الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الثالث
150/ 3/ 29 - عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خسفت الشمس (1) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الركعة الأولى، ثم انصرف وقد تجلت الشمس، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا".
ثم قال: "يا أمة محمد والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا"(2).
(1) في ن ب زيادة (والقمر).
(2)
البخاري (1044، 1046، 1047، 1050، 1056، 1058، 1064، 1065، 1066، 1212، 3203، 4624، 5221، 6631)، ومسلم (901)، ومالك (1/ 186)، وأبو عوانة (2/ 373، 374)، وأبو داود =
وفي لفظ: "فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات".
الكلام عليه من سبعة وعشرين وجهًا:
الأول: فيه دليل على جواز استعمال الخسوف في الشمس وهي لغة ثابتة كما تقدم.
الثاني: فيه المبادرة بالصلاة عند الكسوف لقولها "فصلى" بالفاء التعقيبية، وشرعية صلاة الكسوف جماعة وهو مذهب الجمهور، كما أسلفته في الحديث الأول.
الثالث: فيه شرعية طول القيام فيها، ولم يُذكر في الحديث حد لطوله، لكن قال أصحابنا وغيرهم: يطول القيام الأول نحوًا من سورة البقرة، لحديث ابن عباس في الصحيح (1) فإن فيه تقدير [القيام بنحو قدر سورة البقرة، وأن الثاني دونه، وأن](2) القيام الأول من الركعة الثانية نحو القيام الأول وكذا الباقي.
= (1/ 119)، والنسائي (3/ 132، 133)، وابن خزيمة (2/ 324)، والطحاوي (1/ 327)، والبيهقي (3/ 338)، والبغوي (4/ 373، 374)، وابن الجارود (1/ 222)، وابن حبان (2845، 2846).
(1)
البخاري (29، 431، 748، 1052، 3202، 5197)، ومسلم (907)، وأبو عوانة (2/ 379، 380)، وأبو داود (1189)، والنسائي (3/ 146، 147، 148)، والدارمي (1/ 298)، وأحمد (1/ 298، 359)، وابن الجارود (1/ 220)، وابن خزيمة (2/ 312، 313)، والبيهقي (3/ 321)، والبغوي (4/ 369، 370)، ومن رواية عائشة رضي الله عنها: عند أبي داود (1187)، والبيهقي في معرفة السنن (7139)، والتمهيد (3/ 308)، والاستذكار (7/ 102).
(2)
في ن ب ساقطة.
وفي الدارقطني من حديث عائشة (1) قراءته في الأولى بالعنكبوت أو الروم، وفي الثانية بـ"يس"، لم يضعفه عبد الحق.
وادعى الفاكهي: أنه ورد في حديث أنه قرأ في [القيام](2) الأول بنحو سورة البقرة، وفي الثاني بنحو سورة آل عمران، وفي الثالث بنحو سورة النساء، وفي الرابع بنحو سورة المائدة، وشرع يستشكل تقدير الثالث بالنساء، لأن المختار كون القيام الثالث أقصر
من الثاني والنساء أطول من آل عمران [فليحرر](3) ذلك.
الرابع: فيه تطويل الركوع الأول ولم يذكر أيضًا في الحديث له حد، وذكر أصحابنا: أنه يطوله بقدر مائة آية من البقرة، واختار غيرهم أنه لا يطوله [(4)] إلَّا بما لا يضر بمن خلفه.
الخامس: أن القيام الثاني يكون دون القيام الأول [وهو سنة هذه الصلاة وهو مناسب لحكم الركعة الثانية في غيرها من الصلوات](5) عند المحققين لأنها تكون أقصر من الأولى كما تقدم في باب وجوب القراءة في الصلاة [في](6) الحديث [الثاني منه](7).
(1) الدارقطني (2/ 64)، والبيهقي (3/ 336)، انظر: تلخيص الحبير (2/ 93). وقد روي عن علي أيضًا أنهم حزروا قراءته بالروم ويس أو العنكبوت. انظر: التمهيد (3/ 310)، والاستذكار (7/ 102).
(2)
زيادة من ن ب.
(3)
في ن ب (فليحر).
(4)
في ن ب زيادة (بقدر مائة).
(5)
في ن ب ساقطة.
(6)
في ن ب ساقطة.
