الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث الرابع عشر
170/ 14/ 32 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شهد الجنازة حتى يُصلَّى عليها، فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن، فله قيراطان". قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين"(1). ولمسلم: "أصغرهما مثل أحد"(2).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: معنى: "شهد": حضر، كما قدمت مثله في باب صلاة العيدين.
(1) في بعض الصحاح والمسانيد: "عظيمين". انظر: البخاري (47، 1323، 1325)، ومسلم (945)، والنسائي (4/ 76)، وأبو داود (3168) في الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنائز وتشييعها، والترمذي (1040) في الجنائز، باب: ما جاء في فضل الصلاة على الجنازة، وابن ماجه (1539)، والبيهقي (3/ 412)، وأحمد (2/ 233، 280، 273، 321)، وابن حبان (3078)، وابن الجارود (526).
(2)
مسلم (945)، وأبو داود (3168) في الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنائز وتشييعها، والترمذي (1040) في الجنائز.
[الثاني](1): "القيراط" اسم لمقدار معلوم في العرف وهو جزء من أربعة وعشرين جزءاً وهو في أصل اللغة نصف دانق.
والدانق: سدس درهم، وذلك ثمان حبات وثلث حبة، وثلث خمس حبة.
وأصله: قِرّاط بالتشديد لأن جمعه قراريط فأبدل من أحد حرفي تضعيفه ياء مثل دينار أصله دِنّار بالتشديد أيضاً (2).
قال القرطبي: وقد يراد بالقيراط الجزء مطلقاً ويكون عبارة عن الحظ والنصيب ألا ترى أنه قال أصغرهما مثل أحد.
قلت: وبه صرح القاضي حسين من الشافعية فقال: القيراط مقدار من الثواب يقع على القليل والكثير. فبين في هذا الحديث أنه مثل أحد فيكون تمثيلاً بجزء من الأجر ومقدار منه وهو من مجاز التشبيه، تشبيهاً للمعنى العظيم بالجسم العظيم ونحوه. قوله عليه الصلاة والسلام:"اللهم لك الحمد ملء السموات وملء الأرض"(3) الحديث. ثم لا يلزم أن يكون هذا القيراط هو المذكور في حديث "من اقتنى كلباً إلَّا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط"(4). وفي رواية "قيراطان" بل ذلك قدر معلوم
(1) في ن ب د (ثانيها)
…
إلخ الأوجه.
(2)
لسان العرب (11/ 114).
(3)
حديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه. انظر: مسلم (476) في الصلاة، والنسائي (1/ 198)، وأحمد (4/ 354)، والبخاري في الأدب المفرد (684)، والطيالسي (1/ 256)، وابن حبان (956).
(4)
زيادة من ن ب د.
يجوز أن يكون مثل هذا أو أقل أو أكثر. [بل ينبغي أن يكون القيراط في الأجر أعظم منه في نقصه لأنه من قبيل المطلوب تركه والأول من قبيل المطلوب فعله وهو الصلاة و"حضور الدفن وعادة" الشارع تعظيم الحسنات وتخفيف مقابلها كرماً منه](1).
ثالثها: قوله: "أصغرهما مثل أحد" هل الصغر راجع إلى الأول أم الثاني -الله أعلم بذلك- ولا يرجح قيراط الصلاة بكونها فرض كفاية لكون الدفن كذلك. ورواية البخاري الآتية دافعة لذلك، فإنها فيها جعل القيراطين على السواء، نعم قد يرجح بأن [أفضل](2) عبادات [البدن](3) الصلاة.
وفي رواية لمسلم أيضاً "كل قيراط مثل أحد"(4).
وفي رواية للترمذي "أحدهما أو أصغرهما مثل أحد"(5) ثم قال: حسن صحيح.
وفي رواية للبخاري: "من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معه حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر
(1) في الأصل (أكثر)، والتصحيح من ن ب د.
(2)
زيادة من ن ب د.
(3)
البخاري (5480، 5481، 5482)، ومسلم (1574)، والترمذي (1487، 1488)، والنسائي (7/ 187، 188، 189)، وأحمد (2/ 4، 27، 37، 47)، والبغوي (2775)، والبيهقي (6/ 9)، ومالك (2/ 969)، وابن حبان (5653).
(4)
انظر التعليق (1) و (2).
(5)
المصدر السابق.
بقيراطين كل قيراط مثل أحد ومن صلى عليها ثم يرجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط" (1) تفرد البخاري بقوله: "إيماناً واحتساباً".
