الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرّحمن الرّحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
تفسير سورة البقرة
«1»
هذه السورة مدنيّة نزلت في مدد شتّى، وفيها آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(1) هذه السورة مترامية أطرافها، وأساليبها ذات أفنان، قد جمعت من وشائج أغراض السور ما كان مصداقا لتلقيبها فسطاط القرآن. فلا تستطيع إحصاء محتوياتها بحسان. وعلى الناظر أن يترقب تفاصيل منها فيما يأتي لنا من تفسيرها، ولكن هذا لا يحجم بنا عن التعرض إلى لائحات منها. وقد حيكت بنسج المناسبات والاعتبارات البلاغية من لحمة محكمة في نظم الكلام، وسدى متين من فصاحة الكلمات.
ومعظم أغراضها ينقسم إلى قسمين: قسم يثبت سمو هذا الدين على ما سبقه وعلو هديه وأصول تطهيره النفوس، وقسم يبين شرائع هذا الدين لأتباعه وإصلاح مجتمعهم.
وكان أسلوبها أحسن ما يأتي عليه أسلوب جامع لمحاسن الأساليب الخطابية وأساليب الكتب التشريعية وأساليب التذكير والموعظة. يتجدد بمثله نشاط السامعين بتفنن الأفانين، ويحضر لنا من أغراضها أنها ابتدئت بالرمز إلى تحدي العرب المعاندين تحديا إجماليا بحروف التهجي المفتتح بها رمزا يقتضي استشرافهم لما يرد بعده، وانتظارهم لبيان مقصده، فأعقب بالتنويه بشأن القرآن، فتحول الرمز إيماء إلى بعض المقصود من ذلك الرمز له أشد وقعا على نفوسهم، فتبقى في انتظار ما يتعقبه من صريح التعجيز الذي سيأتي بعد قوله: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة: 23] الآيات.
فعدل بهم إلى ذات جهة التنويه بفائق صدق هذا الكتاب وهديه، وتخلص إلى تصنيف الناس تجاه تلقيهم هذا الكتاب وانتفاعهم بهديه أصنافا أربعة، وكانوا قبل الهجرة صنفين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك التلقي، وإذ قد كان أخص الأصناف انتفاعا بهديه هم المؤمنين بالغيب المقيمين الصلاة يعني المسلمين- ابتدئ بذكرهم، ولما كان أشد الأصناف عنادا وحقدا صنفي المشركين الصرحاء، والمنافقين، لف الفريقان لفا واحدا، فقورعوا بالحجج الدامغة والبراهين الساطعة، ثم خص بالإطناب صنف أهل النفاق تشويها لنفاقهم وإعلانا لدخائلهم، ورد مطاعنهم، ثم كان خاتمة ما قرعت من أنوفهم صريح التحدي الذي رمز إليه بدءا تحديا يلجئهم إلى الاستكانة ويخرس ألسنتهم عن التطاول والإبانة، ويلقي في قرارات أنفسهم مذلة الهزيمة وصدق الرسول الذي تحداهم، فكان ذلك من رد العجز على الصدر، فاتسع المجال لدعوة المنصفين إلى عبادة الرب الحق الذي خلقهم وخلق السماوات والأرض، وأنعم عليهم بما في الأرض جميعا، وتخلص إلى صفة بدء خلق الإنسان فإن في ذلك تذكيرا لهم بالخلق الأول قبل أن توجد أصنامهم التي يزعمونها من صالحي قوم نوح ومن بعدهم، ومنّه على النوع بتفضيل أصلهم على مخلوقات هذا العالم وبمزيته بعلم ما لم يعلمه أهل الملأ الأعلى، وكيف نشأت عداوة الشيطان له ولنسله لتهيئة نفوس السامعين لاتهام شهواتها ولمحاسبتها على دعواتها، فهذه المنة التي شملت كل الأصناف الأربعة المتقدم ذكرها كانت مناسبة للتخلص إلى منة عظمى تخص الفريق الرابع وهم أهل الكتاب الذين هم أشد الناس مقاومة لهدي القرآن، وأنفذ الفرق قولا في عامة العرب لأن أهل الكتاب يومئذ هم أهل-
وهي: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
- العلم، ومظنة اقتداء العامة لهم من قوله: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي [البقرة: 40] الآيات، فأطنب في تذكيرهم بنعم الله وأيامه لهم، ووصف ما لاقوا به نعمه الجمة من الانحراف عن الصراط السوي انحرافا بلغ بهم حد الكفر، وذلك جامع لخلاصة تكوين أمة إسرائيل وجامعتهم في عهد موسى ثم ما كان من أهم أحداثهم مع الأنبياء الذين قفوا موسى إلى أن تلقوا دعوة الإسلام بالحسد والعداوة حتى على الملك جبريل وبيان أخطائهم لأن ذلك يلقي في النفوس شكا في تأهلهم للاقتداء بهم. وذكر من ذلك نموذجا من أخلاقهم في تعلق الحياة وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ [البقرة: 96] ومحاولة العمل بالسحر وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ [البقرة: 102] إلخ، وأذى النبي بموجبة الكلام لا تَقُولُوا راعِنا [البقرة: 104] .