(7)
في ن ب (الثامنة).
السادس: اتفق الفقهاء على القراءة: في هذا القيام الثاني أعني الذين قالوا به، وجمهورهم على قراءة الفاتحة، وقالوا لا تصح الصلاة إلَّا بقراءتها فيه.
وقال محمد بن سلمة المالكي: لا تقرأ الفاتحة في القيام الثاني. وكأنه رآها ركعة واحدة زيد فيها ركوع والركعة الواحدة لا تثنى فيها الفاتحة، فهذا يمكن أن يؤخذ من الحديث كما سيأتي في قول [عائشة](1) إستكمل أربع ركعات [و](2) أربع سجدات، ومنصوص مذهب مالك أنه يقرأ.
واعلم أني لم أر في الأحاديث قراءة الفاتحة في كل قيام، وإنما فيها أنه قرأ فيهما.
وفي البخاري (3) من حديث عائشة أنه قرأ سورة طويلة ثم ركع فأطال، ثم رفع رأسه فاستفتح سورة أخرى، ثم ركع.
وفي مسلم (4) من حديث جابر بن سمرة "أنه قرأ سورتين وصلى ركعتين"، وكان من أوجبها في القيام الثاني ألحقه بالركعة الكاملة.
(1) في ن ب ساقطة.
(2)
في ن ب زيادة (في).
(3)
انظر تخريج الحديث الأول من باب الكسوف.
(4)
قوله: "من حديث جابر بن سمرة" الذي في مسلم "عبد الرحمن بن سمرة"، والحديث أخرجه مسلم (913)، وابن أبي شيبة (2/ 469)، وأبو داود (1195) في الصلاة، باب: من قال يركع ركعتين، والنسائي (3/ 124، 125)، وأحمد (5/ 61)، وابن حبان (2848)، والحاكم (1/ 329).
السابع: الاعتدال بعد الركوع الأخير لم يذكر في هذا الحديث، ولا في حديث ابن عباس في صحيح أبي عوانة (1)، وهو ثابت من حديث جابر في صحيح (2) مسلم وغيره من الأحاديث الصحيحة.
الثامن: اتفق العلماء على أن القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى أقصر من القيام الأول والركوع، وكذا القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الثانية يكون أقصر من الأول منهما. واختلفوا في القيام الأول، والركوع الأول [من](3) الثانية هل هما
(1) أبو عوانة (2/ 379). انظر: التعليق ت (1) ص (292).
(2)
مسلم (904). قال ابن حجر في الفتح (2/ 539):
تنبيه: وقع في حديث جابر الذي أشرف إليه عند مسلم، تطويل الاعتدال الذي يليه السجود ولفظه "ثم ركع فأطال، ثم رفع فأطال، ثم سجد"، وقال النووي: هي رواية شاذة مخالفة فلا يعمل بها، أو المراد زيادة الطمأنينة في الاعتدال لا إطالته نحو الركوع، وتعقب بما رواه النسائي وابن خزيمة وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو أيضًا ففيه ثم ركع فأطال حتى قيل لا يرفع، ثم رفع فأطال حتى قيل لا يسجد، ثم سجد فأطال حتى قيل لا يرفع، ثم رفع فجلس فأطال الجلوس حتى قيل لا يسجد، ثم سجد. لفظ ابن خزيمة من طريق النووي عن عطاء بن السائب عن أبيه عنه، والثوري سمع من عطاء قبل الاختلاط فالحديث صحيح، ولم أقف في شيء من الطرق على تطويل الجلوس بين السجدتين إلَّا في هذه، وقد نقل الغزالي الاتفاق على إطالته، فإن أراد الاتفاق المذهبي فلا كلام؛ وإلَّا فهو محجوج بهذه الرواية.
(3)
في ن ب (واو).
أقصر [من القيام الثاني والركوع الثاني من الركعة الأولى أم هما سواء فمن قال يكون أقصر](1) في ذلك كله يجعل قوله عليه الصلاة والسلام (2) -: "وهو دون القيام الأول ودون الركوع الأول" عائدًا إلى مجموع الصلاة وهو بعيد من لفظ الحديث فإنها قالت: "ثم فعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الأولى" وهو يقتضي التسوية بينها وبين الأولى من غير تقصير عنها، والعلماء متفقون على شرعية إطالة القراءة والركوع فيها كما وردت به الأحاديث، فلو اقتصر على الفاتحة في كل قيام، وأدنى طمأنينة في كل ركوع، صحت صلاته، وفاته الفضيلة.
