الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
27 - باب الجمعة
هي -بضم الميم وفتحها وإسكانها (1) - حكاهن الواحدي. وقرىء بها في الشواذ كما قاله الزمخشري (2). وعن معاني الزجاج
أنه قرئ بكسرها أيضًا، والمشهور الضم، وبه قرئ في السبعة، والإِسكان تخفيف [منه](3)، ووجهوا الفتح [وهي](4) لغة بني عقيل بأن الجمعة تجمع الناس، كما يقال: هُزَأَة وضُحَكَة وضحكة [للكثير](5) من ذلك.
وجمع الجمعة (6): جُمُعات، وجُمَع.
(1) قال ابن الأنباري -رحمنا الله وإياه- في البيان (2/ 438) فالقراءة بالضم على الأصل، وبالسكون على التخفيف، والفتح على نسبة الفعل إليها كأنها تجمع الناس إليها. اهـ.
(2)
انظر: الكشاف (4/ 97)، ومعاني القرآن للفراء (3/ 156)، والقراءات الشاذة وتوجيهها، لعبد الفتاح القاضي.
(3)
في ن ب ساقطة.
(4)
في ن ب (وهو).
(5)
في ن ب د (للمكثر).
(6)
مسلم (854) في الجمعة، باب: فضل يوم الجمعة.
سميت بذلك: لاجتماع الناس لها.
وقيل: لما جمع فيها من الخير (1).
وكان يوم الجمعة: يسمى في الجاهلية العروبة وقد جمع بعضهم أسماء الأسبوع في بيتين فقال (2):
أؤمل أن أعيش وأن يومي
…
بأول أو [بأهون](3) أو جبار
أو الثاني دبار فإن افته
…
فمؤنس أو عروبة أو شبار (4)
قال السهيلي (5): وأول من سمى العروبة الجمعة كعب بن
(1) أخرج أحمد في المسند (5/ 439)، والفتح الرباني (6/ 45) من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا سلمان هل تدري ما يوم الجمعة؟ " قلت: هو الذي جمع فيه أبوك أو أبوكم، قال: لا، ولكن
…
إلخ مثل ما سيأتي. ومثله عند الطبراني (6/ 237)، وذكره في المجمع (2/ 174)، ذكر ابن خزيمة في صحيحه (3/ 117)، باب: ذكر العلة التي أحسب لها سميت الجمعة جمعة بعد سياق الإِسناد عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا سلمان، ما يوم الجمعة؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال:"يا سلمان ما يوم الجمعة؟ " قال: قلت: "الله ورسوله أعلم"، قال:"يا سلمان يوم الجمعة؟ به جمع أبوك -أو أبوكم- أن أحدثك عن يوم الجمعة، ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمرتم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة فيقعد حتى يفضي صلاته إلَّا كان كفارة لما قبله من الجمعة". قال الألباني: إسناده حسن.
(2)
في حاشية الأصل ون د عزاه الفاكهي لبعض الشعراء وبعضهم لصاحب الذخيرة.
(3)
في ن ب (أهون).
(4)
في الأزمنة وتلبية الجاهلية "لقطرب"(36) شيار.
(5)
الروض الأنف (1/ 8)، (2/ 196).
لؤي (1) فكانت قريش تجتمع إليه في هذا اليوم، فيخطبهم، ويذكرهم بمبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلمهم بأنه من ولده، ويأمرهم باتباعه، والإيمان به.
أحدها: في "صحيح مسلم"(2) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير يوم طلعت عليه الشمس يومُ الجمُعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرى منها، ولا تقوم الساعة إلَّا في يوم الجمعة".
وزاد مالك في "الموطأ" وأبو داود، والنسائي (3) بأسانيد على شرط الشيخين: " [وفيه](4) تيب عليه، وفيه مات، وما من دابة إلَّا
وهي مُصِيخةٌ (5) يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلَّا الجن والإنس".
(1) انظر: الكشاف للزمخشري (4/ 97)، والوسائل في مسامرة الأوائل للسيوطي (19).
(2)
أصله في مسلم، وأخرجه مالك في الموطأ، باب: ما جاء في الساعة التي في يوم الجمعة (1/ 108)، وأبو داود (1005)، باب: فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، والترمذي (488)، والنسائي (3/ 89، 90)، وأحمد (2/ 401).
(3)
النسائي (3/ 113، 114)، باب: ذكر الساعة التي يستجاب فيها الدعاء يوم الدعاء، والترمذي (491)، باب: ما جاء في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة، وأحمد (2/ 401، 418، 404، 540)، وأبو يعلى (5925)، والبغوي (1050)، وصححه الحاكم (1/ 278، 279).
(4)
في ن ب ساقطة.
(5)
أي مستمعة، يقال: أصاخ، وأوساخ.
