الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قلت: وقد قال ابن معين في عمرو بن شعيب "إذا حدث عن أبيه عن جده فهو كذّاب، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار وعروة، فهو ثقة"1" فلولا أنه يريد بهاتين اللفظتين معنى غير المعنى المقصود في الاصطلاح العام لكان في ذلك تناقض.
ومما يؤكد أيضاً هذا المعنى الذي قررته أن الذين قيل فيهم من الأئمة أنهم لا يروون إلا عن ثقة، أو من قال منهم لا أروي إلا عن ثقة. إنما كان ذلك منهم بحسب الأغلب - كما هو متفق عليه- وإلا فقد حصل منهم الرواية عن من هو ضعيف"2".
"1""طبقات المدلسين"، لابن حجر: ص24 "نشر مكتبة الكليات الأزهرية".
"2" انظر: "فتح المغيث": 1/293.
عبارات أخرى للدارقطني ظاهرها الاختلاف:
قد يشكل على المرء بعض عبارات للدارقطني، في كلامه على الحديث صحة وضعفا، من ذلك قوله:
1-
"إسناده حسن، ورواته ثقات"3".
2-
"هذا إسناد حسن، وابن لهيعة ليس بالقوي"4".
وعلى ضوء ما شرحته من ألفاظ الجرح والتعديل، عند الإمام الدَّارَقُطْنِيّ فإني لا أرى تعارضاً أو تضاربا في العبارتين السابقتين، لكن يحصل التعارض
"3""سنن الدَّارَقُطْنِيّ": 1/173.
"4""سنن الدَّارَقُطْنِيّ": 1/351.
في الذهن عند من لم يفهم اصطلاح الدَّارَقُطْنِيّ ومراده بذلك.
والإشكال الذي قد يحصل في العبارة الأولى:
أن يقال: كيف يكون الحديث رواته ثقات ثم يكون إسناده حسنا، ولا يكون صحيحاً؟.
والجواب عن ذلك هو:
معلوم أن حديث الثقة محتج به، ما لم يَبِنْ فيه خطؤه، بشذوذ أو نحو ذلك، لكن لا يخلو الثقة من أن يكون تام الضبط، فيكون حديثه صحيحاً، أو خفيف الضبط خفةً لا تُلحقه بالضعفاء، ولا تُخرجه عن دائرة من يُطلق عليه:"ثقة"، فيكون حديثه حسناً.
وعلى الأخير تُنزل عبارة الدَّارَقُطْنِيّ السابقة، والله أعلم.
والإشكال الذي قد يحصل في العبارة الثانية:
أن يقال: كيف يكون هذا الإسناد عند الإمام الدَّارَقُطْنِيّ حسنا، مع أنه ذكر أن فيه ابن لهيعة وهو يرى أنه "ليس بالقوي"؟.
والجواب عن ذلك هو:
معلوم أن الحديث الحسن عند المحدثين ينقسم إلى قسمين:
1-
حسن لذاته "وهو الذي تقدم تعريفه في العبارة الأولى".
2-
حسن لغيره، وهو الذي يكون أحد رواته ضعيفاً ضعفاً محتملاً ينجبر بتعدد الطرق كضعف ابن لهيعة.
فبالنظر إلى الحديث وفي سنده هذا الضعيف يحكم على الحديث بالضعف، وبالنظر إلى الحديث بتعدد طرقه الجابرة للضعف؛ فإنه يُحكم
للحديث في طريقه الذي فيه الضعيف بالحسن، أي الحسن لغيره لا لذاته.
وهذا محمل وجيه لعبارة الدَّارَقُطْنِيّ السابقة، لا سيما أن هذا التقسيم قد سبق الإمام الدَّارَقُطْنِيّ منذ زمن الترمذي، وقد مر قريباً ما يؤيد هذا في مسلك الدَّارَقُطْنِيّ في الكلام على الرواة جرحاً وتعديلاً.
وحديث ابن لهيعة هذا رواه عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه بذلك اللفظ مع اختلاف يسير عن ابن عباس غير ابن لهيعة، كسعيد بن جبير، وطاوس.
وقد أورد الدَّارَقُطْنِيّ روايتهما عنه في الموضع نفسه الذي أورد فيه رواية ابن لهيعة. وقد ذكر رواية ابن لهيعة متأخرة"1".
فبالنظر إلى رواية ابن لهيعة وحدها نجدها ضعيفة لضعفه، ولمخالفته اليسيرة في اللفظ لمن هو أوثق منه.
وبالنظر إلى مساندة رواية الثقة لروايته نجد أنها أصبحت حسنة لغيرها. ولذلك؛ ولمخالفته اليسيرة؛ أشار الدَّارَقُطْنِيّ للأمرين بقوله:
"هذا إسناد حسن، وابن لهيعة ليس بالقوي".
وكأنَّ في عبارة الدَّارَقُطْنِيّ تجوزاً، لأن الذي يصبح حسنا لغيره هو المتن لا السند الذي فيه الضعيف، لأن السند لا يقال عنه حسن. إلا إذا كان رجاله رجال الحسن.
ولقد بلغ الإمام الدارقطنيّ مِن الدقّة إلى أنه قد يقول في سندِ حديثٍ: "رجاله ثقات"، ولا يعني ذلك أنه يحْكم بصحة الحديث، إنما يحكم بأنّ
"1" أورد رواية سعيد بن جبير وطاوس من طريقين في: 1/350 ورواية ابن لهيعة في: 1/351.
رجاله رجال الصحيح، ثم قد يكون الحديث صحيحاً، وقد يكون غير صحيح؛ ولهذا قال مرّةً في حديثٍ:"هذا باطل، والإسناد ثقات"1"!، وكذا قال مرّةً في حديثٍ: "وهذا باطل، والإسناد ثقاتٌ كلهم"2"، وكذا قال:"كلهم ثقات، ولا أعلم له علةً"3".
فالنتيجة أن عبارات الدَّارَقُطْنِيّ، رحمه الله تعالى، ليس بينها اختلاف -فيما يظهر لي- وكل ما في الأمر أنها تحتاج إلى فهم. والله أعلم.
"1" أسئلة السهميّ: ق24أ-ب.
"2" أسئلة السهميّ: ق9أ-ب.
"3" سنن الدارقطني: 2/182.