ثم قرن اليهود والنصارى والمشركين في قرن حسدهم المسلمين والسخط على الشريعة الجديدة ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ- إلى قوله- وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:
105-
112] ثم ما أثير من الخلاف بين اليهود والنصارى، وادعاء كل فريق أنه هو المحق وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ- إلى- يَخْتَلِفُونَ [البقرة: 112] ثم خص المشركين بأنهم أظلم هؤلاء الأصناف الثلاثة لأنهم منعوا المسلمين من ذكر الله في المسجد الحرام، وسمحوا بذلك في خرابه، وأنهم تشابهوا في ذلك هم واليهود والنصارى واتحدوا في كراهية الإسلام.
والاحتراز عن إجابتها في الذين كفروا منهم، وأن الإسلام على أساس ملة إبراهيم وهو التوحيد، وأن اليهودية والنصرانية ليستا ملة إبراهيم، وأن من ذلك الرجوع إلى استقبال الكعبة، ادخره الله للمسلمين آية على أن الإسلام هو القائم على أساس الحنيفية، وذكر شعائر الله بمكة، وإبكات أهل الكتاب في طعنهم على تحويل القبلة، وإن العناية بتزكية النفوس أجدر من العناية باستقبال الجهات: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: 177] وذكروا بنسخ الشرائع لصلاح الأمم، وأنه لا بدع في نسخ شريعة التوراة أو الإنجيل بما هو خير منهما. ثم عاد إلى محاجة المشركين بآثار صنعة الله إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ [البقرة: 164] إلخ ومحاجة المشركين في يوم يتبرءون فيه من قادتهم، وإبطال مزاعم دين الفريقين في محرمات من الأكل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ [البقرة: 172] وقد كمل ذلك بذكر صنف من الناس قليل، وهم المشركون الذين لم يظهروا الإسلام ولكنهم أظهروا مودة المسلمين وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [البقرة: 204] .
ولما قضى حق ذلك كله بأبدع بيان وأوضح برهان انتقل إلى قسم تشريعات الإسلام إجمالا بقوله:
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [البقرة: 177] ثم تفصيلا: القصاص، الوصية، الصيام، الاعتكاف، الحج، الجهاد، ونظام المعاشرة والعائلة والمعاملات المالية، والإنفاق في سبيل الله والصدقات، والمسكرات، واليتامى، والمواريث، والبيوع، والربا، والديون، والإشهاد، والرهن، والنكاح، وأحكام النساء والعدة والطلاق، والرضاع، والنفقات، والأيمان.
وختمت السورة بالدعاء المتضمن لخصائص الشريعة الإسلامية، وذلك من جوامع الكلم فكان هذا الختام تذليلا وفذلكة: لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ [البقرة: 284] الآيات.
وكانت في خلال ذلك كله أغراض شتى سيقت في معرض الاستطراد في متفرق المناسبات تجديدا-
[البقرة: 281]، ويقال لسورة البقرة:«فسطاط القرآن» ، وذلك لعظمها وبهائها، وما تضمّنت من الأحكام والمواعظ، وفيها خمسمائة حكم، وخمسة عشر مثلا، وروي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«أعطيت سورة البقرة من الذّكر الأوّل، وأعطيت طه والطّواسين «1» من ألواح موسى «2» ، وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة من تحت العرش» «3» .
ت: وها أنا إن شاء الله أذكر أصل الحديث بكماله لما اشتمل عليه من الفوائد العظيمة.
