الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني
في دفع التعارض المفهوم ظاهراً من بعض عبارات الدَّارَقُطْنِيّ
ضعّف الإمام الدَّارَقُطْنِيّ "شريكا القاضي" في 1/345 من سننه فقال: "وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به".
وضعّف "حجاج بن أرطاة" في غير موضع من سننه فقال في 1/155: "لا يحتج به" وفي موضع آخر قال: "ضعيف" وضعفه في 3/174-175.
وفي 1/89-90 ذكر الحجاج بن أرطاة، وشريكا، وغيرهما من الضعفاء في جملة حفاظ ثقات.
فهل هذا تناقض في عبارات الإمام الدَّارَقُطْنِيّ في الجرح والتعديل أو ماذا؟.
الجواب:
والجواب عن هذا: أنه ليس من باب التعارض والتناقض في عباراته في الجرح والتعديل، لأنه لا يخلو من أمرين:
الأول:
أن يكون ذلك الراوي، الذي ضعفه في مكان، ووثقه في مكان، ضعيفاً من وجه، وقوياً محتجّاً به من وجه آخر.
فيروي له حديثاً من الجهة التي يضعّفه فيها، فيضعفه من غير بيان ينبئ عن مراده تفصيلا.
وإذا روى له حديثاً من الجهة التي يثبّته فيها، وثقه وقواه من غير بيان ينبئ
عن مراده تفصيلاً.
فإذا نظر الناظر في قوليه في الرجل ظنه متناقضا فيه، وليس هو كذلك، لأن إحدى عباراته محمولة على متعلَّق غير متعلَّق الأخرى، فلا تناقض، لأن عباراته وإن كانت متناقضة في الظاهر إلا أن إحدى العبارتين مقيّدة للأخرى"1".
ومن الأمثلة على هذا ما أشرت إليه آنفا من أقواله في الحجاج وشريك.
وتأمّل قوله في شريك: "ليس بالقوي فيما يتفرد به" فكأنه قيّد العبارة فيه. ولمّا روى ما وافقه فيه الحفاظ الثقات خف عند الدَّارَقُطْنِيّ ذلك الضعف الذي فيه فغلّب فيه جانب التوثيق. وسيأتي قريباً مزيد تفصيل في الأمثلة في الفقرة التالية.
الثاني:
أن قوله هذا يَصْدق فيه ما قاله المعلمي، رحمه الله، حينما قال:
"قول المحدِّث "هذا حديث رواه جماعةٌ حفاظٌ ثقاتٌ"، ثم يعدّهم، ويذكر فيهم من ضعفه في موضع آخر - لا تناقض فيه؛ لأن "قول المحدث رواه جماعة ثقات حفاظ" ثم يعدهم لا يقتضى أن يكون كل من ذكره بحيث لو سئل عنه ذاك المحدث وحده لقال: "ثقة حافظ"، هذا ابن حبان قصد أن يجمع الثقات في كتابه، ثم قد يذكر فيهم من يُليّنه هو نفسه في الكتاب نفسه.
وهذا الدَّارَقُطْنِيّ نفسه ذكر في "السنن" ص35"2" حديثاً فيه مسح
"1" ينظر: "التنكيل
…
"، للمعلِّمي: 1/361-362.
"2" هذا في الطبعة الهندية، أما في طبعة عبد الله هاشم يماني ففي: 1/89-90.
الرأس ثلاثا وهو موافق لقول أصحابه الشافعية ثم قال: "خالفه جماعة من الحفاظ الثقات
…
" فعدهم، وذكر فيهم شريكا القاضي، وأبا الأشهب جعفر
ابن الحارث والحجاج بن أرطاة، وجعفر الأحمر.
مع أنه قال ص132"1""شريك ليس بالقوي فيما يتفرد به".
وجعفر بن الحارث لم أر له كلاما فيه، ولكن تكلم فيه غيره من الأئمة كابن معين والنسائي.
وحجاج بن أرطاة قال الدَّارَقُطْنِيّ نفسه في مواضع"2" من "السنن""لا يحتج به" وفي بعض المواضع "ضعيف".
وجعفر الأحمر اختلفوا فيه. وقال الدَّارَقُطْنِيّ - كما في "التهذيب""يعتبر به"، وهذا تليين كما لا يخفى.
