الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحَدِيث (التَّاسِع)
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» من حَدِيث قبيصَة بن مُخَارق الْهِلَالِي قَالَ:«تحملت حمالَة فَأتيت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فِيهَا فَقَالَ: أقِم حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَة، فنأمر لَك بهَا. ثمَّ قَالَ: يَا قبيصَة إِن (الْمَسْأَلَة) لَا تحل إِلَّا لأحد ثلاثةٍ: رجل تحمل حمالَة فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى (يُصِيبهَا أَو يمسك، وَرجل أَصَابَته جَائِحَة اجتاحت مَاله فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة حَتَّى) يُصِيب قوامًا من عَيْش - أَو قَالَ: سدادًا من عَيْش - وَرجل أَصَابَته فاقة حَتَّى يقوم ثَلَاثَة من ذَوي الحجا من قومه لقد أَصَابَت فلَانا فاقة فَحلت لَهُ الْمَسْأَلَة، حَتَّى يُصيب قوامًا من عَيْش - أَو قَالَ: سدادًا من عَيْش - فَمَا سواهن [من الْمَسْأَلَة] يَا قبيصَة سحتًا يأكلها صَاحبهَا سحتا» .
كَذَا وَقع فِي مُسلم «يقوم» وَوَقع فِي أبي دَاوُد «يَقُول» بِاللَّامِ. وَفِي «صَحِيح ابْن حبَان» فَيشْهد وَهَذَا الحَدِيث من أَفْرَاد مُسلم بل لم يخرج البُخَارِيّ عَن قبيصَة فِي كِتَابه شَيْئا و (الْحمالَة) بِفَتْح الْحَاء الِاسْتِدَانَة.
والحجى مَقْصُور: الْعقل، والقِوام والسِداد (بِكَسْر أَولهمَا) قَالَ ابْن درسْتوَيْه: والعامة تَقول: هُوَ قوام الْأَمر - بِالْفَتْح - وَهُوَ خطأ.
قلت: قد حَكَاهُ يَعْقُوب فِي «إِصْلَاحه» وَأَبُو (عبيد) وَغَيرهمَا، وَقَالَ ابْن سَيّده: الْعَامَّة تَقول السَداد بِالْفَتْح، وَهُوَ خطأ. قلت: قد حَكَاهُ يَعْقُوب فِي «إِصْلَاحه» أَنه يُقَال: سداد، وَمن عَوَز بِالْفَتْح فَحصل وَجها (من هَذَا) فِي السداد، وَالْكَسْر أفْصح وَهُوَ مَا يسد بِهِ الْخلَّة، وَأما سِداد القارورة وَالْبَعِير فبالكسر لَا غير، والسداد بِمَعْنى الْإِصَابَة مَفْتُوح، وَكَذَلِكَ «السدد» أَيْضا بِغَيْر ألف حَكَاهُ الْجَوْهَرِي. هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب.
وَذكر فِيهِ من الْآثَار أثرا وَاحِدًا: وَهُوَ «أَن عمر رضي الله عنه خطب النَّاس وَقَالَ: أَلا إِن الأسيفع أسيفع جُهَيْنَة قد رَضِي من دينه وأمانته أَن يُقَال سبق الْحَاج فادَّان معرضًا. فَأصْبح وَقد (رين بِهِ) فَمن كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دين فليحضر فَإنَّا بَايعُوا (مَاله) وقاسموه بَين غُرَمَائه» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ مَالك فِي «موطئِهِ» فِي آخر بَاب (جَامع) الْقَضَاء عَن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن دلاف عَن أَبِيه «أَن رجلا من جُهَيْنَة
كَانَ [يسْبق الْحَاج فيشتري] الرَّوَاحِل (فيغالي) بهَا ثمَّ يسْرع السّير فَيَسْبق الْحَاج فأفلس، فَرفع أمره إِلَى عمر فَقَالَ: أما بعد، أَيهَا النَّاس، فَإِن الأسيفع، أسيفع جُهَيْنَة رَضِي من دينه وأمانته أَن يُقَال: سبق الْحَاج. أَلا وَإنَّهُ قد ادَّان معرضًا فَأصْبح قد رين بِهِ، فَمن كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دين (فيلقانا) بِالْغَدَاةِ نقسم مَاله بَين غُرَمَائه، وَإِيَّاكُم وَالدّين فَإِن أَوله هم وَآخره (حَرَب) » .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : وَرَوَاهُ أَيُّوب فَقَالَ: نبئت عَن عمر بن الْخطاب مثل ذَلِكَ، وَقَالَ:«نقسم مَاله بَينهم بِالْحِصَصِ» . قلت: وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي «غَرِيبه» عَن أبي النَّضر، عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أبي سَلمَة، عَن ابْن دلاف، عَن عمر
…
فَذكره بِمثلِهِ إِلَّا أَنه قَالَ: «سَابق الْحَاج» ، أَو قَالَ:«سبق الْحَاج» . وَفِي آخِره: «فَمن كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دين فليغد بِالْغَدَاةِ فلنقسم مَاله بَينهم بِالْحِصَصِ» .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَقد سُئِلَ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: هُوَ حَدِيث يرويهِ عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة بن دلاف، عَن أَبِيه، عَن بِلَال بن الْحَارِث، عَن عمر حدث بِهِ زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن (عبيد الله) عَن عمر كَذَلِك. وَتَابعه عَبدة بن سُلَيْمَان (وَأَبُو حَمْزَة) وَخَالفهُم يَحْيَى الْقطَّان، فَرَوَاهُ عَن عبيد الله، عَن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن عَطِيَّة، عَن
عَمه، عَن بِلَال بن الْحَارِث.