خرّج الحاكم أبو عبد الله «4» في «المستدرك على الصحيحين»
- لنشاط القارئ والسامع كما يسفر وجه الشمس إثر نزول الغيوث الهوامع، وتخرج بوادر الزهر عقب الرعود القوارع- من تمجيد الله وصفاته اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [البقرة: 255] ورحمته، وسماحة الإسلام، وضرب أمثال أَوْ كَصَيِّبٍ [البقرة: 19] واستحضار نظائر وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ [البقرة: 74] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [البقرة: 243] ، وعلم، وحكمة، ومعاني الإيمان والإسلام، وتثبيت المسلمين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ [البقرة: 153] والكمالات الأصلية، والمزايا التحسينية، وأخذ الأعمال والمعاني من حقائقها وفوائدها لا من هيئاتها، وعدم الاعتداد بالمصطلحات إذا لم ترم إلى غايات وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها [البقرة: 189] لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [البقرة: 177] وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: 217] والنظر والاستدلال، ونظام المحاجة، وأخبار الأمم الماضية والرسل وتفاضلهم، واختلاف الشرائع.
ينظر: «التحرير» (1/ 203- 206) .
(1)
وهي السور المبدوءة ب «طس» أو «طسم» . [.....]
(2)
«موسى» اسم عبراني معرب عن «موشى» ، «مو» بالعبرانية: الماء، و «شى» الشجر، سمي به لأنه أخذ من بين الماء والشجر. وهو اسم نبي بني إسرائيل عليه الصلاة والسلام، وهو علم أعجمي لا يقضى عليه بالاشتقاق، وإنما يشتق «موسى الحديد» . ينظر:«التبيان» (1/ 63) .
وهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل.
«الكامل» لابن الأثير (1/ 169) .
(3)
أخرجه الحاكم (1/ 561) ، (2/ 259) ، وعنه البيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 485) ، رقم (2478) ، كلاهما من طريق عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح، عن معقل بن يسار به مرفوعا.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
وتعقبه الذهبي فقال: عبيد الله، قال أحمد: تركوا حديثه.
(4)
محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم، الضبي، الطهماني، الحافظ أبو عبد الله، الحاكم النيسابوري المعروف بابن البيع، صاحب «المستدرك» ، وغيره من الكتب المشهورة، كان مولده سنة (321) ، ورحل في طلب الحديث، وسمع الكثير على شيوخ يزيدون على ألفين، وتفقه على أبي علي بن أبي هريرة وأبي الوليد النيسابوري وأبي سهل الصعلوكي وغيرهم، أخذ عنه أبو بكر البيهقي وصنف المصنفات الكثيرة. مات سنة (405) . انظر:«طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 193) ، «لسان الميزان» (5/ 232) .
عن معقل بن يسار «1» رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعملوا بالقرآن أحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، واقتدوا به، ولا تكفروا بشيء منه، وما تشابه عليكم منه فردّوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كي ما يخبرونكم، وآمنوا بالتّوراة والإنجيل والزّبور وما أوتي النّبيّون من ربّهم، وليسعكم القرآن وما فيه من البيان، فإنّه شافع مشفّع، وما حل»
مصدّق، وإنّي أعطيت سورة البقرة من الذّكر الأوّل وأعطيت طه والطّواسين والحواميم «3» من الواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب من تحت العرش» «4» ، ما حل بالمهملة، أي:
ساع، وقيل: خصم. انتهى من «السّلاح» .
وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:«تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنّهما غيايتان «5» ، بينهما شرق، أو غمامتان سوداوان، أو كأنّهما ظلّة من طير صوافّ تجادلان عن صاحبهما» «6» .
ت: أصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي أمامة الباهليّ «7» رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقول: «اقرءوا القرآن فإنّه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه
(1) معقل بن يسار المزني، أبو علي، بايع تحت الشجرة. له أربعة وثلاثون حديثا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بآخر، ومسلم بحديثين وعنه عمران بن حصين. مات في خلافة معاوية.
ينظر: «الخلاصة» (3/ 45) ، و «تهذيب التهذيب» (10/ 235) ، و «الثقات» (3/ 392) .
(2)
أي: خصم مجادل مصدق. وقيل: ساع مصدق، من قولهم: محل بفلان، إذا سعي به إلى السلطان، يعني أن من اتبعه وعمل بما فيه، فإنه شافع له مقبول الشفاعة، ومصدق عليه فيما يرفع من مساويه إذا ترك العمل به.