تنبيه: قيل إن السبب في تقصير القيام الثاني في الكسوف وسائر الصلوات أن النشاط يكون في الركعة الأولى أكثر فيناسب التخفيف في الثانية خشية الملل، وقد أسلفت هذا في الحديث الثاني من باب وجوب القراءة في الصلاة مع زيادة فوائد متعلقة به فراجعه من هناك.
التاسع: فيه استحباب إطالة السجود فيها.
قال الشيخ تقي الدين: وظاهر مذهب مالك والشافعي أنه لا يطوله، بل يقتصر على قدره في سائر الصلوات، وبه قال جمهور الشافعية وابن القاسم من المالكية، وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن ابن سريج أنه يطيل السجود، كما يطيل الركوع، ثم
(1) في ن ب ساقطة.
(2)
هذا ليس من قوله وإنما هو من قول الراوي -أي عائشة-.
قال: وليس بشيء، لأن الشافعي لم يقل ذلك، ولا نقل في خبر. ولو كان قد أطال لنقل، كما نقل في القراءة والركوع.
واعترض الشيخ تقي الدين (1) عليه فقال: بل نقل ذلك في أخبار، منها حديث عائشة هذا. وفي حديث آخر إنها قالت: "ما
سجدت سجودًا أطول منه" وكذلك نقل تطويله في حديث أبي موسى (2)، وجابر بن عبد الله (3).
قلت: حديث أبي موسى أخرجه البخاري ومسلم، وحديث جابر أخرجه مسلم، وأخرجه الشيخان أيضًا من حديث عبد الله ابن عمرو بن العاصي (4)، وأخرجه البخاري من حديث أسماء (5) وأبو داود، والحاكم من حديث سمرة بن جندب (6)، وفي رواية
(1) انظر: إحكام الأحكام (3/ 192).
(2)
ولفظه: "فقام فصلى بأطول قيام وركوع وسجود". البخاري (1059)، ومسلم (912)، والنسائي (3/ 153، 154)، وابن حبان (2836)، وابن خزيمة (1371).
(3)
سبق تخريجه. انظر التعليق (1) ص (275) من الحديث الأول، وانظر كلام ابن حجر في المسألة في الفتح (2/ 539).
(4)
البخاري (1051)، ومسلم (910).
(5)
انظر التعليق ت (4) ص (288) من الحديث الثاني.
(6)
أبو داود (1184) في الصلاة، باب: من قال أربع ركعات، والحاكم (1/ 329، 331)، وواففه الذهبي ثم استدرك بعد ذلك (1/ 334)، وتعقبه بقوله: ثعلبة مجهول وما أخرجا له شيئًا. والنسائي (3/ 140، 141)، والبيهقي (3/ 339)، والطبراني (6798)، وابن خزيمة (1397).
للحاكم (1) من حديث عائشة "ثم سجد حتى إن رجالًا يومئذ ليغشى عليهم مما قام بهم حتى [إن سجال] (2) الماء ليصب عليهم" ثم قال: صحيح على شرط الشيخين.
والشيخ تقي الدين (3) أقر الشيخ أبا إسحاق الشيرازي على أن الشافعي لم يقل ذلك وهو عجيب، فقد نص الشافعي في البويطي في موضعين منه على تطويله، حيث قال: يسجد سجدتين ثانيتين طويلتين يقيم في كل سجدة نحوًا مما قام في ركوعه، هذا لفظه ومنه نقلته (4).
وقال الشافعي في جمع الجوامع (5): يقيم في كل سجدة نحوًا مما قام في ركوعه.
ونقل الترمذي (6) عن الشافعي: تطويل السجود.
(1) الحاكم (1/ 332)، ووافقه الذهبي.
(2)
في ن ب غير واضحة.
(3)
انظر: إحكام الأحكام (3/ 191).
(4)
انظر: فتح الباري (2/ 539) وتعقبه لهذه المسألة.
