 548) ، «زوائد الأصول» له (ص 308) ، «منهاج العقول» للبدخشي (2/ 224) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (ص 87) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (2/ 7) ، «المنخول» للغزالي (ص 288) ، «المستصفى» له (1/ 107) ، «حاشية البناني» (2/ 74) ، «الإبهاج» لابن السبكي (2/ 226) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (3/ 129) ، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (2/ 106) ، «المعتمد» لأبي الحسين (1/ 363) ، «إحكام الفصول في أحكام الأصول» للباجي (ص 389) ، «الإحكام في أصول الأحكام» لابن حزم (4/ 463) ، «أعلام الموقعين» لابن القيم (1/ 29) ، «التقرير والتحبير» لابن أمير الحاج (3/ 49) ، «ميزان الأصول» للسمرقندي (2/ 621، 981) ، «حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى» (2/ 185) ، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (2/ 34) ، «شرح المنار» لابن ملك (ص 91) ، «الموافقات» للشاطبي (3/-

ص: 292

والنسْخُ جائز على اللَّه تعالى عقلاً لأنه لا يلزم عنه محالٌ «1» ، ولا تتغيرُ صفة من صفاته تعالى/، وليست الأوامر متعلِّقة بالإِرادة، فيلزم من النسْخ أنَّ الإِرادة تغيَّرت، ولا 31 ب النسخ لطروء علْم، بل اللَّه تعالى يعلم إلى أيِّ وقت ينتهي أمره بالحكم الأول، ويعلم نسخه له بالثاني، والبَدَاءُ لا يجوزُ على اللَّه تعالى لأنه لا يكون إلا لطروءِ علْمٍ أو لتغيُّر إِرادة وذلك محالٌ في جهة اللَّه تعالى، وجعلت اليهود النسْخَ والبَدَاءَ واحداً، فلم يجوِّزوه، فضَلُّوا.

والمنسوخُ عند أئمتنا: الحُكْم الثابتُ نفسُه، لا ما ذهْبت إِلَيْه المعتزلةُ من أنه مثل الحُكْم الثَّابت فيما يستقبلُ، والذي قادهم إلى ذلك مذهَبُهم في أنّ الأوامر مرادة، وأن

- 102) ، «تقريب الوصول» لابن جزيّ (ص 125) ، «شرح مختصر المنار» للكوراني (ص 91) ، «نشر البنود» للشنقيطي (2/ 280) ، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (ص 462) .

وينظر: «تهذيب اللغة» (7/ 181) ، «لسان العرب» (6/ 4407) ، «تاج العروس» (2/ 282) ، «معيار العقول في علم الأصول» لابن المرتضى (1/ 172) ، «كشف الأسرار» (3/ 154) ، «حواشي المنار» (708) ، «العدة» (3/ 778) ، «الحدود» للباجي (ص 49) ، «اللمع» (ص 30) ، «الوصول» لابن برهان (2/ 7) ، «روضة الناظر» (26) ، «الرسالة» للشافعي (128) ، «المغني» للخبازي (250) ، «المسودة» (195) ، «شرح تنقيح الفصول» (301) ، «تقريب الوصول» (125) ، «المنتهى» لابن الحاجب (113) .

(1)

أجمع أهل الشرائع طرّا من المسلمين والنصارى واليهود على جوازه عقلا، وخالف في ذلك الشمعونية من اليهود متمسكين بشبه واهية.

احتج الجمهور بدليل عقلي حاصله: أن المخالف لا يخلو حاله من أحد أمرين: أما إن يكون ممن يوافق على أن الله (تعالى) هو الفاعل المختار، له أن يفعل ما يشاء كما يشاء من غير نظر إلى حكمة وغرض.

