الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث العاشر
166/ 10/ 32 - عن أبي موسى عبد الله بن قيس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بريء من الصالقة والحالقة والشاقة"(1).
قال المصنف رحمه الله:
الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة.
الكلام عليه من سبعة أوجه:
أحدها: في التعريف براويه وقد سلف في باب السواك.
ثانيها: يقال: برئت منك ومن الذنوب والعيوب برأة بكسر الراء إبرأ بفتحها، وبرئت من المرض بُرءْاً بضم الباء.
قال الجوهري (2): وأهل الحجاز: يقولون: برأت من المرض. بالفتح.
(1) البخاري (1296) في الجنائز، ومسلم (104) في الإِيمان، والنسائي (4/ 20)، وابن ماجه (1586) في الجنائز، وأبو عوانة (1/ 56، 57)، وابن حبان (3152)، والبيهقي (4/ 64).
(2)
انظر: مختار الصحاح (26).
ثالثها: كأن براءته عليه الصلاة والسلام من هؤلاء من باب قوله: "من غشنا فليس منا"(1) ونحوه أي: ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدينا.
فالمراد: المبالغة في الزجر، وليس المراد به الخروج من الدين، كما في قوله -تعالى-:{أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (2) فإن الشرك كفر. والمعاصي سواه، ليست بكفر عند أهل السنَّة.
(1) مسلم (102) في الإِيمان، والترمذي (1315) في البيوع، وابن ماجه (2224) في التجارات، وأبو داود (3452) في البيوع، وأبو عوانة (1/ 57)، والبيهقي (5/ 320)، وأحمد (2/ 242)، وابن حبان (567، 4905)، والبغوي (2120، 2121) وابن منده (550/ 551) في الإِيمان. قال البغوي في شرح السنَّة (8/ 167) على قوله: "من غشنا فليس منا"، وفي رواية:"من غش فليس مني": لم يرد به نفيه عن دين الإِسلام، إنما أراد أنه ترك اتباعي، إذ ليس هذا من أخلاقنا وأفعالنا، أو ليس هو على سنتي وطريقتي في مناصحة الإِخوان، هذا كما يقول الرجل لصاحبه: أنا منك، يريد به الموافقة والمتابعة، قال الله -سبحانه- إخباراً عن إبراهيم عليه السلام:"فمن تبعني فإنه مني" والعش نقيض النصح، مأخوذ من الغشش، وهو المشرب الكدر
…
إلخ.
قال النووي في شرح مسلم (2/ 108): وكان سفيان بن عيينة رحمه الله: يكره قول من يفسره بليس على هدينا ويقول: بئس هذا القول يعني بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر، والله أعلم. انظر "تيسير العزيز الحميد بشرح كتاب التوحيد (455).
(2)
سورة التوبة: آية 4.
قال النووي: ويجوز أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذه الأمور، ولا يقدر فيه حذف، وأصل البراءة الانفصال.
رابعها: هذا القول منه صلى الله عليه وسلم دليل على تحريم هذه الأفعال لإِشعارها بالسخط لقضاء الله -تعالى- وقدره. وذلك كبيرة من كبائر الذنوب، حيث اقتضى فعل هذه الأشياء التبرىء من فاعلها ولعنه وخروجه من طريقة المصطفي صلى الله عليه وسلم وإن اعتقد معتقد حل فعلها كان كافراً.
خامسها: "الصالقة"(1) فسرها "المصنف" لكن تقييده برفع الصوت بالمصيبة صحيح في أنه المراد بهذا الحديث لا مطلقاً، فإن الصلق شدة رفع الصوت. قال لبيد (2):
فصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقةً
…
وُصَدآء أَلْحَقَتْهم بالثَّلَلْ
أي رفعنا أصواتنا بالدعاء إلى قتال بني مراد.
وأصلق: لغة في صلق.
ويقال: التسليق بالسين أيضاً وهو الأصل، ويقرب منه قوله -تعالى-:{سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} (3) والصاد تبدل من السين.
وحكى القاضي عياض: عن ابن الأعرابي: أن الصلق ضرب الوجه وهو غريب، والمشهور المعروف ما أسلفناه.
(1) انظر: لسان العرب (7/ 390).
(2)
انظر: لسان العرب (7/ 290).
(3)
سورة الأحزاب: آية 19.
قلت: ومن الصلق النوح.
سادسها: الحالقة التي تحلق شعرها عند المصيبة، وفي معناه قَدَّهُ من غير حلق.
سابعها: "الشاقة" التي تشق ثوبها عند المصيبة، ومنه حديث ابن مسعود الآتي في الباب (1) وشق الجيوب وهذه الأفعال في الرجال أشد تحريماً، ويحرم تعاطي الأسباب الحاملة على ذلك، وصرف الأموال فيه: كصرفه إلى النواحات والمنوحين، سواء كان ذلك بقراءة أو إنشاد أو وعظ ونحو ذلك. خصوصاً إن ترتب محَرمات أُخر من: تمطيط قراءة، أو تهييج على صراخ، وشق، وحلق، أو تعديد محامد الميت من غير قصد تحريض اقتداء بفعله. ولم يكن الميت متصفاً بها، أو جعل المقابح محاسن.
ومن الأفعال المحرمة عند مصائب الموت.
إدارة ذاوئب العمامة إلى قدام يديه فإن ذلك فعل اليهود وقد نهينا عن التشبه بهم وأمرنا بمخالفتهم.
ومنها ما يفعل من نشر الشعور، ولبس جلال الدواب، وقلب سروج الخيل، وتنكيس الرايات، وبذر التبن علي الأبواب، وذبح البهائم لموت الميت، وعقر الحيوان، وإعلاء الأصوات بالبكاء، والندب، والمرآت بذلك.
…
(1) سيأتي تخريجه إن شاء الله في الحديث (13).