(5)
جمع الجوامع مؤلفه هو: أحمد بن محمد الزوزني أبو سهل ويعرف بابن العفريس، قال عنه مؤلفه: جمعته من كتب الشافعي وهي القديم، المبسوط، الأمالي، البويطي، وحرملة، ورواية موسى بن أبي الجارود، ورواية المزني في المختصر والجامع الكبير ورواية أبي ثور، وحكيت مسائلها بألفاظها
…
إلخ. انظر: ترجمة طبقات الشافعية لابن هداية (1/ 2)، وطبقات الشافعية لابن قاضي شيبة (1/ 139).
(6)
الترمذي النص كامل فيه (2/ 450)، وقد نص الشافعي في الأم (1/ 217) حيث يظهر تغاير فيهما.
وقال الخطابي (1): مذهب الشافعي تطويل السجود كالركوع.
وقال البغوي (2): أحد القولين يطيل السجود في السجود الأول كالركوع، والسجود الثاني كالركوع الثاني. فالمسألة منصوصة كما
قد علمت، والأحاديث صحت أيضًا فلا محيد عنها، لا جرم صححه المحققون، وعجيب من الشيخ أبي إسحاق مع جلالته كيف وقع له مثل هذا، وقد أوضحت الرد عليه في كتابي المسمى بـ"المحرر المذهب في تخريج أحاديث المهذب".
العاشر: لم يذكر في هذا الحديث تطويل الجلوس بين السجدتين، لا جرم نقل الغزالي والرافعي الاتفاق على أنه لا يطوله لكن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص يقتضي إطالته [وأيداه](3) في "الذخائر" عن بعض الأصحاب احتمالًا، وجاء في صحيح مسلم من حديث جابر أنه طول الاعتدال الذي يلي السجود، وحكاه في "الذخائر" احتمالًا أيضًا، لكن قال النووي في "شرح مسلم": إنها رواية شاذة مخالفة لرواية الأكثرين فلا يعمل بها (4).
الحادي عشر: فيه شرعية الخطبة بعد صلاة الكسوف لقولها "فخطب فحمد الله وأثنى عليه"، وهو ظاهر الدلالة في أن لصلاة الكسوف خطبة، وبه قال الشافعي، وابن جرير، وفقهاء أصحاب
(1) معالم السنن (2/ 45).
(2)
السنة للبغوي (4/ 380).
(3)
في ن ب (وأيدايه).
(4)
انظر التعليق ت (1) ص (295)، وانظر: شرح مسلم (6/ 207).
الحديث قالوا: يستحب بعدها خطبتان، ولم ير ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد ووافقنا أحمد في رواية، والحديث رواه مالك وخالفه لأنه لم يشتهر، وقال بعض أتباعه: لا خطبة لها ولكن يتقبلهم ويذكرهم، وهذا خلاف الظاهر من الحديث لأنه ابتداء بما يبتدىء به الخطيب من الحمد لله والثناء عليه، وما ذكر من أن المقصود الإِخبار بأنهما آيتان من آيات الله إلى آخره ردًّا على من قال: إنهما ينكسفان لموت عظيم، وقد قالوه عند موت إبراهيم كما مضى، والإِخبار عن الجنة والنار حيث رآهما، وذلك يخصه عليه الصلاة والسلام دون غيره، كله ضعيف. فإن الخطب لا تنحصر مقاصدها بما يخص الخطيب، بل ما ذكر مطلوب للخطيب وغيره، فإن الحمد والثناء والموعظة شامل لذكر الجنة والنار، وكونهما آيتين من آيات الله وذلك بعض مقاصد الخطبة لا كل المقصود لو سلم خصوصيته عليه الصلاة والسلام بذلك (1).
(1) قال ابن حجر في الفتح (2/ 534): على قوله "باب خطبة الإِمام في الكسوف" اختلف في الخطبة فيه، فاستحبها الشافعي وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث قال ابن قدامة: لم يبلغنا عن أحمد رحمه الله أن لها خطبة، المغني (3/ 328)، وقال صاحب الهداية من الحنفية: ليس لها خطبة لأنه لم ينقل، وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه وهي ذات كثرة. والمشهور عند المالكية أن لا خطبة لها، مع أن مالكًا روى الحديث، وفيه ذكر الخطبة، وأجاب بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم لم يقصد لها خطبة بخصوصها، وإنما أراد أن يبين لهم الرد على من يعتقد أن الكسوف لموت بعض الناس، وتعقب بما في الأحاديث الصحيحة من التصريح بالخطبة وحكاية شرائطها من الحمد والثناء والموعظة وغير ذلك مما تضمنته الأحاديث، =
الثاني عشر: فيه أن خطبة الكسوف لا تفوت بالانجلاء بخلاف الصلاة.