وإما أن يكون ممن يعتبر المصلحة في أفعاله (تعالى) ، فإن كان الأول، فليس في العقل ما يمنع من أن يأمر الله بشيء في وقت وينهى عنه في وقت آخر، كأمره بالصوم في اليوم الأخير من رمضان، ونهيه عنه في اليوم الأول من شوال. وإن كان الثاني، فلا يمتنع أن يعلم الله أن في الفعل مصلحة في وقت، فيأمر به، وأن في الفعل مضرة في وقت آخر، فينهى عنه فإن المصلحة مما تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال. أما اختلافها بالأشخاص فإنا نرى الغنى مصلحة لبعض الناس، والفقر مفسدة له، بينما نرى الفقر مصلحة للبعض الآخر، والغنى مفسدة له يدلنا على ذلك قول الرسول الأمين فيما يرويه عن رب العالمين:«إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلّا الفقر، ولو أغنيته لأفسده. وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده» وأما اختلافها بحسب الأحوال والأزمان، فإنا نرى الشدة والغلظة نافعة في زمان دون زمان، لا ينفع فيه إلا المداراة والمساهلة. ومثل ذلك المريض يكون تناول الدواء مفيدا له حين مرضه، فيأمره الطبيب بتناوله، ويكون مضرا له بعد سلامته، فينهاه الطبيب عنه حينئذ، أو كالغذاء الجيد لا تتحمله معدة المريض الضعيف، فينهى عنه. فإذا شفي من مرضه وسلمت معدته واحتاج إلى ما يعيد قوته، حتم عليه الطبيب تناول ما كان يمنعه عنه. واعتبر ذلك في تربية الطفل يعطى من الغذاء الخفيف ما يناسبه حتى إذا شب زيد له من متين الغذاء بمقداره. ومنع من رضاع أمه إذ كان ذلك لا يناسب بعد كبره. ينظر:«النسخ» لشيخنا إمام إبراهيم عيسى ص 20. [.....]

ص: 293

الحُسْن صفةٌ نفسيَّةٌ للحَسَنِ، ومراد اللَّه تعالى حَسَنٌ «1» ، وقد قامت الأدلَّة على أنَّ الأوامر لا

(1) لا قبح عقلا وشرعا في شيء من الأشياء من حيث كونه مخلوقا لله (تعالى) ، سواء كانت أفعال العباد أو لا لأن مالك الأمور كلها يفعل ما يشاء. وأما أفعال العباد من حيث كونها مكسوبة للعباد، فقد تتصف بالحسن والقبح الشرعيين. هذا عند الأشاعرة، وأما المعتزلة فقد قالوا: القبيح قبيح في نفسه، فيقبح من الله (تعالى) كما يقبح منا، وكذا الحسن، وقد يدركان بالعقل، فوقع الاختلاف بين الفريقين في أن العقل هل له حكم في حسن الأفعال وقبحها أم لا. بل الحاكم بهما الشرع فقط؟! وتفصيل المقام على ما في شرح «المواقف» : أن العلماء قد ذكروا أن الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان: الأول:

