الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تلك الأحداث الموهلة في تاريخ الكون تقع في صميم الغيب الذي أخبر ربنا تبارك وتعالى عنه بقوله عز وجل: {مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا} (الكهف: 51) إلا أن السنن التي فطر الله تعالى الكون عليها، لها من الاقتراب والاستمرار، والثبات ما يمكن أن يعين الإنسان على الوصول إلى شيء من التصور الصحيح لتلك الأحداث الغيبية الموهلة في أبعاد التاريخ الكوني، على الرغم من حس الإنسان المحدود، وقدرات عقله المحدودة، ومحدودية كل من زمانه ومكانه.
كذلك فإن التقنيات المتطورة من مثل الصواريخ العابرة لمسافات كبيرة في السماء والأقمار الصناعية التي تطلقها تلك الصواريخ والأجهزة القياسية والتسجيلية الدقيقة، التي تحملها قد ساعدت على الوصول إلى تصوير الدخان الكوني الأول الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم، والتي وجدت بقايا أثرية له على أطراف الجزء المدرك من الكون، وعلى أبعاد تصل إلى عشرة مليارات من السنين الضوئية لتثبت دقة التعبير القرآني بلفظة دخان، التي وصف بها حالة الكون قبل خلق السماوات والأرض.
الفيزياء الفلكية ودخانية الكون
بعد الانفجار العظيم تحول الكون إلى غلالة من الدخان الذي خلقت منه الأرض والسماوات، وتشير الحسابات الفيزيائية إلى أن حجم الكون قبل الانفجار العظيم كاد يقترب من الصفر، وكان في حالة غريبة من تكدس كل من المادة والطاقة، وتلاشى كل من المكان والزمان تتوقف عندها كل قوانين الفيزياء المعروفة مرحلة الرتق، ثم انفجر هذا الجرم الابتدائي الأول في ظاهرة كبرى تعرف بظاهرة الانفجار الكوني العظيم، التي هي مرحلة الفتق.
وبانفجاره تحول إلى كرة من الإشعاع، والجسيمات الأولية أخذت في التمدد والتبرد بسرعات فائقة، حتى تحولت إلى غلالة من الدخان، فبعد ثانية واحدة من واقعة الانفجار العظيم تقدِّر الحسابات الفيزيائية انخفاض درجة حرارة الكون من تريليونات الدرجة المطلقة إلى عشرة بلايين من الدرجات المطلقة وعندها تحول الكون إلى غلالة من الدخان المكون من الفوتونات، والإلكترونات والنيترينوات، وأضداد هذه الجسيمات في زوجية واضحة مع قليل من البروتونات والنيترونات.
ولولا استمرار الكون في التوسع والتبرد بمعدلات منضبطة بدقة فائقة، لأفنت الجسيمات الأولية للمادة وأضدادها بعضها بعضًا وانتهى الكون، ولكنه حفظ بحفظ الله الذي أتقن كل شيء خلقه، والنيترونات يمكن أن توجد في الكون على هيئة ما يسمى باسم المادة الداكنة.
وقد نادى ألنجوس في سنة 1981م بأن التمدد عند بدء الانفجار العظيم كان بمعدلات فائقة التصور، أدت إلى زيادة قطر الكون بمعدل عشر مرة في الجزء من الثانية، وتشير حسابات الفيزياء النظرية إلى معدلات أعلى من ذلك، وإلى الاستمرار في انخفاض درجة حرارة الكون إلى بليون؛ يعني ألف مليون درجة مطلقة بعد ذلك بقليل، وعند تلك الدرجة ابتعدت البروتونات والنيترونات؛ لتكوين نوى ذرات الأيدروجين الثقيل أو الديتريون التي تحللت إلى الإدروجين أو اتحدت مع مزيج من البروتونات، والنيترونات؛ لتكون نوى ذرات الهيليوم، والقليل من نوى ذرات عناصر أعلى، مثل نوى ذرات الليثيوم، ونوى ذرات البرليوم، ولكن بقيت النسبة الغالبة لنوى ذرات غازى الإدروجين والهليوم.
وتشير الحسابات النظرية إلى أنه بعد ذلك بقليل توقف إنتاج كل من الهليوم، والعناصر التالية له، واستمر الكون في الاتساع والتمدد والتبرد لفترة زمنية
طويلة، ومع التبرد انخفضت درجة حرارة الكون إلى آلاف قليلة من الدرجات المطلقة، حين بدأت ذرات العناصر في التكون والتجمع، وبدأ الدخان الكوني في التكدس على هيئة أعداد من السدم الكونية الهائلة، ومع استمرار عملية الاتساع والتبرد في الكون، بدأت أجزاء من تلك السدم في التكثف على ذاتها بفعل الجاذبية، وبالدوران حول نفسها بسرعات متزايدة بالتدريج، حتى تخلقت بداخلها كتل من الغازات المتكثفة، ومع استمرار دوران تلك الكتل الكثيفة في داخل السدم، بدأت كميات من غازي الإدروجين والهليوم الموجودة بداخلها في التكدس على ذاتها بمعدلات أكبر، مما أدى إلى مزيد من الارتفاع في درجات حرارتها، حتى وصلت إلى الدرجات اللازمة؛ لبدء عملية الاندماج النووي، فتكونت النجوم المنتجة للضوء والحرارة.