الثالث عشر: فيه أن الخطبة يكون استفتاحها بالحمد لله -تعالى- والثناء عليه، دون شيء آخر من الذكر والبسملة وغيرهما. ومذهب الشافعي وأحمد أن [لفظة](1) الحمد لله متعينة، فلو قال معناها لم تصح خطبته.
= فلم يقتصر على الإِعلام بسبب الكسوف، والأصل مشروعية الاتباع، والخصائص لا تثبت إلَّا بدليل، وقد استضعف ابن دقيق العيد التأويل المذكور وقال: إن الخطبة لا تنحصر مقاصدها في شيء معين، بعد الإِتيان بما هو مطلوب منها من الحمد والثناء والموعظة، وجميع ما ذكر من سبب الكسوف وغيره من مقاصد خطبة الكسوف، فينبغي التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيذكر الإِمام ذلك في خطبة الكسوف، نعم نازع ابن قدامة في المغني (3/ 328) في كون خطبة الكسوف كخطبتي العيدين والجمعة، إذ ليس في الأحاديث. المذكورة ما يقتضي ذلك، وإلى ذلك نحا ابن المنير في حاشيته ورد على من أنكر أصل الخطبة لثبوت ذلك صريحًا في الأحاديث وذكر أن بعض أصحابهم احتج على ترك الخطة بأنه لم ينقل في الحديث أنه صعد المنبر، ثم زيفه بأن المنبر ليس شرطًا ثم لا يلزم من أنه لم يذكر لم يقع. اهـ. وقد أيده في الدراية في تخريج الهداية (1/ 225)، على قوله: وليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل". انتهى، هذا النفي مردود بما في الصحيحين عن أسماء ثم ساق لفظه، وفي المتفق عليه عن ابن عباس، وعائشة، ومسلم عن جابر، ولأحمد والحاكم عن سمرة، ولابن حبان عن عمرو بن العاص، وصرح أحمد والنسائي وابن حبان في روايتهم "بأنه صعد المنبر". اهـ.
(1)
في ن ب (لفظ).
الرابع عشر: شرعية صلاتها لكسوف الشمس في جماعة، وقد سلف ذلك في الحديث الذي قبله أيضًا مع ما فيه من الخلاف وجه
الدلالة أنه عليه الصلاة والسلام قال: "فإذا رأيتم ذلك فصلوا"[من](1) بعد ذكرهما من غير تفصيل في جماعة أو فرادى، وقد فعلها عليه الصلاة والسلام في جماعة في كسوف الشمس، فدل على أن كسوف القمر كذلك، وقد روى الشافعي عن الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس أمير بالبصرة فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتان. فلما فرغ ركب وخطبنا، وقال: صليت بكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بنا (2) وتقدم في أول الباب أنه عليه الصلاة والسلام صلَّى له أيضًا.
الخامس عشر: فيه جواز فعلها وقت الكراهة وغيرها عند رؤية الكسوف أي وقت كان، فإنه عليه الصلاة والسلام أمر بهما إذا
رأوا كسوفهما وهو عام في كل وقت، وهو مذهب الشافعي (3) وغيره.
واختلف مذهب مالك (4) في ذلك، فظاهر مذهبه: أنها لا تفعل إلَّا بعد جواز النافلة إلى الزوال: كالعيدين والاستسقاء على المشهور فيه عندهم.
وعن مالك أيضًا أنها تصلى للغروب.
(1) زيادة من ن ب.
(2)
المعرفة للبيهقي (5/ 155)، والسنن الكبرى (3/ 328).
(3)
انظر: الاستذكار (7/ 106).
(4)
انظر: الاستذكار (7/ 105).
وعنه رواية ثالثة أنها إلى صلاة العصر كالنافلة، ومنطوق الحديث بعمومه يرد ذلك.