كون الفعل صفة كمال كالعلم، وكونه صفة نقصان كالجهل، ولا نزاع بين الفريقين في أن الحسن والقبح بهذا المعنى يدركان بالعقل فإن العقل يحتم بأن العلم حسن، والجهل قبيح، ولا يتوقف على حكم الشرع بالحسن والقبح فيهما. والمعنى الثاني: كون الفعل ملائما للغرض أو منافرا له، فما وافق الغرض كان حسنا، وما خالفه كان قبيحا، وما خلا منهما لا يكون حسنا ولا قبيحا. وقد يعبر عن الحسن والقبح بهذا المعنى بالمصلحة والمفسدة، فيقال: الحسن ما فيه مصلحة، والقبيح: ما فيه مفسدة، وما خلا عنهما لا يكون حسنا ولا قبيحا. ولا نزاع في أن الحسن والقبح بهذا المعنى أيضا عقليان، أي يدركان بالعقل، لكن هذا المعنى يختلف بالاعتبار فإن قتل زيد مصلحة لأعدائه وموافق لغرضهم، ومفسدة لأوليائه ومخالف لغرضهم، والمعنى الثالث: كون الفعل متعلق المدح عاجلا والثواب آجلا، وكونه متعلق الذم عاجلا والعقاب آجلا. وهذا المعنى الثالث هو محل النزاع، فالحسن والقبح بهذا المعنى عند الأشعري شرعي وذلك لأنهما لا يكونان لذات الفعل، وليس للفعل صفة لأجلها يكون الفعل حسنا وقبيحا بهذا المعنى الثالث حتى يدرك العقل ما به الحسن والقبح، ويحكم بالحسن والقبح، بل كل ما أمر الشارع به فهو حسن، وكل ما نهى الشارع عنه قبيح، حتى لو عكس الأمر لانعكس الحال. وقالت المعتزلة: للفعل في نفسه (أي مع قطع النظر عن الشرع) جهة محسنة مقتضية لاستحقاق فاعله مدحا وثوابا أو مقبحة مقتضية لاستحقاق فاعله ذما وعقابا. ثم إن تلك الجهة المقتضية لهما هو ذات الفعل عند جمهور المتقدمين منهم، وصفة حقيقة زائدة على ذات الفعل عند بعض المتقدمين منهم. وقال الجبائي منهم: ليس حسن الأفعال وقبحها لذواتها ولا لصفات حقيقية لها، بل لوجوه واعتبارات وأوصاف إضافية تختلف بحسب الاعتبار كما في لطم اليتيم للتأديب. ثم إن المعتزلة قالوا: إن من الحسن والقبح ما يدركه العقل ضرورة من غير نظر واستدلال، كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار. ومنهما ما يدركه العقل بالنظر والاستدلال، كقبح الصدق الضار، وحسن الكذب النافع. ومنهما ما لا يدركه العقل لا بالضرورة ولا بالاستدلال، كحسن صوم آخر رمضان، وقبح صوم أول شوال، لكن إذا ورد به الشرع، وعلم أن ثمة جهة محسنة ومقبحة، فإدراكه الحسن والقبح في هذا القسم موقوف على كشف الشرع عنهما بأمره ونهيه. وللماتريدية موافقة للمعتزلة في أن حسن بعض أفعال العباد وقبحها يكونان لذات الفعل أو لصفة له، ويعرفان عقلا كما يعرفان شرعا.

ينظر: «نشر الطوالع» (ص 278- 280) ، «البحر المحيط» للزركشي (1/ 143، 168) ، «البرهان» لإمام الحرمين (1/ 87) ، «سلاسل الذهب» للزركشي (97) ، «الإحكام في أصول الأحكام» للآمدي (1/ 76) ، «التمهيد» للأسنوي (61- 62) ، «نهاية السول» له (1/ 88) ، «زوائد الأصول» له (195) ، «منهاج العقول» للبدخشي (1/ 670) ، «غاية الوصول» للشيخ زكريا الأنصاري (7) ، «التحصيل من المحصول» للأرموي (1/ 175- 180) ، «المنخول» للغزالي (8) ، «المستصفى» له (1/ 55) ، «حاشية البناني» (1/-

ص: 294

ترتبطُ بالإِرادة، وعلى أن الحُسْن والقُبْح في الأحكام، إِنما هو من جهة الشرع، لا بصفة نفسيَّة، والتخصيصُ من العموم يوهم أنه نسْخ، وليس «1» به لأن المخصَّص لم يتناولْه العمومُ قطُّ، ولو تناوله العموم، لكان نسخاً، والنسخ لا يجوز في الأخبار «2» ، وإِنما هو

- 64) ، «الإبهاج» لابن السبكي (1/ 61، 138) ، «الآيات البينات» لابن قاسم العبادي (1/ 87- 88) ، «تخريج الفروع» (244) ، «حاشية العطار على جمع الجوامع» (1/ 77- 81) ، «المعتمد» لأبي الحسين (2/ 327) ، «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (1/ 173) ، «نسمات الأسحار» لابن عابدين (45) ، «شرح المنار» لابن ملك (35) ، «ميزان الأصول» للسمرقندي (1/ 150- 151) ، «الكوكب المنير» للفتوحي (95) .