وفي رواية للحاكم في مستدركه في فضائل أبي هريرة عنه مرفوعاً: "من تبع جنازة فله قيراط، فإن شهد دفنها فله قيراطان القيراط أعظم من أحد"(2). ثم قال: هذا حديث صحيح الإِسناد ولم يخرجاه.
وفي مسند الإِمام أحمد من حديث الحجاج بن أرطأة عن عدي بن ثابت، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب مرفوعاً:"والذي نفس محمد بيده لهو في الميزان أثقل من أحد"(3).
(1) المصدر السابق.
(2)
المستدرك (3/ 510).
(3)
أحمد في المسند الفتح الرباني (7/ 198)، وابن ماجه (1/ 492). قال في الزوائد: في إسناده الحجاج بن أرطأة. وهو مدلس فالإِسناد ضعيف. مع اختلاف في اللفظ فيما بينهما ولا تأثير للمعنى، وله شاهد من حديث البراء بن عازب عند النسائي (4/ 54)، وأنس بن مالك. قال الهيثمي في المجمع (3/ 33): وفي إسناد أحدهما محتسب وفي الآخر روح بن عطاء، وكلاهما ضعيف -أقول: وقد تحرف في المجمع إلى "محسب" فليتنبه له- وأصله في مسند أبي يعلى (7/ 133، 185) الطبراني في الأوسط. انظر: الفتح الرباني (7/ 198)، وأيضاً من حديث ابن عمر في المعجم الكبير، والمجمع (3/ 33).
قال ابن حجر في الفتح (3/ 196): تكملة: وقع لي حديث الباب من رواية عشرة من الصحابة غير أبي هريرة وعائشة: من حديث ثوبان عند مسلم، والبراء، وعبد الله بن مغفل عند النسائي، وأبي سعيد عند أحمد، =
ورأيت في السنن الصحاح لابن السكن الحافظ [من حديث](1) أبي هريرة مرفوعاً: "من أوذن بجنازة فأتى أهلها فعزاهم كتب الله له قيراطين فإن شيعها كتب الله له قيراطين. فإن صلى عليها كتب الله له ثلاثة قراريط، فإن شهد دفنها كتب الله له أربعة قراريط. القيراط مثل أحد"(2).
رابعها: مقصود الحديث أن من صلى على جنازة كان له مقدار عظيم من الثواب والأجر فإن اتبعها بعد أن صلى عليها حتى تدفن كان له حظان عظيمان من ذلك، إذ قد عمل عملين. الصلاة وكونه معها حتى تدفن.
فإن قيل: فظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: "ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان" ما يقتضي أن القيراطين يحصلان بشهودها وهو اتباعها ودفنها، فيكون حينئذ له بالصلاة والاتباع والدفن ثلاثة قراريط.
= وابن مسعود عند أبي عوانة، وأسانيد هؤلاء الخمسة صحاح ومن حديث أبي بن كعب عند ابن ماجه، وابن عباس عند البيهقي في الشعب، وأنس عند الطبراني في الأوسط وواثلة بن الأسقع عند ابن عدي، وحفصة عند حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال وفي كل أسانيد هؤلاء ضعف
…
إلخ كلامه.
(1)
في الأصل (عن)، والتصحيح من ن ب د.
(2)
قال في الفتح الرباني (7/ 198): رواه البزار وفيه معدي بن سليمان صحح له الترمذي ووثقه أبو حاتم وغيره. وقال ابن حجر في تلخيص الحبير (2/ 135): ومعدي فيه مقال، وانظر: مجمع الزوائد (3/ 33).
فالجواب: أن هذا مردود برواية البخاري السالفة التي أوردناها، فإنها صريحة في أن المجموع بالصلاة والاتباع وحضور الدفن قيراطان. وبه صرح جماعة من العلماء منهم: أبو الحسن علي بن عمر القزويني، وابن الصباغ من الشافعية. ومثل هذا ما جاء في الصحيح:"من صلى العشاء الآخرة في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما قام الليل كله"(1). وقيل: في هذا حصول قيام كل الليل بالصبح خاصة، وهو المتبادر إلى الذهن.
وأجاب: ابن الصباغ عن الرواية الأولى بأن معناها: ومن تبعها فله قيراطان بالمجموع. قال ونظيره قول الله -تعالى-: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} إلى قوله: {فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ} أي تمام أربعة ثم قال: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} (2).
فائدة: في الصحيحين: عن نافع أن ابن عمر حين بلغه حديث أبي هريرة بعث إلى عائشة فسألها فصدقته. قال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة (3).