ينظر: «النهاية» (4/ 303) .
(3)
يعني السور المبدوءة ب «حم» .
(4)
أخرجه الحاكم في «المستدرك» (3/ 578) كتاب «معرفة الصحابة» باب معقل بن يسار وسكت عنه هو والذهبي.
(5)
الغياية: السحابة المنفردة، أو هي كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه. ينظر:«النهاية» (3/ 403) ، و «لسان العرب» (3332) .
(6)
سيأتي تخريجه.
(7)
هو: صدي بن عجلان بن الحارث وقيل: عجلان بن وهب
…
أبو أمامة. الباهلي. السهمي. سكن «مصر» ثم انتقل منها فسكن «حمص» من الشام، ومات بها، وكان من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه عند الشاميين. وقال ابن الأثير في موضع آخر. روى عنه سليم بن عامر الجنائزي، والقاسم أبو عبد الرحمن، وأبو غالب حزور، وشرحبيل بن مسلم، ومحمد بن زياد، وغيرهم. توفي سنة (81) .
ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 16) ، (6/ 16) ، «الإصابة» (7/ 9) ، «الاستيعاب» (4/ 1602)«تجريد أسماء الصحابة» (2/ 148) ، «بقي بن مخلد» (17) ، «الطبقات الكبرى» (1/ 415) .
اقرءوا الزّهراوين البقرة وآل عمران فإنّهما يأتيان كأنّهما غمامتان، أو كأنّهما غيايتان، أو كأنّهما فرقان «1» من طير صوّاف يحاجّان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة» ، قال معاوية «2» : بلغني أنّ البطلة: السّحرة «3» ، فقوله صلى الله عليه وسلم:«غمامتان» ، يعني: سحابتين بيضاوين، والغيايتان بالغين المعجمة.
أبو عبيد: الغياية كلّ شيء أظلّ الإنسان فوق رأسه، وهو مثل السحابة، وفرقان بكسر الفاء، أي: جماعتان. انتهى من «السلاح» .
وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال:«لكلّ شيء سنام، وسنام القرآن سورة البقرة فيها آية هي سيّدة آي القرآن، هي آية الكرسيّ» «4» ، وفي «البخاريّ» أنه صلى الله عليه وسلم قال: «من قرأ
(1) الفرقان: القطعتان. ينظر: «النهاية» (3/ 440) .
(2)
هو: معاوية بن صخر (أبي سفيان) بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو عبد الرحمن.
القرشي. الأموي. أمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، قيل: ولد قبل البعثة بخمس سنين، وقيل: بسبع، وقيل: بثلاث عشرة، والقول الأول أشهر على الصحيح من الأقوال. وهو خال المؤمنين، وكاتب النبي صلى الله عليه وسلم وهو الذي طالب بدم عثمان، فكان من الحروب بينه وبين عليّ ما كان، وإسلامه وحروبه وإمارته شهيرة جدّا، ولا يتسع المقام للحديث عنه. توفي في رجب سنة (60) هـ.
ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (5/ 209) ، «الإصابة» (6/ 112) ، «الاستيعاب» (3/ 1416) ، «الاستبصار» (40، 67) ، «الكاشف» (3/ 157) ، «الأعلام» (7/ 261) ، «شذرات الذهب» (1/ 418) ، «العبر» (1/ 549) ، «العقد الثمين» (7/ 227) ، «تهذيب التهذيب» (10/ 207) ، «تهذيب الكمال» (3/ 1344) ، «التاريخ الكبير» (7/ 326) .
(3)
أخرجه مسلم (1/ 553) ، كتاب «صلاة المسافرين» ، باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة، حديث (252) ، وأحمد (5/ 249) ، والطبراني في «الكبير» (8/ 139) ، رقم (7544) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (2/ 395) ، كتاب «الصلاة» ، باب المعاهدة على قراءة القرآن، وفي «شعب الإيمان» (2/ 451) ، رقم (2372) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 19- بتحقيقنا) ، كلهم من طريق معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام أنه سمع أبا أمامة، فذكره.
وللحديث شاهد من حديث النواس بن سمعان الكلابي: أخرجه مسلم (1/ 553) كتاب «صلاة المسافرين» ، باب فضل قراءة القرآن، وسورة البقرة، حديث (253) ، والترمذي (5/ 160) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في سورة آل عمران، حديث (2883) . والبيهقي في «شعب الإيمان» (2373) ، عن النواس بن سمعان بنحو حديث أبي أمامة.