(1)

معلوم أن التخصيص والنسخ يشتركان في أن كل واحد منهما بيان ما لم يرد باللفظ، إلا أنهما يفترقان في أمور، وهي أن التخصيص يبين أن العام لم يتناول المخصوص، والنسخ يرفع بعد الثبوت وأن التخصيص لا يرد إلا على العام، والنسخ يرد عليه وعلى غيره. وأنه يجب أن يكون متصلا، والنسخ لا يكون إلا متراخيا. وأنه لا يجوز إلى أن لا يبقى شيء، والنسخ يجوز. وأنه قد يكون بأدلة السمع وغيرها، والنسخ لا يجوز إلا بالسمع. وأنه يكون معلوما ومجهولا. والنسخ لا يكون إلا معلوما. وأنه لا يخرج المخصوص منه من كونه معمولا به في مستقبل الزمان، والنسخ يخرج المنسوخ عن ذلك. وأنه يرد في الأخبار والأحكام، والنسخ لا يرد إلا في الأحكام. وأن دليل الخصوص يقبل التعليل ودليل النسخ لا يقبله.

ينظر: «النسخ» لشيخنا إمام إبراهيم عيسى ص 91.

(2)

تنوعت آراء الأصوليين في موضوع النسخ، فمنهم من ذهب إلى أن النسخ كما يكون في الأوامر والنواهي يكون في الأخبار. وينسب لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والسدي حيث قالا:«قد يدخل النسخ على الأمر والنهي وعلى جميع الأخبار» ولم يفصلا، وتابعهما على هذا القول جماعة.

قال أبو جعفر: «وهذا القول عظيم جدا يئول إلى الكفر» لأن قائلا لو قال: «قام فلان» ثم قال: «لم يقم» ثم قال: «نسخته» لكان كاذبا.

وبعضهم ذهب إلى أن أمر الناسخ والمنسوخ موكول إلى الإمام، فله أن ينسخ ما شاء. وهذا القول أعظم لأن النسخ لم يكن إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالوحي من الله (تعالى) إما بقرآن مثله على قول قوم، وإما بوحي من غير القرآن، فلما ارتفع هذا بموت النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع النسخ.

ومنهم من ذهب إلى أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي، وأما الأخبار فيفصل فيها بين ما فيه حكم، فيجوز النسخ فيه، وبين ما لا حكم فيه، فلا يجوز.

ومنهم من ذهب إلى أن النسخ يكون في الأوامر والنواهي خاصة.

وهذا المذهب حكاه هبة الله بن سلامة عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة بن عمار.

وهناك مذهب خامس، عليه أئمة العلماء، وهو أن النسخ إنما يكون في المتعبدات لأن لله عز وجل أن يتعبد خلقه بما شاء إلى أي وقت شاء، ثم يتعبدهم بغير ذلك، فيكون النسخ في الأوامر والنواهي وما كان في معناهما مثل قوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور: 3] وقوله تعالى في سورة يوسف- عليه السلام: قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً [يوسف: 47] فالأولى مثال للخبر الذي بمعنى النهي لأن المعنى. لا تنكحوا زانية ولا مشركة. -

ص: 295

مختصٌّ بالأوامر والنواهي، ورد بعض المعترضين الأمر خبراً بأن قال: أليس معناه وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ أنْ تَفْعَلُوا كذا، فهذا خبر، والجوابُ أن يقال: إِن في ضمن المعنَى: إِلَاّ أنْ أنْسَخَهُ عنْكُم، وأرفعه، فكما تضمَّن لفظ الأمر ذلك الإِخبار كذلك تضمَّن هذا الاستثناءُ، وصور النسخ تختلفُ، فقد ينسخ الأثقل إِلى الأَخَفِّ، وبالعكس، وقد ينسخ المثلُ بمثلهِ ثِقَلاً وخِفَّةً، وقد ينسخ الشيء لا إِلى بدل، وقد تُنْسَخُ التلاوة دون الحُكْم، وبالعكس، والتلاوة والحكم حكمان، فجائز نَسْخ أحدهما دون الآخر، ونسْخُ القرآن بالقرآن، وينسخ خبر الواحدِ بخبر الواحدِ وهذا كله مُتَّفَقٌ عليه، وحُذَّاق الأئمَّة على أن القرآن ينسخ بالسنة، وذلك موجودٌ في قوله- عليه السلام «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» «1» ، وهو ظاهر مسائل مالك.

- والثانية مثال للخبر الذي بمعنى الأمر لأن المعنى «ازرعوا» وهذا المذهب عزي إلى الضحاك بن مزاحم.