(1) مسلم (656)، وأبو داود (555) في الصلاة، باب: في فضل صلاة الجماعة، والترمذي (221) في الصلاة، باب: ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة، وأبو عوانة (2/ 4)، وأحمد (1/ 58، 68)، وابن حبان (2060)، والبيهقي في السنن (3/ 60، 61)، وعبد الرزاق (2008).
(2)
سورة فصلت: آيات 9، 10، 12.
(3)
البخاري (1323، 1324)، ومسلم (945)، وأبو داود (3169) في =
خامسها: قوله عليه الصلاة والسلام: "حتى تدفن" وفي لفظ في الصحيحين "حتى يفرغ من دفنها" فيه دليل على أن القيراط الثاني لا يحصل إلَاّ لمن دام معها من حين صلى إلى أن فرغ من دفنها. وهذا أصح الأوجه عندنا.
وثانيها: يحصل إذا ستر الميت في القبر باللبن وإن لم يلق عليه التراب.
وثالثها: أنه يحصل بمجرد الوضع في اللحد وإن لم يلق عليه التراب، حكاه السرخسي في "أماليه". وقال: إنه أضعفها. ويحتج له برواية مسلم: "حتى توضع في اللحد" وفي أخرى: "في القبر".
ويتأول بالفراغ من دفنها جمعاً بين الروايات.
سادسها: في قوله عليه الصلاة والسلام: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها" ما يؤذن بما ورد في بعض الروايات وهو اتباعها من عند أهلها، وأنه المراد بشهودها حتى يصلى عليها ولا شك أن من صلى عليها مجرداً حصل له قيراط، لكن قيراط من شهدها [من](1) عند أهلها حتى صلى عليها أكمل، وكذلك قيراط من تبعها حتى يفرغ من دفنها أكمل ممن حضر الدفن والفراغ منه دون الاتباع. لكن قال النووي في القطعة التي له على صحيح البخاري في رواية البخاري يعني التي أسلفناها.
= الجنائز، باب: فضل الصلاة على الجنائز وتشييعها، والنسائي (4/ 77)، وأحمد (2/ 387)، والبيهقي (3/ 412، 413)، وابن حبان (3079)، والطيالسي (2581).
(1)
في ن ب ساقطة.
تنبيه: على أن القيراط الثاني مقيد بمن اتبعها وكان معها في جميع الطريق حتى تدفن، فلو صلى وذهب إلى القبر وحده، ومكث حتى جاءت الجنازة بعد ذلك، وحضر الدفن لم يحصل له القيراط وكذا لو حضر الدفن، ولم يصلِ، أو تبعها ولم يصلِ فليس في الحديث حصول القيراط له، لأنه إنما جعل القيراط لمن تبعها بعد الصلاة، ولكن له أجر في الجملة. وأما إذا كان مع الجنازة جمع كثير تقدم إنسان أو جماعة في أول الناس أو تأخروا فإن كانوا بحيث ينسبون إلى الجنازة ويعدون من مشيعيها حصل لهم القيراط الثاني وإلَاّ فلا هذا كلامه.
وكذا قال في "شرح المهذب": إن الفضل لمن هو معها لا لمن شيعها إلى المقبرة، فإن ذلك لا يكون له ثواب متبعها لأنه ليس معها ثم استدل برواية البخاري السالفة.
وكره أشهب اتباعها والرجرع قبل الصلاة إلَاّ لحاجة.
تنبيهات:
أحدها: قال في "الروضة"(1): تبعاً للرافعي لا يتقدم الجنازة إلى المقبرة فإن تقدم لم يكره.
وفي "الرعاية"(2) في مذهب أحمد: أنه يكره المتقدم إلى موضع الصلاة دون المقبرة.
(1) انظر: الروضة (2/ 115).
(2)
انظر: الفروع (2/ 262).
قال الرافعي: بعد أن ذكر أنه لا يكره أن يتقدمها إلى المقبرة وهو بالخيار إن شاء قام منتظراً لها وإن شاء قعد وتبعه في الروضة.
وقال في "شرح المهذب"(1): ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه عليه الصلاة والسلام أمر بالقيام لمن مرت به جنازة حتى تخلفه أو توضع (2) وأمر من معها أن لا يقعد عند القبر حتى توضع.
قال الشافعي وجمهور الأصحاب: هذان القيامان منسوخان.