(4)
أخرجه الترمذي (5/ 157) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في فضل سورة البقرة وآية الكرسي، حديث (2878) ، وعبد الرزاق (3/ 376- 377) ، رقم (6019) ، والحميدي (2/ 437) ، رقم (994) ، والحاكم (1/ 560- 561) ، والبيهقي في «شعب الإيمان» (2/ 452) ، رقم (2375) ، وابن عدي في «الكامل» (2/ 637) . كلهم من طريق حكيم بن جبير، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعا. -[.....]
بالآيتين مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ/ فِي لَيْلَةٍ، كَفَتَاهُ» «1» وروى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: 9 ب
- وقال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث حكيم بن جبير، وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير وضعفه اه.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه والشيخان لم يخرجا عن حكيم لوهن في رواياته، وإنما تركاه لغلوه في التشيع. ووافقه الذهبي.
قلت: والشيخان لم يتركا حكيم لتشيعه فقط، إنما لضعفه أيضا.
فقال الحافظ في «التقريب» (1468) : ضعيف، رمي بالتشيع، ولأول الحديث شاهد من حديث سهل بن سعد: أخرجه أبو يعلى (13/ 547) ، رقم (7554) ، وابن حبان (1727- موارد) ، والعقيلي في «الضعفاء» (2/ 6) ، وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (1/ 101) ، والطبراني في «الكبير» (6/ 163) ، رقم (5864) كلهم من طريق خالد بن سعيد المدني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد به.
وخالد بن سعيد، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه.
وقال: وفي فضل سورة البقرة رواية أحسن من هذا الإسناد وأصلح.
والنسائي في «الكبرى» (5/ 14) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب الآيتان من سورة البقرة، حديث (8020) ، والحميدي (1/ 215) ، رقم (452) ، وعبد الرزاق (3/ 377) ، رقم (6021) ، وابن خزيمة (2/ 180) ، رقم (1141) ، كلهم من طريق سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن علقمة، عن أبي مسعود به مرفوعا. وعند بعضهم: قال عبد الرحمن: ثم لقيت أبا مسعود في الطواف فسألته عنه، فحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
…
، وذكر الحديث وللحديث طرق أخرى واختلاف فيها تكلم عليها الحافظ علي بن عمر الدارقطني في كتابه القيم «العلل الواردة في الأحاديث النبوية» (6/ 171- 174) .
(1)
أخرجه البخاري (8/ 672)، كتاب «فضائل القرآن» : باب فضل سورة البقرة، حديث (5009) ، ومسلم (1/ 555)، كتاب «صلاة المسافرين» : باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (255/ 807) ، وأبو داود (1/ 444) ، كتاب «الصلاة» ، باب تحزيب القرآن، حديث (1397) ، والترمذي (5/ 159) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب ما جاء في آخر سورة البقرة، حديث (2881) ، والنسائي في «الكبرى» ، (5/ 9) كتاب «فضائل القرآن» ، باب سورة كذا وسورة كذا، حديث (8003) ، و (5/ 14) ، باب الآيتان من آخر سورة البقرة، حديث (8018) ، وأحمد (4/ 121، 122) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (ص 105- 106) ، رقم (233) ، وعبد الرزاق (3/ 377) ، رقم (6020) ، والدارمي (1/ 288) ، وسعيد بن منصور (475) ، وابن الضريس في «فضائل القرآن» (ص- 83) ، رقم (161) ، والطبراني في «الكبير» (17/ 204- 205) رقم (550، 552) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» ، (3/ 20) ، كتاب «الصلاة» ، باب كم يكفي الرجل قراءة القرآن في ليله، وفي «شعب الأيمان» (2/ 462) ، رقم (2405، 2406) ، كلهم من طريق منصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنت أحدّث عن أبي مسعود حديثا فلقيته وهو يطوف بالبيت، فسألته، فحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من قرأ الآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة كفتاه» .
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قلت: والذي حدث عبد الرحمن بن يزيد بهذا الحديث هو علقمة بلا شك فأخرجه البخاري (8/ 712) ، كتاب «فضائل القرآن» ، باب في كم يقرأ القرآن، حديث (5051) .