ينظر: «النسخ» لشيخنا إمام عيسى. (ص 18- 19) .

(1)

أخرجه أبو داود (3/ 290) كتاب «الوصايا» ، باب الوصية للوارث، حديث (2870) ، والترمذي (4/ 433) كتاب «الوصايا» ، باب لا وصية لوارث، حديث (2120) ، وابن ماجه (2/ 905) كتاب «الوصايا» ، باب لا وصية لوارث، حديث (2713) ، وأحمد (5/ 267) ، والطيالسي (2/ 117- منحة) رقم (2407) ، وسعيد بن منصور (427) ، والدولابي في «الكنى» (1/ 64) ، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (1/ 227) ، والبيهقي (6/ 264) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين، كلهم من إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي أمامة الباهلي. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته عام حجة الوداع: «إنّ الله تبارك وتعالى قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» .

وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وأخرجه ابن الجارود في «المنتقى» رقم (949) من طريق الوليد بن مسلم قال: ثنا ابن جابر، ثنا سليم بن عامر، سمعت أبا أمامة، فذكر الحديث.

وفي الباب عن جماعة من الصحابة وهم: عمرو بن خارجة، وأنس بن مالك، وابن عباس، وجابر، وعلي، وعبد الله بن عمرو، ومعقل بن يسار، وزيد بن أرقم، والبراء، ومجاهد مرسلا.

حديث خارجة: أخرجه الترمذي (4/ 434) كتاب «الوصايا» ، باب لا وصية لوارث، حديث (2121) ، والنسائي (6/ 247) ، كتاب «الوصايا» ، باب إبطال الوصية للوارث وابن ماجة (2/ 905) كتاب «الوصايا» ، باب لا وصية لوارث، وأحمد (4/ 186، 187) ، والدارمي (2/ 419) كتاب «الوصايا» ، باب الوصية للوارث، والطيالسي (1317) ، وأبو يعلى (3/ 78) رقم (1508) ، والبيهقي (6/ 264) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين، كلهم من طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن خارجة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب على ناقته وأنا تحت جرانها، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول:«إن الله عز وجل أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» .

قال الترمذي: حسن صحيح.

وللحديث طريق آخر. -

ص: 296

ت: ويعني بالسنةِ الناسخة للقرآن الخَبَرَ المتواترَ القطعيّ، وقد أشار إلى أن هذا

- أخرجه الدارقطني (4/ 152) كتاب الوصايا، حديث (10) ، والبيهقي (6/ 264) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين، عن طريق زياد بن عبد الله عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن بن عمرو بن خارجة مرفوعا بلفظ:«لا وصية لوارث، إلا أن يجيز الورثة» .

وضعف البيهقي سنده: وأخرجه الطبراني في «الكبير» (4/ 202) رقم (4140) من طريق عبد الملك بن قدامة الجمحي عن أبيه عن خارجة بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الفتح وأنا عند ناقته: «ليس لوارث وصية، قد أعطى الله عز وجل كل ذي حق حقه، وللعاهر الحجر» .

وقال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه عبد الملك بن قدامة الجمحي، وثقه ابن معين، وضعفه الناس. اهـ.

قلت: ووثقه أيضا يعقوب بن سفيان فقال في «المعرفة والتاريخ» (1/ 435) : «مديني ثقة» .

لكن عبد الملك هذا ضعفه الجمهور: قال البخاري في «الضعفاء» (220) : يعرف وينكر.

وقال أبو زرعة الرازي: منكر الحديث «سؤالات البرذعي» (ص 356) .

وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث «علل الحديث» (2435) .

وقال النسائي: مدني ليس بالقوي «الضعفاء والمتروكين» (403) .

وقال الدارقطني: مدني يترك «سؤالات البرقاني» (301) .

حديث أنس: أخرجه ابن ماجه (2/ 906) كتاب «الوصايا» باب لا وصية لوارث، حديث (2714) ، والدارقطني (4/ 70) كتاب «الفرائض» ، حديث (8) ، والبيهقي (6/ 264- 265) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين. من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن سعيد بن أبي سعيد عن أنس به.