وقال جماعة من أصحابنا: يكره القيام لها إذا لم يُرد المشي معها، وخالف صاحب "التتمة"، فقال: إنهما مستحبان، واختاره النووي، لأنه صح الأمر بالقيام ولم يثبت في القعود إلَاّ حديث علي (3) رضي الله عنه ولا نسخ فيه، لأنه يحتمل القعود لبيان الجواز.
ثانيها: الانصراف عن الجنازة أربعة أقسام.
أحدها: أن ينصرف عقب الصلاة فله قيراط.
ثانيها: أن يتبعها حتى توارى ويرجع قبل إهالة التراب.
ثالثها: أن يقف إلى الفراغ من القبر وينصرف.
(1) المجموع شرح المهذب (5/ 280).
(2)
البخاري (1307)، ومسلم (958)، وأبو داود (3172) في الجنائز، باب: القيام للجنازة، وابن ماجه (1542)، وابن حبان (3051)، وأحمد (3/ 445، 446، 447)، والطحاوي (1/ 486).
(3)
الموطأ (1/ 232)، وأبو داود (3175) في الجنائز، باب: القيام للجنازة، وابن حبان (3054)، والبغوي (1487)، والبيهقي (4/ 27).
رابعها: أن يقف بعده عند القبر ويستغفر للميت ويدعو له بالتثبيت وهذا أقصى الدرجات في الفضيلة وحيازة القيراط الثاني تحصل للثالث ولا تحصل للثاني على الأصح، كما أسلفنا واختار الإِمام الحصول.
وقال أشهب في "المجموعة": له الانصراف قبل أن تقبر إذا بقي معها حتى من يلي ذلك. وهو ظاهر، لأنه لا إثم عليه والحالة هذه، لكن فاته القيراط الثاني.
ثالثها: قال بعض العلماء: إذا حضر الدفن وبينه وبين القبر حائل يمنع المشاهدة فإن عد حاضراً حصل له القيراط الثاني. وإلَاّ فلا.
الوجه السابع: في إطلاق هذا الحديث وغيره إشارة إلى أنه لا يحتاج المنصرف من اتباع الجنازة بعد دفنها إلى استئذان وهو مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وهو المشهور عن مالك [لأن الإِذن لمن له الإِمساك وليس لهم الإِمساك](1). وحكى ابن عبد الحكم عنه أنه لا ينصرف إلَاّ بإذن وهو قول جماعة (2).
(1) في ن ب ساقطة.
(2)
لورود ذلك في بعض الأحاديث وفيها ضعف منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً "من تبع جنازة فحمل من علوها وحثا في قبرها وقعد حتى يؤذن له رجع بقيراطين" إسناده ضعيف وحديثه الآخر "أميران وليسا بأميرين: "الرجل يكون مع الجنازة يصلي عليها فليس له أن يرجع حتى يستأذن وليها" وهذا منقطع موقوف أخرجه عبد الرزاق.
الثامن: قد يستدل بلفظ الاتباع في رواية البخاري التي أسلفناها من يقول: المشي وراء الجنازة أفضل من أمامها، وهو مذهب الأوزاعي وأبي حنيفة وقول علي بن أبي طالب.
وقال جمهور الصحابة والتابعين ومالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء: المشي أمامها أفضل.
وقال الثوري وطائفة: هما سواء.
ولا فرق عند الشافعية بين الراكب والماشي. به صرح الرافعي في [شرحيه](1).
وقال في "شرح المسند": الأفضل للراكب أن يكون خلفها بلا خلاف، وكأنه قلد الخطابي (2) فإنه كذا ادعى، وفيه حديث صححه الحاكم على شرط البخاري من حديث المغيرة بن شعبة (3) وهو رأي الثوري.
التاسع: رواية البخاري المذكورة دالة على أن الثواب
(1) في ن ب (شرحه).
(2)
انظر: معالم السنن (4/ 316).
(3)
ولفظه: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها، والطفل يصلي عليه". انظر: الترمذي (1031)، وأبو داود (3180) في الجنائز، باب: المشي أمام الجنائز، والنسائي (4/ 55)، وابن ماجه (1481)، والحاكم (1/ 355، 363)، وصححه الحاكم على شرط البخاري، ووافقه الذهبي، وأحمد (4/ 248، 249، 252)، وابن حبان (3049)، والطيالسي (701، 702)، والبيهقي (4/ 8).
المذكور، إنما يحصل لمن تبعها إيماناً واحتساباً فإن حضورها على ثلاثة أقسام: احتساب. ومكافأة. ومخافة.
فالأول: هو الذي يجازى عليه الأجر ويحط الوزر كما هو ظاهر هذا الحديث.