قال القاضي عياض (1): الظاهر أن هذه المذكورات المعدودة ليست لذكر فضيلته، لأن إخراج آدم من الجنة وقيام الساعة لا يعد
فضيلةً، وإنما هو بيان لما وقع فيه من الأمور العظام، وما سيقع، ليتأهب العبد فيه بالأعمال الصالحة لنيل رحمة الله [ودفع](2) نقمته.
وقال ابن العربي في "الأحوذي"(3): الجميع من الفضائل وخروج آدم من الجنة هو سبب وجود الذرية وهذا النسل العظيم ووجود الرسل والأنبياء والصالحين، ولم يخرج منها طردًا بل لقضاء أوطار، ثم يعود إليها، وأما قيام الساعة فسبب تعجيل خير الأنبياء والصديقين والأولياء وغيرهم، وإظهار كرامتهم وشرفهم.
وفي "صحيح الحاكم"(4) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سيد الأيام يوم الجمعة" وصححه.
ورُوي في حديث آخر: "الجمعة حج الفقراء وعيد
(1) ذكره في إكمال إكمال المعلم (3/ 12).
(2)
في الأصل (وكدفع)، وما أثبت من ن ب د.
(3)
عارضة الأحوذي (2/ 275).
(4)
الحاكم (1/ 277)، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم، وحسنه الألباني في صحيح ابن خزيمة (3/ 115)، وذكره الهيثمي في المجمع من رواية سعد ابن عبادة (2/ 168)، وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجه والبيهقي في الشعب عن أبي لبابة بن عبد المنذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن يوم الجمعة سيد الأيام"، وأحمد (3/ 4340)، وابن ماجه (1/ 195) قال في الزوائد: إسناده حسن، وحسنه الألباني في صحيح الجامع (3/ 265)، وانظر: زاد المعاد (1/ 388).
المساكين" (1).
ورُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "أتيت بمرءاة فيها نكتة سوداء" وفي رواية أخرى: "فيها نكتة بيضاء فقلت يا جبريل ما
هذه المرءاة؟ قال: هذه يوم الجمعة، قلت: ما هذه النكتة؟ قال: هذه الساعة التي [في](2) يوم الجمعة" (3).
قال بعض [الفقهاء (4)](5): السِّرُّ في البياض: شرفها من حيث إن البياض أحسن الألوان.
وفي السواد انبهامها والتباس عنها.
ثانيها: في الصحيحين (6) من حديث أبي هريرة أيضًا مرفوعًا
(1) مسند الشهاب القضاعي (1/ 82) الحديث موضوع. وورد بلفظ "الدجاج غنم فقراء أمتي، والجمعة حج فقرائها". رواه ابن حبان في كتاب المجروحين (3/ 90)، وقال: موضوع لا أصل له. ومن طريقه أورده ابن الجوزي في العلل (3/ 8)، وأقره السيوطي في اللآلئ (28/ 2)، وقال الشوكاني في الفوائد (1/ 422): لا أصل له.
(2)
في ن ب ساقطة.
(3)
أبو يعلى (4089)، كما ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (2/ 163، 164)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات، وروى أبو يعلى طرفًا منه.
(4)
في ن ب زيادة (جماعة).
(5)
في ن ب د (العلماء).
(6)
البخاري (876، 896)، ومسلم (855)، والنسائي رقم (1367)، وابن ماجه (1083).
"نحن الآخرون السابقون بَيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله له فهم لنا فيه تبع، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غد".
مَعْنَى "بَيْدَ": غَيْرَ. و"مِنْ": أَجَل، أو على (1)(2) وفيها لغة بالميم.
[وعظمت اليهود: السبت لما كان تمام الخلق فيه، فظنت أن ذلك موجب لفضيلته](3)، وعظمت النصارى: الأحد لما كان ابتداء الخلق فيه وكل ذلك بحكم عقولهم. وهدى الله هذه الأمة المحمدية بشرف الإِتباع فعظمت ما عظم الله، فكان يومهم هو عروس الأسبوع، كما أن البيت الحرام الذين يحجون إليه عروس الفلك الأرضي في الأمكنة المقابل للبيت المعمور.
وقد قيل: إن موسى عليه الصلاة والسلام أمر قومه بالجمعة وفضلها فناظروه في ذلك وأن السبت أفضل- فقيل له: دعهم (4).
قال القاضي: والظاهر أنه فرض عليهم يوم في الجمعة
(1) انظر: فتح الباري (2/ 354)، ومشارق الأنوار (1/ 106). ومعنى بالميم (ميد).
(2)
في إكمال إكمال المعلم زيادة: (أن).
(3)
في ن ب ساقطة، وفي ن د (يوجب تفضيله).
(4)
أشار إليه ابن حجر في الفتح (2/ 355)، وسكت عنه وأيضًا ما بعده فإنه ذكره في الفتح.