السادس عشر: فيه استحباب الصدقة عند رؤية الكسوف، وكذلك يستحب عند كل المخاوف [لاستدفاع البلاء والمحاذر.
السابع عشر: فيه استحباب الدعاء والتوجه إلى الله -تعالى- واللجوء إليه عند المخاوف] (1) والشدائد وقد أمر الله بالدعاء في كتابه في غير ما موضع كما أمر بالصلاة وغيرها من العبادات فقال -تعالى-: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي
…
} (2) الآية، وقال -تعالى-:{ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (3)، وقال- تعالى-:{ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} (4)، وغير ذلك من الآي، وقد تقدم بسط ذلك، وما عارضه في الحديث الرابع من باب التشهد، ولا شك أن الدعاء في الرجاء مطلوب لكونه سببًا لدفع البلاء والشدائد، فإنه ثبت في الصحيح (5) مرفوعًا "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة" وفي
(1) في ن ب ساقطة.
(2)
سورة البقرة: آية 186.
(3)
سورة غافر: آية 60.
(4)
سورة الأعراف: آية 55.
(5)
أخرجه الترمذي (2518)، وأحمد (1/ 307)، وأبو يعلى (1099، 4556). انظر: مجمع الزوائد (7/ 189)، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ح 19): وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصى ابن عباس بهذه الوصية من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وعبد الله بن جعفر، وفي أسانيده كلها ضعف، وذكر =
الترمذي (1) من حديث أبي هريرة مرفوعًا "من سره أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر من الدعاء في الرخاء".
الثامن عشر: فيه أنه ينبغي أن لا يفخم الإِنسان نفسه ولا يعظمها بالوصف المتصف به، بل يذكر نفسه باسمه الموضوع له، فإنه
عليه الصلاة والسلام، قال في الخطبة "يا أمة محمد" وكرره من غير أن يصفهم إلى نبوته ولا رسالته كل ذلك تواضعًا وأدبًا (2).
[التاسع عشر](3): قوله عليه الصلاة والسلام: "ما من أحدٍ أغير من الله""من" زائدة تقديره: ما أحد، وثبت في صحيح مسلم (4):"إن من أحد" وهي نافية بمعنى "ما" فعلى هذا يجوز في "أغير" النصب خبر إن النافية فإنها تعمل عمل "ما" عند الحجازيين، وعلى اللغة التميمية هو مرفوع على أنه خبر المبتدأ الذي هو أحد،
= العقيلي أن أسانيد الحديث كلها لينة" وبعضها أصلح من بعض، وبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة. انظر: كلام أحمد شاكر على الحديث في مسند الإِمام أحمد (2669، 2763، 2804)، والطبراني في الكبير (11243)، ومسند الشهاب (745).
(1)
الترمذي (3382)، والحاكم (1/ 544) ووافقه الذهبي، وأبو يعلى (6396، 6397)، والمؤلف -رحمنا الله وإياه- ذكره بلفظ:"من أراد الله أن يستجيب له دعاءه عند الكرب والشدائد فليكثر من الدعاء في الرخاء"، وما أثبت من الترمذي، كما عزاه إليه.
(2)
وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم: "يا أمة محمد".
(3)
في الأصل (الثالث عشر)، والتصحيح في ن ب
…
إلخ الأوجه.
(4)
مسلم (901).
قاله القرطبي (1) في "شرحه"، والوجهان جائزان في رواية الكتاب في "أغير" فيقرأ بالنصب والرفع.
العشرون: "الغيرة" في حقنا راجعة إلى تغير وانزعاج وهيجان يلحق الغَيْرَان عندما يُنال شيء من حريمه أو محبوباته يحمل على صيانتهم ومنعتهم، وهذا التغير على الله -تعالى- محال (2) إذْ هو منزه عن كل تغير ونقص (3) لكن لما كانت ثمرة المغيرة صون الحريم ومنعهم وزجر المقاصد إليهم أطلق ذلك على الله -تعالى- إذ قد زجر وذم ونصب الحدود وتوعد بالعقاب الشديد من تعرض لشيء
(1) المفهم (3/ 1516).
