الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
الدرس الحادي عشر
(الإعجاز في ضرب المَثَل بالذباب)
عرض موجز لسورة الحج التي ذكرت فيها الآية
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
سنشرح قول الله تعالى أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} (الحج: 73).
هذا النص القرآني المعجز جاء في خواتيم سورة الحج، وهي سورة مدنية، ومجموع آياتها ثمان وسبعون بعد البسملة، وهي ال س ورة الوحيدة من بين س ور القرآن الكريم التي جمعت بين سجدتين من سجدات التلاوة، وقد سميت بهذا الاسم من ورود الإشارة فيها إلى الأمر الإلهي الصادر إلى أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه من الله السلام بالأذان في الناس بالحج، ويدور المحور الرئيسي لل س ورة حول عدد من التشريعات الإسلامية بأحكام كل من الحج والطعام والإذن بالقتال والجهاد في سبيل الله؛ دفاع ً اعن النفس وعن الدين وشعائره ومقدساته، وعن أعراض وأموال وممتلكات وأراضي المسلمين؛ دفع ً الظلم الظالمين ولبغي الباغين المتجبرين في الأرض بغير الحق.
ويصحب هذه التكاليف وعد قاطع من الله تعالى بنصر المجاهدين في سبيله، وبالتمكين لعباده المؤمنين الذين ينهضون في غير تردد لدفع كل عدوان باغ على المسلمين، أو على غيرهم من البشر المسالمين مع تأكيد قوة الله البالغة وضعف الشركاء المزعومين، والإشارة إلى مصارع الغابرين من الكفار والمشركين والبغاة الظالمين، وإلى سنن الله تعالى في ذلك، وهي سنن لا تتوقف ولا تتبدل ولا تتخ لف.
تبدأ سورة الحج بدعوة الناس جميعا إلى تقوى الله، وتحذرهم من هول الساعة وما يصاحبها من أحداث جسام، ومن اتباع الشيطان؛ لأنه يضل من يتبعه ويهديه إلى عذاب السعير.
وتحذر كذلك من الخوض في الذات الإلهية بغير علم، وتؤكد حقيقة البعث مستشهدة على حتميته ب خلق الإنسان من تراب، وذلك بإنبات الأرض بعد إنزال الماء عليها واتخاذه دليلا على إحياء الموتى مؤكدة أن الله تعالى على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وتعاود السورة الكريمة الحديث عن من يضلهم الشيطان ويجادلون في الذات الإلهية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؛ ليضلوا غيرهم عن سبيل الله، وهؤلاء لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب شديد، وتشير السورة إلى أن من الناس من يعبد الله؛ طمع ً افي كريم عطائه فقط ف إن أصابه خير اطمأن به، وإن ابتلي بفتنة انقلب على عقبيه فخسر الدنيا والآخرة؛ وذلك هو الخسران المبين.
وتحذ ر سورة الحج من الشرك بالله واصفة إياه بالضلال البعيد، ومؤكدة عجز الشركاء المزعومين عن نفع أو ضر من أشركوهم مع الله تعالى، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وتؤكد السورة الكريمة جزاء العمل الصالح بقول ربنا تبارك وتعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} (الحج: 14).
وتضيف السورة مؤكدة أن الله -تعالى- قد تعهد بنصر خاتم أنبيائه ورسله وبنصر أتباعه في الدنيا والآخرة رغم كيد الكائدين وحقد الحاقدين، وفي الإشارة إلى القرآن الكريم يقول ربنا تبارك وتعالى:{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ} (الحج: 16) وفوضت الآيات الأمر إلى الله تعالى في الفصل بين أصحاب الملل والنحل المختلفة في يوم القيامة، مؤكدة أن جميع ما في هذا الوجود ومن فيه يسجدوا لله - سبحانه - في عبودية كاملة وخضوع تام يمثلان قيمة التكريم للمخلوقات؛ لأن من يعرض عن ذلك من أصحاب الإرادة الحرة فليس له من مكرم.