ونحو هذا قول المحدث: "شيوخي كلهم ثقات"، أو "شيوخ فلان كلهم ثقات"، فلا يلزم من هذا أن يكون كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الإطلاق:"هو ثقة".
وإنما إذا ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم ثقات فاللازم أنه ثقة في الجملة، أي له حظ من الثقة.
وقد تقدم.. أنهم ربما يتجوّزون في كلمة "ثقة" فيطلقونها على من هو صالح في دينه، وإن كان ضعيف الحديث أو نحو ذلك.
"1" من الهندية، وفي طبعة اليماني: 1/345.
"2" انظر: "فهرس الرواة المتكلم فيهم في السنن" في الفصل الآتي.
وهكذا قد يذكر الرجل في جملة من أطلقوا أنهم ضعفاء، وإنما اللازم أن له حظّاً من الضعف، كما تجدهم يذكرون في كتب الضعفاء كثيرا من الثقات الذين تُكلم فيهم أيسر كلام.
هكذا كله مع أن الدَّارَقُطْنِيّ لو تناقضت بعض كلماته، البتة لم يكن في ذلك ما يبيع سوء الظن به، فإن غيره من الأئمة قد اتفق لهم ذلك، وما أكثر ما تجده من التناقض في كلمات ابن معين
…
"1".
وذكر المُعلّمي -أيضاً- أن ما قيل من اختلاف في ظاهر كلام الدَّارَقُطْنِيّ في ابن أبي ليلى إنما هو لاختلاف مقتضى الحال، فقال: "ينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على وجهين:
الأول: أن يُسأل عنه فيجيل فكره في حاله في نفسه وروايته، ثم يستخلص من مجموع ذلك معنى يحكم به.
الثاني: أن يستقر في نفسه هذا المعنى ثم يتكلم في ذلك الراوي في صدد النظر في حديث خاص من روايته.
فالأول: هو الحكم المطلق الذي لا يخالفه حكم آخر مثله إلا لتغير الاجتهاد.
وأما الثاني: فإنه كثيرا ما ينحى به نحو حال الراوي في ذاك الحديث.
فإذا كان المحدث يرى أن الحكم المطلق في الراوي أنه صدوق كثير الوهم، ثم تكلم فيه في صدد حديث من روايته، ثم في صدد حديث آخر، وهكذا، فإنه كثيرا ما يتراءى اختلاف ما بين كلماته.
"1" "التنكيل
…
"، للمعلمي اليماني: 1/362-363.
فمن هذا أن الحجاج بن أرطاة عن الدَّارَقُطْنِيّ: صدوق يخطئ فلا يحتج بما ينفرد به. واختلفت كلماته فيه في "السنن":
فذكره ص35"1" في صدد حديث وافق فيه جماعة من الثقات فعده الدَّارَقُطْنِيّ في جملة "الحفاظ الثقات" -كما مر-.
وذكره ص531"2" في صدد حديث أخطأ فيه، وخالف مسعراً وشريكا، فقال الدَّارَقُطْنِيّ:"حجاج ضعيف" وذكره في مواضع أخرى فأكثرُ ما يقول "لا يحتج به".
وعلى هذا ينزل كلامه في ابن أبي ليلى، فإنه عنده: صدوق سييء الحفظ.
ففي ص46"3" ذكر حديثاً رواه إسحاق الأزرق عن شريك عن ابن أبي ليلى عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعاً في طهارة المني.
وذكر أن وكيعاً رواه عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس من قوله.
وقد رواه الشافعي عن ابن عيينة عن عمرو بن دينار وابن جريج كلاهما عن عطاء، عن ابن عباس من قوله.
فالحديث صحيح عن ابن عباس من قوله.
وقد رواه وكيع وهو من الثقات الأثبات عن ابن أبي ليلى كذلك.
ورواه شريك عن ابن أبي ليلى فرفعه.
"1" و1/89-90 من طبعة اليماني.
"2" في 4/250 من طبعة اليماني.
"3" في 1/124 من طبعة اليماني.
فحال ابن أبي ليلى في هذا الحديث جيدة، لأنه في أثبت الروايتين عنه وافق الأثبات.
وفي رواية الأزرق عن شريك عنه رفعه، وقد يحتمل أن يكون الخطأ من الأزرق أو من شريك، فإن الأزرق ربما غلط، وشريكا كثير الخطأ أيضاً.