(2)
قال العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -حفظه الله- في تعليقه على فتح الباري (2/ 531): المحال عليه سبحانه وتعالى وصفه بالغيرة المشابهة لغيرة المخلوق، وأما الغيرة اللائقة بجلاله سبحانه وتعالى فلا يستحيل وصفه بها، كما دل عليه هذا الحديث وما جاء في معناه، فهو -سبحانه- يوصف بالغيرة عند أهل السنَّة على وجه لا يماثل فيه صفة المخلوقين، ولا يعلم كنهها وكيفيتها إلَّا هو -سبحانه-، كالقول في الاستواء والنزول والرضا والغضب وغير ذلك من صفاته -سبحانه-
…
والله أعلم. وانظر: الفتاوى لابن تيمية (3/ 141).
(3)
وذلك كما قال شيخ الإِسلام -رحمنا الله وإياه- في رد شبهاتهم في الفتاوى (6/ 120) على قولهم: إن المغيرة انفعالات نفسانية، فيقال: كل ما سوى الله مخلوق منفعل، ونحن وذواتنا منفعلة، فكونها انفعالات فينا لغيرنا نعجز عن دفعها: لا يوجب أن يكون الله منفعلًا لها عاجزًا عن دفعها، وكان كل ما يجري في الوجود، فإنه بمشيئته وقدرته لا يكون إلَّا ما يشاء، ولا يشاء إلَّا ما يكون، له الملك وله الحمد. اهـ.
من محارمه، وهذا من التجوز، ومن باب تسمية الشيء باسم ما يترتب عليه، [قاله](1) كله القرطبي (2) في "شرحه".
وقال النووي (3) في "شرحه": قالوا معناه ليس أحدًا أمنع من المعاصي من الله ولا أشد كراهة لها منه سبحانه وتعالى.
وقال الشيخ تقي الدين (4): المنزهون لله -تعالى- عن سمات الحدث ومشابهة المخلوقين بين رجلين: إما ساكت عن التأويل،
وإما مؤول، على أن يراد شدة المنع والحماية من الشيء. فإن الغائر على الشيء مانع له وحام له. فالمنع والحماية من لوازم الغيرة،
فأطلق لفظ الغيرة عليها من مجاز الملازمة، أو غير ذلك من الوجوه الشائعة في لسان العرب، والأمر في التأويل وعدمه في هذا قريب عند من يسلم التنزيه، فإنه حكم شرعي. أعني الجواز وعدمه، فيؤخذ كما يؤخذ سائر الأحكام، إلَّا أن يدعي مدع أن هذا الحكم ثبت بالتواتر عن صاحب الشرع، أعني المنع من التأويل ثبوتًا قطعيًّا فخصمه يقابله حينئذ بالمنع الصريح، وقد يتعدى بعض خصومه إلى التكذيب القبيح.
الحادي والعشرون: فيه جواز الحلف من غير استحلاف وهو متكرر في الأحاديث، ولا كراهة أيضًا فيه، لأن الحاجة تدعو إليه
(1) في ن ب ساقطة.
(2)
المفهم (3/ 1516).
(3)
في شرح مسلم (6/ 201).
(4)
انظر: إحكام الأحكام (3/ 194)، وانظر كلام الصنعاني في الحاشية.
للتأكيد وتعظيم الأمر. والقاعدة أن اليمين مكروهة إلَّا في هذا أو في الطاعة، وفي اليمين الصادقة في الدعوى.
الثاني والعشرون: فيه الحث على اجتناب الزنا والمعاصي وتفخيم العقوبة عليها، وقبحها عند الله، ولا شك أن الزنا من الكبائر، لا يكفر بفعله كفرًا يخرجه عن الإِسلام، إلَّا أن يعتقد حله فيكفر إجماعًا، وينبغي اجتناب المعاصي كلها كبيرها وصغيرها، فإنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال:"لا يحقرن أحدكم صغير الذنب فربما به دخل النار"، وكذلك لا ينبغي أن يحقر من الخير شيئًا، فإنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال:"لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق"(1)، والجامع لذلك كله قوله -تعالى-:{فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7)} (2) الآية، وقوله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} (3) الآية.
الثالث والعشرون: قوله عليه الصلاة والسلام: "لو تعلمون ما أعلم" إلى آخره معناه لو تعلمون من عظم انتقام الله -تعالى- من أهل الجرائم، وشدة عقابه، وأهوال القيامة وما بعدها كما علمت، وترون النار كما رأيت في مقامي هذا وفي غيره لبكيتم كثيرًا ولقل ضحككم لفكركم فيما علمتموه.