فاختاروا السبت، وبَيَّنَهُ إلى هذه الأمة ولم يكله إلى اجتهادهم، ففازوا بتفضيله.
ثالثها: كان يوم الجمعة من الأيام العظيمة في الجاهلية أيضًا، وهو أفضل أيام الأسبوع. ويوم عرفة أفضل منه على الأصح عندنا، فهو أفضل أيام السنة.
رابعها: ادعى الشيخ أبو حامد في "تعليقه": أن الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة. وفيه نظر (1).
خامسها: أول جمعة جمّعت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في بني سالم بن عوف بأربعة أيام، فإنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة يوم الاثنين نزل في دار بني عمرو بن عوف وهي قباء، ثم ارتحل من قباء وهو راكب ناقته القصواء، وذلك يوم الجمعة، أدركه وقت الزوال وهو في دار بني معالم بن عوف، فصلى بالمسلمين الجمعة هنالك في واد يقال له: وادي رانوناء (2).
(1) ذكره في إكمال إكمال المعلم (3/ 13).
(2)
ذكره ابن حجر (2/ 354) عن أبي حامد وقال هو غريب. وقال ابن حجر في موضع آخر: ولا يمنع أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه بالوحي وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها.
وقال ابن حجر في تلخيص الحبير (2/ 56): وروى عبد بن حميد في تفسيره عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم يجمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فهلم فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر الله ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يومئذ ركعتين، وذكرهم، فسموا الجمعة حين اتجمعوا إليه، فذبح لهم شاة. تغدوا وتعشوا منها، فأنزل الله في ذلك بعد {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الآية. وروى الدارقطني من طريق المغيرة بن عبد الرحمن عن مالك عن الزهري، عن عبيد الله عن ابن عباس قال: أذن النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن
يجمع بمكه: فكتب إلى مصعب ابن عمير: أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين، قال: فهو أول من جمع، حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فجمع عند الزوال من الظهر، وأظهر ذلك. اهـ.
ونبسط أقوال العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أنها فرضت بمكة وهو قول أبي حامد الغزالي وابن حجر الهيثمي في تحفة المنهاج بشرح المنهاج (2/ 405)، والخطيب الشربيني والشوكاني في نيل الأوطار (3، 262)، والسيوطي في الإِتقان (1/ 49)، وبذل المجهود (6/ 47)، وغيرهم.
قال الشوكاني: "الجمعة فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة"، وعدّ السيوطي مما تأخر نزوله عن حكمه من القرآن آية الجمعة فقال:"فإنها مدنية، والجمعة فرضت بمكة".
أدلتهم:
1 -
حديث كعب بن مالك، قال:"يرحم الله أسعد بن زرارة كان أول من جمّع بنا في هزم البيت من حرة بني بياضة".
2 -
حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أُذن للنبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع أن يجمع بمكة فكتب إلى مصعب بن عمير: أما بعد فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور فاجمعوا نساءكم =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وأبناءكم، فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله بركعتين، قال فهو أول من جمع حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم فجمع عند الزوال من الظهر وأظهر ذلك". انظر: تلخيص الحبير (2/ 60)، والفتح (2/ 256) لابن حجر حيث عزاه إلى الدارقطني.
قال الألباني: (لم أره في سنن الدارقطني فالظاهر أنه في غيره من كتبه)، وقال:(وإسناده حسن إن سلم ممن دون المغيرة). الإِرواء (3/ 68).
3 -
عن الزهري رحمه الله قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى أهل المدينة ليقرئهم فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بهم فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يومئذ بأمير ولكنه انطلق يعلم أهل المدينة". انظر: عبد الرزاق في المصف (3/ 160)، وتلخيص الحبير (2/ 60)، فإنه قال في إسناده صالح بن أبي الأخضر وهو ضعيف. انظر: الإِرواء (3/ 68).
4 -
عن ابن سيرين قال: "جمع أهل المدينة في أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبل أن تنزل الجمعة، وهم الذين سموها الجمعة، فقالت الأنصار: لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى أيضًا مثل ذلك، فهلم فنجعل يومًا نجتمع ونذكر الله ونصلي ونشكره فيه، أو كما قالوا، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمون يوم الجمعة يوم العروبة، فاجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ وذكّرهم فسموه الجمعة، حتى اجتمعوا إليه
…
إلخ.