قال البوصيري في «الزوائد» (2/ 368) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.

حديث ابن عباس:

أخرجه الدارقطني (4/ 97) كتاب الفرائض، حديث (89) ، والبيهقي (6/ 263) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين. من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس. قال البيهقي: عطاء: هو الخراساني، لم يدرك ابن عباس ولم يره. قاله أبو داود وغيره.

وأخرجه البيهقي (6/ 263- 264) من طريق يونس بن راشد عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس.

قال الحافظ في «التلخيص» (3/ 92) : حديث حسن.

حديث جابر:

أخرجه الدارقطني (4/ 97) كتاب «الفرائض» ، حديث (90) من طريق فضل بن سهل: ثنى إسحاق بن إبراهيم الهروي، ثنا سفيان عن عمرو عن جابر به.

قال الدارقطني: الصواب مرسل.

قال أبو الطيب آبادي في «التعليق المغني» (4/ 97) : إسحاق بن إبراهيم الهروي، ثم البغدادي، أبو موسى، وثقه ابن معين وغيره، وقال عبد الله بن علي بن المديني: سمعت أبي يقول: أبو موسى الهروي روى عن سفيان عن عمرو عن جابر: «لا وصية

الحديث» .

كأنه سفيان عن عمرو مرسلا، «كذا في الميزان» اهـ.

ص: 297

الحديث مُتَوَاتِرٌ، ذكره عند تفسير قوله تعالى: إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ [البقرة: 180] ،

- وللحديث طريق آخر: أخرجه الدارقطني (4/ 152) كتاب «الوصايا» ، حديث (12) من طريق نوح بن دراج عن أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث، ولا إقرار بدين» .

حديث علي:

أخرجه الدارقطني (4/ 97) كتاب الفرائض، حديث (91) ، من طريق يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عاصم بن ضمرة، عن علي قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدين قبل الوصية، ولا وصية لوارث» .

ومن طريق يحيى أخرجه ابن عدي في «الكامل» (7/ 190) ويحيى بن أبي أنيسة. قال أحمد: متروك الحديث.

وقال ابن المديني: لا يكتب حديثه.

وقال ابن معين: ليس بشيء.

وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، وليس بذاك.

وقال النسائي: متروك الحديث.

وأسند ذلك ابن عدي في «الكامل» عنهم.

حديث عبد الله بن عمرو:

أخرجه الدارقطني (4/ 98) كتاب «الفرائض» ، حديث (93)، وابن عدي في «الكامل» (2/ 817) من طريقين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر:«لا وصية لوارث، إلا أن يجيز الورثة» .

حديث معقل بن يسار:

أخرجه ابن عدي في «الكامل» (5/ 211) من طريق علي بن الحسن بن يعمر: ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال معقل بن يسار: كنا بمنى وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ولعاب ناقته بين كتفي، ففهمت من كلامه قال:«لا وصية لوارث» .

قال ابن عدي: هذا الحديث باطل بهذا الإسناد.

حديث زيد بن أرقم والبراء:

أخرجه ابن عدي في «الكامل» (6/ 350) من طريق موسى بن عثمان الحضرمي عن أبي إسحاق عن البراء وزيد بن أرقم قالا: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم غدير «خم» ونحن نرفع غصن الشجرة عن رأسه فقال:

«إن الصدقة لا تحل لي ولا لأهلي، لعن الله من ادعى إلى غير أبيه، ولعن الله من تولى غير مواليه.

الولد للفراش وللعاهر الحجر. ليس لوارث وصية» . قال ابن عدي: موسى بن عثمان: حديثه ليس بمحفوظ.

وقال أبو حاتم: متروك. ينظر: «اللسان» (6/ 125) ، و «الميزان» (4/ 214) .

مرسل مجاهد:

أخرجه البيهقي (6/ 264) كتاب «الوصايا» ، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين، من طريق الشافعي عن ابن عيينة عن سليمان الأحول عن مجاهد به.