وقد رواه وكيع عن ابن أبي ليلى على الصواب، فلهذا اقتصر الدَّارَقُطْنِيّ على قوله:"لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك. محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى، ثقة في حفظه شيء".
وفي ص89"1" ذكر حديثاً رواه الجبلان: سفيان وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مرسلا، وخالفهما محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فرواه موصولا. فحاله في هذا الحديث رديئة، فظهر أثر ذلك في كلمة الدَّارَقُطْنِيّ فقال "ضعيف، سييء الحفظ".
وفي ص273"2" ذكر أحاديث في القارن يطوف طوافاً واحداً، ويسعى سعياً واحدا. وهناك روايات عن علي وابن مسعود أنهما قالا طوافين وسعيين.
ثم ذكر طريق ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي أنه:"جمع الحج والعمرة، فطاف لهم طوافاً واحداً"3"، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل". ولا يخفى ما في هذا من
"1" 1/241 من طبعة اليماني.
"2" 2/263 من طبعة اليماني.
"3" في التنكيل: "طواف واحد". وهو خطأ ظاهر.
التخليط
…
فلذلك قال: "رديء الحفظ كثير الوهم".
فأين اتباع الهوى؟ وأين الاضطراب
…
"! "1" في عبارات الدَّارَقُطْنِيّ؟
قلت: وإن توقف متوقف في هذا التخريج، الذي أنزلتُ عليه عبارات الدَّارَقُطْنِيّ؛ محتجّا بِجِدِّته أو بغير ذلك؛ فإنى أقول:
ليس هذا الفهم جديداً، بل هو من الضوابط التي ينبغي أن يتنبه لها كل متكلم في الجرح والتعديل، وقد راعى ذلك العلماء عمليا، وتطبيقاتهم في كتب الجرح والتعديل شاهده به.
وقد صرّح بعضهم بضرورة هذا التخريج، عند الوقوف على اختلاف ألفاظ الجرح والتعديل في الرواة.
وممن صرح به الحافظ ابن حجر، حيث قال في مقدمة "لسان الميزان" "وينبغي أن يتأمل أيضاً أقوال المزكين ومخارجها: فقد يقول المعدل: فلان ثقة. ولا يريد به أنه ممن يحتج بحديثه"2"، وإنما ذلك على حسب ما هو فيه، ووجه السؤال له، فقد يُسأل عن الرجل الفاضل المتوسط في حديثه فيقرن بالضعفاء، فيقال: ما تقول في فلان، وفلان، وفلان؟.
فيقول: فلان ثقة. يريد به أنه ليس من نمط من قُرن به.
فإذا سئل عنه بمفرده بيّن حاله في التوسط.
فمن ذلك أن الدوري قال عن ابن معين أنه سئل عن ابن إسحاق،
"1" "التنكيل
…
"، للمعلمي: 1/363-364.
"2" وانظر أيضاً: "فتح المغيث": 1/341.
وموسى بن عبدة الربذي أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة.
وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده فقال: صدوق، وليس بحجة،
ومثله أن أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك يونس أو عقيل؟
فقال: عقيل لا بأس به. وهو يريد تفضيله على يونس.
وسئل عن عقيل وزمعة بن صالح، فقال: عقيل ثقة متقن.
وهذا حكم على اختلاف السؤال.
وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف كلام أئمة أهل الجرح والتعديل ممن وثق رجلا في وقت، وجرحه في وقت آخر.
وقد يحكمون على الرجل الكبير في الجرح بمعنى"1" لو وُجد فيمن هو دونه لم يجرح به.
فيتعين لهذا حكاية أقوال أهل الجرح والتعديل بنصها، ليتبين منها، فالعلة تخفى على كثير من الناس إذا عرض على ما أصلناه، والله الموفق"2".
ونبّه السخاوي في "فتح المغيث"3" على نحو ما تقدم عن ابن حجر، ولا داعي لنقله.
وقرر هذا المعنى أيضاً الإمام أبو الوليد الباجي في كتابه: "التعديل والتجريح لمن أخرج لهم في الصحيح"4".
"1" في "لسان الميزان" المطبوع "يعني" وهو تصحيف.
"2""لسان الميزان": 1/17.
"3" انظر: "فتح المغيث": 1/248.
"4" في 1/283-288.