القول الثاني: أنها فرضت بالمدينة، وهو قول جمهور العلماء، قال ابن حجر:"والأكثر على أنها فرضت بالمدينة" ويستدلون على ذلك بقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ} . قال الحافظ في الفتح (2/ 354) عن هذا القول: "وهو مقتضى ما تقدم من أن فرضيتها بالآية المذكورة وهي مدنية". =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وقد ردَّ أصحاب القول الأول على الاستدلال بهذه الآية، ففي "لامع الدراري" قال:"وأنت خبير بأن الاستدلال بالآية على مبدًا الفرضية مشكل جدًّا، فإنه لا خلاف بين العلماء أنه صلى الله عليه وسلم دخل المدينة يوم جمعة وصلاها أول يوم الدخول في مسجد بني سالم، والآية نزلت بعد ذلك بزمان لأن الأذان لم يكن بعد مشروعًا، وهذا لا مراء في ذلك [كذا] ".
الترجيح: والذي يترجح أنها فُعِلَت في العهد المكي على سبيل الجواز، ثم نزلت الآية بعد ذلك في العهد المدني مقررة الوجوب. قال الإِمام الحجاوي في الإِقناع مع شرحه (2/ 21):"قال الشيخ: فعلت بمكة على سبيل الجواز، وفرضت بالمدينة"، ويدل على هذا ما ثبت عن عروة بن الزبير رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث بعد مقدمه إلى المدينة في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة. وحددها بشكل أدق أنس بن مالك رضي الله عنه فقال:"لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل في علو المدينة في حي يقال لهم بنو عمرو ابن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة". رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، ومسلم (1/ 373)، وأبو داود (453، 454)، والنسائي (3/ 39). وقد وقعت الجمعة في هذه الأثناء، ولم يأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يجمعوا، حتى سار من بني عمرو بن عوف إلى المدينة فجمع في الطريق لما أدركته الصلاة في مسجد بني سالم بن عوف في بطن وادي رانوناء، فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، فمكث عليه الصلاة والسلام هذه الفترة دليل على أن صلاتها قبل وإنما كانت على سبيل الجواز لا الوجوب.
ويدل على هذا أن صلاة الصحابة الجمعة بالمدينة إنما كانت بطلب منهم لما رأوا اجتماع اليهود في يوم السبت، واجتماع النصارى يوم الأحد، يوضح هذا مرسل ابن سيرين الذي سبق إيراده. =
فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة، أو مطلقًا.
سادسها: اعلم أن الزمن من حيث (1)[كونه](2) زمنًا لا يفضل بعضه بعضًا، وكذلك لا يفضل شيء بذاته بل بالتفضيل، ولله سبحانه وتعالى أن يفضل من شاء بما شاء، وأن يخص من شاء بما شاء. وقد نص الرسول عليه الصلاة والسلام على تفضيل بعض الأزمنة، ونبه على رجحان العمل فيها، وكأَنَّ المقصود من ذلك حثُّ الخلق على الاجتهاد والطاعات فيها، منها يوم عرفة (3). وعشر ذي الحجة ورمضان عمومًا، وليلة القدر منه خصوصًا، وشعبان عمومًا، وليلة نصفه خصوصًا، ويوم الجمعة عمومًا،
والساعة التي فيها خصوصًا ويوم عاشوراء، والساعة التي في الليل
= وحديث ابن عباس الذي رواه الدارقطني يشعر أيضًا بأن حكمها كان على الجواز فإنه قال: "أُذن للنبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة قبل أن يهاجر" فالتعبير بالإِذن يدل على أن المراد الجواز لا الوجوب، ودل عليه أيضًا ما رواه الزهري أن مصعب بن عمير استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بهم فأذن له. انظر: كتاب الغلو في الدين، لعبد الرحمن بن معلا اللويحق (470، 474).
(1)
انظر: السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (2/ 112)، ومعجم البلدان لياقوت (2/ 19). قال بعد ذكره لكلام ابن إسحاق: ولم أجده في غير كتاب ابن إسحاق الذي لخصه ابن هشام. وكل يقول صلى بهم في بطن الوادي في بني سالم، ورانوناء؛ بوزن عاشوراء، وخابوراء.
(2)
في ن د زيادة (هو).
(3)
في ن ب ساقطة.
وخصوصًا نصفه الأخير. وخصوصًا السحر، وهما وقتا المناجاة والرحمة.
وقيل: في قول يعقوب: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} (1) إنه أخر الاستغفار إلى السحر.
وقيل: وعدهم أن يستغفر لهم ليلة الجمعة.
وقيل: بل أخر الاستغفار حتى يجتمع بيوسف بمصر، ليكون أجمع للدعاء، وأطيب للنفس. وكل هذا التخصيص لأسرار عَلِمَهَا
الله، وأطلع من شاء عليها، واستأثر بما شاء منها، نبه عليه ابن بزيزة.
ثم بعد هذه التنبيهات المهمة نرجع إلى ما نحن بصدده فنقول: ذكر المصنف رحمه الله في [هذا](2) الباب ثمانية أحاديث:
(1) سيأتي الكلام عليها إن شاء الله في أبوابها.
(2)
سورة يوسف: آية 98.