وفي النجوم الكبيرة الكتلة استمرت عملية الاندماج النووي؛ لتخليق العناصر الأعلى في وزنها الذري بالتدرج مثل الكربون والأكسجين، وما يليهما حتى يتحول لب النجم بالكامل إلى الحديد، فينفجر هذا النجم المستعر على هيئة المستعر الأعظم، وتتناثر أشلاء المستعرات العظمى وما بها من عناصر ثقيلة في داخل المجرة؛ لتتكون منها الكواكب والكويكبات بينما يبقى منها في غازات المجرة ما يمكن أن يدخل في بناء نجم آخر بإذن الله.
وتحتوي شمسنا اليوم على نحو 2 % من كتلتها للعناصر الأثقل في أوزانها الذرية، من غازي الإدروجين والهليوم، وهما المكونان الأساسيان لها، وهذه العناصر الثقيلة لم تتكون كلها بالقط في داخل الشمس، بل جاءت إليها من بقايا انفجار بعض من المستعرات العظمى.
وعلى الرغم من تكدس كل من المادة والطاقة في أجرام السماء، مثل النجوم وتوابعها، فإن الكون المدرك يبدو لنا متجانسًا على نطاق واسع في كل الاتجاهات، وتحده خلفية إشعاعية متساوية حيثما نظر الراصد.
كذلك فإن توسع الكون لم يتجاوز بعد الحد الحرج الذي يمكن أن يؤدي إلى انهياره على ذاته، وتكدسه من جديد مما يؤكد أنه محكوم بضوابط بالغة الدقة والإحكام، ولا يزال الكون المدرك مستمرًّا في توسعه بعد أكثر من عشرة مليارات من السنين هي العمر الأدنى المقدر للكون، وذلك بنفس معدل التوسع الحرج، ولو تجاوزه بجزء من مئات البلايين من المعدل الحالي للتوسع لانهار الكون على الفور، فسبحان الذي حفظه من الانهيار، والنظرية النسبية لا يمكنها تفسير ذلك؛ لأن كل القوانين الفيزيائية، وكل الأبعاد المكانية والزمانية تنهار عند الجرم الابتدائي للكون قبل انفجار مرحلة الرتق بكتلته وكثافته وحرارته الفائقة، وانعدام حجمه إلى ما يقرب من الصفر.
ولا يمكن لعاقل أن يتصور مصدرًا لخلق هذا الكون بهذا المقدار من الإحكام غير الخالق سبحانه، الذي يصف هذا الأمر بقوله:{إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (يس: 82).
فعلى سبيل المثال لا الحصر يذكر علماء الفيزياء، أنه إذا تغيرت الشحنة الكهربائية للإلكترون قليلًا ما استطاعت النجوم القيام بعملية الاندماج النووي، ولعجزت عن الانفجار على هيئة ما يسمى المستعر الأعظم، إذا تمكنت فرضًا من القيام بعملية الاندماج النووي.
والمعدل المتوسط لعملية اتساع الكون لا بد وأنه قد اختير بحكمة بالغة؛ لأن معدله الحالي لا يزال قريبًا من الحد الحرج اللازم لمنع الكون من الانهيار على ذاته.
ويقرر علماء الفيزياء النظرية والفلكية أن الدخان الكوني كان خليطًا من الغازات الحارة المعتمة التي تتخللها بعض الجسيمات الأولية للمادة وأضداد المادة، حتى
تشهد هذه الصورة من صور الزوجية السائدة في الكون لله بالتفرد بالوحدانية المطلقة فوق كافة خلقه.
ولا توجد كلمة توفي هذه الحالة حقها من الوصف، مثل كلمة دخان، فسبحان الذي أنزلها في كتابه من قبل ألف وأربعمائه من السنين، وقد تكونت من تلك الجسيمات الأولية للمادة في الدخان الكوني الأولى نوى ذرات غازي الإدروجين والهليوم.
وبعد ذلك وصلت إلى الحد الذي يسمح بتكوين ذرات ثابتة لعناصر أكبر وزنا، وذلك باتحاد نوى ذرات الإدروجين والهليوم، وظل هذا الدخان المعتم سائدًا ومحتويًا على ذرات العناصر، التي خلق منها بعد ذلك كل من الأرض والسماء.
وتفيد الدراسات النظرية أن الكون في حالته الدخانية كان يتميز بقدر من التجانس مع تفاوت بسيط في كل من الكثافة ودرجات الحرارة بين منطقة وأخرى؛ وذلك نظرًا لبدء تحول أجزاء من ذلك الدخان بتقدير من الله تعالى إلى مناطق تتركز فيها كميات كبيرة من كل من المادة والطاقة على هيئة السد.
ولما كانت الجاذبية في تلك المناطق تتناسب تناسبًا طرديًّا مع كم المادة والطاقة المتمركزة فيها، فقد أدى ذلك إلى مزيد من تكدس المادة والطاقة، والذي بواسطته بدأ تخلق النجوم، وبقية أجرام السماء في داخل تلك السد، وتكونت النجوم في مراحلها الأولى من العناصر الخفيفة مثل الإدروجين والهليوم، والتي أخذت في التحول إلى العناصر الأعلى وزنًا بالتدريج، مع بدء عملية الاندماج النووي في داخل تلك النجوم حسب كتلة كل منها.