ص: 298

واختلف القُرَّاء في قراءة قوله تعالى: أَوْ نُنْسِها فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «نَنْسَأْهَا» بنون مفتوحةٍ، وأخرى ساكنة، وسين مفتوحة، وألف بعدها مهموزةٍ، وهذا بمعنى التأخير، وأما قراءة نافعٍ والجمهورِ:«نُنْسِهَا» من النسيان «1» ، وقرأَتْ ذلك فرقةٌ إِلَاّ أنها همزت بعد السين «2» ، فهذه بمعنى التأخير والنِّسْيَان في كلام العربِ يجيء في الأغلب ضدَّ الذكر، وقد يجيء بمعنى التَّرْك، فالمعاني الثلاثة مقولَةٌ في هذه القراءات، فما كان منها يترتَّب في لفظةَ النسيان الذي هو ضدُّ الذكْر، فمعنى الآية به: ما ننسَخْ/ من آيةٍ أو نقدِّر نسيانَكَ لها، فإنّا 32 أنأتي بخيرٍ منها لكُمْ أو مثلها في المنفعة، وما كان على معنى الترك، أو على معنى التأخيرِ، فيترتَّب فيه معانٍ، انظرها، إِنْ شئْتَ فإِنِّي آثرت الاختصار.

ع «3» : والصحيح أن نسيان النبيّ صلى الله عليه وسلم لِمَا أراد اللَّه أن يَنْسَاهُ، ولم يرد أن يثبته قرآناً- جائزٌ، فأما النِّسْيَان الذي هو آفة في البشر، فالنبيّ صلى الله عليه وسلم معصومٌ منْه قبل التبليغ، وبعد التبليغ، ما لم يحفظْه أحد من أصْحابه، وأما بعد أن يحفظ، فجائز علَيْه ما يجوز على البشر لأنه صلى الله عليه وسلم قد بَلَّغَ، وأدَّى الأمانة ومنه الحديثُ، حِينَ أَسْقَطَ آيَةً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ: «أَفِي القَوْمِ أُبَيٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَلِمَ لَمْ تُذَكِّرْنِي؟ قَالَ:

حَسِبْتُ أنّها رفعت فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: لَمْ تُرْفَعْ، وَلَكِنِّي نُسِّيتُهَا» «4» .

وقوله تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ: معناه: التقرير، ومعنى الآية، أن اللَّه تعالى ينسخ ما شاء، ويثبت ما شاء، ويفعل في أحكامه ما شاء، هو قدير على ذلك، وعلى كلِّ شيء، وهذا لإِنْكَارِ اليَهُودِ النَّسْخَ، وقوله: عَلى كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ، معناه الخصوصُ، إِذ لا تدخل فيه الصفاتُ القديمةُ بدليل العقل، ولا المحالاتُ لأنها ليستْ بأشياء، والشيء في كلام العرب: الموجود، وقَدِيرٌ: اسم فاعل على المبالغةِ، قال القُشَيْرِيُّ «5» : وإِن من علم

(1) ينظر: «السبعة» (168) ، و «الكشف» (1/ 257) ، و «حجة القراءات» (109) ، و «العنوان» (71) ، و «الحجة» (2/ 180) ، و «شرح الطيبة» (4/ 54، 55) ، و «شرح شعلة» (272) ، و «معاني القراءات» (1/ 169) ، و «إتحاف» (1/ 411) .

(2)

وقد ذكر أبو حيان في البحر اثنتي عشرة قراءة لهذه اللفظة. ينظر: «البحر المحيط» (1/ 513) .

(3)

«المحرر الوجيز» (1/ 194) .

(4)

أخرجه أحمد (3/ 407) وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (2/ 72) وقال: رواه أحمد والطبراني ورجاله رجال الصحيح.

(5)

عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد، أبو القاسم القشيري، النيسابوري، أخذ عن أبي علي الدقاق، وأبي عبد الرحمن السلمي، ودرس الفقه على أبي بكر الطوسي، وقرأ الكلام على ابن فورك، وأبي إسحاق الأسفراييني، قال ابن السمعاني: لم ير أبو القاسم مثل نفسه في كماله وبراعته.

صنف التفسير الكبير، والرسالة. ولد سنة 376، ومات سنة 465.

ص: 299