وَرَوَاهُ زِيَاد بن سعد عَن ابْن دلاف وَهُوَ [عمر] بن عبد الرَّحْمَن عَن أَبِيه عَن عمر. وَلم يذكر «بِلَالًا» . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ وَمَالك وَعبد الله الْعمريّ عَن ابْن دلاف.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَالْقَوْل قَول زُهَيْر وَمن تَابعه عَن عبيد الله. وَرَوَاهُ مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن ابْن دلاف مُرْسلا عَن عمر.
فَائِدَة: الرَّوَاحِل: جمع رَاحِلَة يَعْنِي الْإِبِل. والأسيفع بِضَم الْهمزَة وَفتح السِّين وَإِسْكَان الْيَاء وَكسر الْفَاء، كَذَا قَيده جماعات: ابْن أبي عصرون فِي «النَّص الْمَذْهَب عَلَى الْمَذْهَب» وَابْن [معن] فِي «تنقيبه» والقلعي فِي «تَحْرِير شَوَاهِد الْمُهَذّب» . وَوَقع فِي «تَهْذِيب الْأَسْمَاء واللغات» للنووي تَقْيِيده بِفَتْحِهَا، وَلَعَلَّه من النَّاسِخ فقد ضَبطه بِكَسْرِهَا فِي كَلَامه عَلَى «الْوَسِيط» .
قَالَ ابْن الْأَثِير فِي «جَامعه» : أسيفع تَصْغِير أسفع. قَالَ: والسَّفعة فِي اللَّوْن السوَاد. وجهينة: بطن من بطُون قضاعة بن مَالك بن (حمير) وَعَن قطرب أَنَّهَا منقولة من (مصغرة جهانة) عَلَى التَّرْخِيم، يُقَال: جَارِيَة جهانة، أَي: شَابة.
وَقَوله: ادَّان هُوَ بتَشْديد الدَّال وألفه ألف وصل أَي اسْتقْرض كَمَا قَالَه الرَّافِعِيّ. يُقَال: ادَّان الرجل (ودانته) إِذا بِعْت مِنْهُ بِأَجل. وَدنت وادّنت إِذا اشْتريت مِنْهُ إِلَى أجل. وَقَوله: «معرضًا» أَي يعْتَرض النَّاس فيستدين مِمَّن أمكنه قَالَه الرَّافِعِيّ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْأَثِير: المعرض هُنَا بِمَعْنى الْمُعْتَرض أَي اعْترض لكل من يقْرضهُ.
يُقَال: عرض لي الشَّيْء وَأعْرض وَتعرض وَاعْترض بِمَعْنى وَاحِد. قَالَ: وَقيل: مَعْنَاهُ ادّان معرضًا عَمَّن يَقُول لَهُ لَا تستدن فَلَا يقبل.
قَالَ: وَقيل مَعْنَاهُ أَخذ الدَّين معرضًا عَن الْأَدَاء. وَحَكَى هَذِه الْأَقْوَال الثَّلَاثَة القلعي فِي «مستغربه» وَقَالَ ابْن [معن] فِي «تنقيبه» بِكَسْر الرَّاء الْمُشَدّدَة وَمَعْنَاهُ يتَعَرَّض النَّاس مستدينًا مِنْهُم قَالَ: رُوِيَ (بتَخْفِيف الرَّاء، وَمَعْنَاهُ معرضًا عَن الْعدْل فَلَا يقبل إِذا نهي، وَقيل عَن الْأَدَاء.
وَقَوله: «وَقد رين بِهِ» أَي أحَاط بِهِ الدَّين، كَأَن الدَّين قد علاهُ وغطاه، يُقَال: رين بِالرجلِ رينًا إِذا وَقع فِيمَا لَا يَسْتَطِيع الْخُرُوج مِنْهُ. وَبِه جزم الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب وَنقل عَن أبي عبيد أَنه قَالَ: كل مَا غلبك فقد ران بك ورانك قَالَ تَعَالَى: (كلا بل ران عَلَى قُلُوبهم) .
و «الْحَرْب» بِسُكُون (الرَّاء) مَعْرُوف يَعْنِي أَنه تعقب الْخُصُومَة،
وبفتح الرَّاء: السَّلب والنهب. قَالَه ابْن الْأَثِير. وَقَالَ المطرزي فِي «الْغَرِيب» : قَوْله حَرْب هُوَ بِفتْحَتَيْنِ وَهُوَ أَن يُؤْخَذ مَاله كُله كَذَا حَكَاهُ الْأَزْهَرِي عَن النَّضر بن شُمَيْل. قَالَ: وَيروَى حزن (وَهُوَ) هم وغم يُصِيب الْإِنْسَان بعد فَوَات المحبوب.