ومايزت سورة الحج بين عذاب الكافرين في الآخرة ونعيم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأشارت إلى أن من الكفر بالله الصد عن سبيله وعن المسجد الحرام والظلم والإلحاد فيه، وأكدت أن الله تعالى قد هدى إبراهيم عليه السلام إلى التوحيد الخالص، وإلى مكان البيت الحرام وأمره برفع قواعده وإعادة بنائه، والعمل على تطهيره للطائفين والقائمين والركع السجود، وأن يؤذن في الناس بالحج يأتوه من كل فج عميق، وبذلك أقامت فريضة الحج وما فيها من تعظيم لشعائر الله، وحذرت من انتهاك حرمات الله، وأمرت بالحلال من الطعام، وباجتناب الرجس من الأوثان واجتناب قول الزور.
كما أمرت بالحنيفية السمحة، ونهت عن الشرك بالله وحذرت من عقاب المشركين في يوم الدين، وأكدت أن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، وأشارت إلى أن الله -سبحانه- قد جعل على كل أمة قربانا تقدمه لله شكرا على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، وتكرر سورة الحج تأكيد وحدانية الله وضرورة الخضوع الكامل لجلاله ل لإسلام له، وتأمر خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم أن يبشر بخيري الدنيا والآخرة كلا من المتواضعين لله تعالى والمطمئنين إلى حكمه والذين تخشع قلوبهم لذكره، والصابرين على قضا ئ هـ، والمقيمين للصلاة خالصة له، والمنفقين مما رزقهم الله طلبا لمرضاته.
وأكدت أن من شعائر الحج النحر لله فإذا ذبحت البدن بعد ذكر اسم الله عليها أكل منها مقدمها وأطعم السائل وغير السائل ممن يتعرضون له، ولذلك سخرها الله تعالى لهم من قبيل الشكر لله على وه ب تلك الأنعام، وعلى هدايته - سبحانه - لهؤلاء المحسنين الذين قدموها قربانا إلى الله بشرهم الله تعالى بالقبول فيقول - سبحانه:{لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ} (الحج: 37، 38).
ويتكرر في سورة الحج ال إذ ن بالقتال الدفاعي للذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغي ر حق إلا أن يقولوا ربنا الله كما حدث، ولا يزال يحدث مع إخواننا المسلمين الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله.
وتؤكد هذه السورة ال كر يمة أن الله تعالى سوف ينصر من ينصره، وهو القوي العزيز، وتصف سورة الحج أنصار الله بقول الله - سبحانه:{الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} (الحج: 41).
وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم في مواساة رقيقة من الله تعالى لتكذيب الكافرين والمشركين لبعثته الشريفة؛ فيقول له رب العالمين: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ * وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ * وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} (الحج: 42 - 48).
وتطالب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين - صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين - بأن يعلن للناس جميعا أنه نذير مبين لهم فتقول الآيات: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} (الحج: 49 - 51).
وتؤكد سورة الحج أن الله العليم الحكيم قد أحكم آيات كتابه العزيز، وحفظها من كل تدخل شيطاني حتى يبقى كتاب الله في صفائه الرباني محتفظ ً ابالحق الذي أنزله ربنا تبارك وتعالى وفي ذلك يقول الله:{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِي الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ} (الحج: 54، 55).
وتكرر السورة الكريمة التفريق بين نعيم الذين آمنوا وعملوا الصالحات في الآخرة وجحيم الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، مؤكدة ثواب المهاجرين في سبيل الله والمجاهدين من أجل إعلاء دينه وإقامة عدله على الأرض، وأن الله تعالى قد أخذ على ذاته العلية نصرة كل مظلوم، واستشهدت السورة الكريمة بعدد من الآيات الكونية على حقيقة الألوهية فيقول - سبحانه:{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هو الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} (لقمان: 62).
وركزت الآيات على زجر المعارضين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب في زمانه وإلى زماننا وحتى قيام الساعة، وتحذرهم من مخالفته وعصيانه، مؤكدة خر وجهم على ما جاءهم من كتب وما أنزل له م فيها من الشرائع والعقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، وفي ذلك ت ق ول الآيات:{وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} (الحج: 71، 72).
وتختتم سورة الحج بقول الله - سبحانه: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