الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إنَّ الأنبياء المذكُورين على اليهوديَّة والنصرانية، كَذَبوا لأنه قد عُلِمَ أن هذين الدينَيْن حَدَثَا بعدهم، وإِن قالوا: لم يكونوا على اليهودية والنصرانية، قيل لهم: فهلُمُّوا إِلى دينهم إِذ تقرّون بالحق.
وقوله تعالى: قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ تقريرٌ على فساد دعواهم إذ لا جواب لمفطورٍ إلا أن اللَّه تعالى أعلم، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً، أيْ: لا أحد أظلم منه، وإياهم أراد تعالى بكتمانِ الشهادةِ، قال مجاهد وغيره: فالذي كتموه هو ما في كتبِهِمْ مِنْ أنَّ الأنبياء على الحنيفيَّة، لا على ما ادعوه «1» ، وقال قتادةُ وغيره: هو ما عندهم من الأمر بتصديق النبيّ صلى الله عليه وسلم «2» والأولُ أشبه بسياقِ الآيةِ، «ومِن» متعلِّقةٌ ب «عِنْده» ، ويحتمل أن تتعلق ب «كَتَمَ» .
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ
…
الآيةَ: فيه وعيد وإِعلام أنه لا يترك أمرهم سدًى، والغافل:
الذي لا يفطنُ للأمور إهْمالاً منه، مأخوذ من الأرض الغُفْلِ، وهي التي لا مَعْلَمَ بها.
وقوله تعالى تِلْكَ أُمَّةٌ
…
الآية: كرَّرها عن قرب لأنها تضمَّنت معنى التهْديدِ والتخويفِ، ولترداد ذكرهم أيضا في معنى غير الأول.
[سورة البقرة (2) : الآيات 142 الى 143]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (143)
قوله تعالى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ
…
الآية: اختلف في تعْيينِ هؤلاء السفهاءِ، فقال ابن عبَّاس: هم الأحبارُ، وذلك أنهم جاءوا إِلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمَّد، ما ولَاّك عَنْ قبلتنا، ارجع إليها، ونؤمنْ بك «3» ، يريدُونَ فتنتَهُ، وقيل: اليهود والمنافقُونَ، وقالت فرقة: هم كفّار قريش.
(1) ذكره ابن عطية (1/ 217) عن مجاهد، والحسن، والربيع. [.....]
(2)
أخرجه الطبري (1/ 627) برقم (2142) من طريق معمر عن قتادة. وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 60) بنحوه. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 260) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير. وذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 217) .
(3)
أخرجه الطبري (2/ 7) برقم (2167) ، وذكره ابن عطية (1/ 218) .
ووَلَّاهُمْ: معناه: صرفهم، ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ: إِشارة إِلى هداية اللَّه تعالى هذه الأمة إلى قبلة إِبراهيم، وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ، أيْ كما هديناكم إلى قبلة إبراهيم وشريعته، جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً، أي: عدولاً روي ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتظاهَرَتْ به عباراتُ المفسِّرين، والوَسَط: الخيارُ والأعلى من الشيء، وواسطة القلادةِ أنفَسُ حَجَر فيها ومنه قوله تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ [القلم: 28] .
وشُهَداءَ: جمع شاهدٍ، والمراد بالناسِ هنا في قول جماعة: جميع الجنس، وأن أمة محمّد صلى الله عليه وسلم تشهدُ يوم القيامة للأنبياءِ على أممهم بالتبليغِ، وروي في هذا المعنى حديثٌ صحيحٌ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وروي عنه أنَّ أُمته تشهدُ لكُلِّ نبيٍّ نَاكَرَهُ قومه «1» .
ت: وهذا الحديثُ خرَّجه البخاريُّ، وابن ماجة، وابن المبارك في «رقائقه» وغيرهم قائلا صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
…
الآية.
وكون الرسولِ شهيداً، قيل: معناه: بأعمالكم يوم القيامة، وقيل:«عليكم» بمعنى «لَكُمْ» ، أي: يَشْهَدُ لَكُمْ بالإِيمان.
وقوله تعالى: وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ
…
الآية: قال قتادةُ وغيره: القِبْلة هنا بيْتُ المَقْدِس «2» ، أي: إِلا فِتْنَةً لنعلَمَ من يتبعك مِنَ العربِ الذين لم يألفوا إِلا مسجد مكَّة أو من اليهود على ما قاله الضّحّاك الذين قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم: «إِنْ صَلَيْتَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، اتبعناك» ، فأمره اللَّه بالصَّلاة إِليه، امتحانا لهم، فلم يؤمنوا «3» .
وقال ابنُ عَبَّاس: القبلة في الآيَةِ: الكعبةُ «4» ، وكُنْتَ عَلَيْها بمعنى: أَنْتَ عليها كقوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: 110]، بمعنى: أنتم.
وَمَا جَعَلْنَاهَا وَصَرَّفْنَاكَ إلَيْهَا إلا فتنةً، وروي في ذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حُوِّل إِلى الكعبة، أكْثَرَ في ذلك اليهودُ والمنافقونَ، وارتاب بعض المؤمنين حتى نزلتِ الآية، ومعنى: لِنَعْلَمَ، أي ليعلم رسولِي والمؤمنون به، والقاعدة نَفْيُ استقبال العلْمِ بعد أنْ
(1) أخرجه البخاري (8/ 247) كتاب «التفسير» ، باب «ذرية من حملنا مع نوح» حديث (4712) ومسلم (1/ 184) كتاب «الإيمان» باب أدنى أهل الجنة منزلة حديث (327/ 194) من حديث أبي هريرة.
(2)
أخرجه الطبري (2/ 14) برقم (2206) عن السدي، وذكره ابن عطية (1/ 219) . وذكره الشوكاني (1/ 218) عن عطاء.
(3)
ذكره ابن عطية (1/ 219) .
(4)
ذكره ابن عطية (1/ 220) .