وقيل: معناه لو دام علمكم كما يدوم علمي به لبكيتم لأن علوم الأنبياء متواصلة لا يلحقها سهو، وعلومنا يدخل عليها
(1) مسلم في البر والصلة (2626)، والسنَّة للبغوي (13/ 84).
(2)
سورة الزلزلة: آية 7.
(3)
سورة النساء: آية 40.
الغفلات والجهالات بالانهماك في الشهوات، فتركن النفوس إلى البطالة حتى تصدأ فلا يصقلها إلَّا الذكر.
وقال ابن بزيزة: يحتمل أن يكون المعنى أنكم لو علمتم من رحمة الله -تعالى- وحلمه، وعفوه عن ذنوب خلقه ومعاني كرمه ما أعلم لبكيتم كثيرًا ولضحكتم قليلًا فبكاؤكم إذ لم تفهموا من ذلك ما فهمت ولمَ تعلموا منه ما علمت. وينشأ هذا عن مطالعة جمال الله -تعالى- ونعوت أفضاله ومشاهدة النعم الواسعة التي لا تقصر عن شيء.
فائدة: قال ابن منده في مستخرجه قوله: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" رواه مع عائشة عشرة من الصحابة.
الرابع والعشرون: في قوله "لو تعلمون ما أعلم" إلى آخره دليل على علة مقتضى الخوف وترجيح الخوف في الموعظة على الإِشاعة
بالرخص لما في ذلك من التسبب إلى تسامح النفوس لما جبلت عليه من الإِخلاد إلى الشهوات، وذلك مرضها الخطر. والطبيب الحاذق يقابل العلة بضدها لا بما يزيدها. فإن العلل المزمنة إن لم يبادر إليها يقطع مادة الداء بالدواء النافع القاطع لها وإلَاّ استحكمت العلة.
الخامس والعشرون: فيه الحث على قلة الضحك وكثرة البكاء والتحقيق بما الإِنسان صائر إليه وما هو فيه، ولا شك أن كثرة الضحك وقلة البكاء مذمومان شرعًا، فإنهما يدلان على قسوة القلب وكثرة البطر. ومن الضحك ما هو محمود وهو ما إذا اقترن به مقصود شرعي من تعجب بنعم الله -تعالى- أو فرح للمسلمين أو تجلد
على الكافرين والمنافقين ونحو ذلك. ومن البكاء ما هو مذموم كالبكاء لإِظهار الجزع أو للرياء أو لإِضعاف المؤمنين أو تحزنًا على
المنافقين أو ما شاكل ذلك. فأما ما كان منه من خشية الله -تعالى- وخوفًا فهو شعار عباده العارفين، وهو جلاء للقلوب، وتطهير
للذنوب، وتقريب من علام الغيوب. وقد يغلب على الفاجر البكاء، كما ورد في بعض الأحاديث مرفوعًا وموقوفًا:"إذا كمل فجور الرجل ملك عينيه، فإذا أراد أن يبكي بكى"، وقد يقع البكاء على أمر نفساني فيوهم أنه من خشية الله -تعالى- فليتفطن لذلك ليقطع ويجتنب.
السادس والعشرون: قولها "فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات" أطلقت الركعات على عدد الركوع. وتقدم في الحديث الأول في ركعتين وهو متمسك بعض المالكية في أنه لا يقرأ الفاتحة في الركوع الثاني من حيث إنه أطلق على الصلاة ركعتين، وقد سلف ذلك في الوجه السادس.
السابع والعشرون: وكان ينبغي تقديم قوله عليه الصلاة والسلام: "لا يخسفان" قال ابن الصلاح (1) في مشكل الوسيط هو بفتح الياء، وقال: وقد منعوا من أن يقال بالضم.
(1) قال ابن حجر في الفتح (2/ 528): على قوله "لا يخسفان" بفتح أوله ويجوز الضم، وحكى ابن الصلاح منعه، وروى ابن خزيمة والبزار من طريق نافع عن ابن عمر قال: "خسفت الشمس يوم مات إبراهيم
…
" الحديث، وفيه: "فافزعوا إلى الصلاة وإلى ذكر الله وادعوا وتصدقوا".