الثاني: لا يبعُدُ ذلك في حقه.
والثالث: الله أعلم بما فيه.
العاشر: إن قلت: لِمَ كان الجزاء على الجنازة قيراط دون غيره.
فالجواب: من وجهين:
الأول: أن ذلك جرى مجرى العادة بتقليل الأجر على القليل من العمل، إذ لا كبير مشقة على الإِنسان في الصلاة على أخيه ودفنه.
الثاني: أنه أقل ما يقع به الإِجارة في ذلك الوقت على الأعمال لكثرة المستأجرين وقلة الأعمال لزهد الناس في عمل الدنيا وقلة رغبتهم فيها.
وجواب ثالث: أنه أكثر ما يحتاج إليه الإِنسان في ذلك الوقت وبه تقع الكفاية.
الحادي عشر: "أحد" هو الجبل المعروف الذي بجنب المدينة -زادها الله شرفاً وفضلاً-.
فإن قلت: ما خصوصية التمثيل به دون غيره.
فالجواب: من وجهين محتملين:
أحدهما: أنه أعظم جبال المدينة إن كان الواقع كذلك.
ثانيها: لتعلق بركته صلى الله عليه وسلم بقوله: "أحد جبل يحبنا ونحبه"(1).
الثاني عشر: في الحديث استحباب شهود الميت من حين غسله وتكفينه واتباعه بالصلاة عليه إلى حين يفرغ من دفنه، ولا شك أن النفوس لما كانت لاهية بالحياة الدنيا وزينتها شرع لها ما يلهيها عن ذلك لشهود الجنائز ورغبت في ذلك بالأجور [والثواب ليكون أتقى لها وأزكى وأبعد لها عما اشتغلت به، فينبغي أن يستعمل في ذلك](2) كله الآداب الشرعية من السكينة والوقار وعدم الجبرية والاستكبار والحديث فيما يلهي عن ذلك من المحظور والمباح شرعاً في ظاهره وباطنه، ولا يغفل عما يجب عليه في ذلك كله.
الثالث عشر: فيه وجوب الصلاة على الميت ودفنه وفيه التخصيص على الاجتماع لهما والتنبيه على عظيم ثوابهما، وهي مما خص الله -تعالى- بها هذه الأمة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله أعطاكم شيئين لم يكونا لأحد من الأمم قبلكم: صلاة المؤمنين عليكم
…
" الحديث.
(1) البخاري (4083، 2889)، ومسلم (1393)، والترمذي (3922)، وابن ماجه (3115)، ومالك (2/ 293)، وأحمد (3/ 140)، وابن حبان (3725).
(2)
في ن ب ساقطة.
الرابع عشر: فيه التنبيه على عظيم فضل الله -تعالى- فيما شرعه للنفوس، وما رتبه من الأجور على ما شرعه لها لمصلحتها الدنيوية والأخروية.
الخامس عشر: فيه آداء حقوق الموتى بالصلاة والتشييع وحضور الدفن.
السادس عشر: فيه التنبيه على ما الإِنسان صائر إليه ومشاهدته، ليعلم أنه راجع إلى الله -تعالى- ومتصرف فيه، لا يملك لنفسه شيئاً فيستيقظ: "فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله (1).
خاتمة: قال عبد بن حميد في مسنده: حدثنا عبد المجيد بن أبي رواد عن مروان بن سالم عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أول ما يجازى به العبد المؤمن بعد الموت أن يغفر لجميع من تبع جنازته"(2)[قال](3)
(1) الترمذي (2459)، والحاكم (1/ 57)(4/ 251).
(2)
المنتخب لعبد بن حميد (1/ 539)، وذكره الخطيب في تاريخه (11/ 81) من حديث أبي هريرة:"أول كرامة المؤمن أن يغفر لمشيعيه"، والحديث ضعيف وقد أشار المصنف -رحمنا الله وإياه- إلى ذلك. انظر: كشف الخفاء (1/ 308)، وتنزيه الشريعة (2/ 370)، واللآلىء المصنوعة (2/ 430)، والنوافح العطرة (79)، ونوادر الأصول (78) وقد ساقه بدون حكم عن أنس.
(3)
زيادة من ن ب د.
عبد المجيد وعبد الملك من رجال مسلم، ومروان: الظاهر أنه الجزري، تكلم فيه أحمد وغيره. وأحاديث الفضائل يتسامح فيها، والله الموفق.
…
انتهى الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس وأوله كتاب الزكاة