الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشيرازي في القاموس وغيره، وابن فارس في مواضع من مصنفاته، وغيرهم. وعبر علماء الأصول بالألفاظ بدل الأصوات، فقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: حد اللغة كل لفظٍ وضع لمعنى، وقال الأسنوي في شرح منهاج الأصول: اللغات عبارة عن الألفاظ الموضوعة للمعاني، ومثل ذلك عبارة التاج السبكي في جمع الجوامع، وغيره من الأصولييين، ومآل تلك العبارات شيء واحد كما أشرنا إليه أولًا، وكلها في غاية الظهور فلا نحتاج لتفسيره كما لا يخفى، والله أعلم.
الفائدة الثانية:
كما اختلفوا في حدها اختلفوا في تصاريفها، قال ابن جني في الخصائص: اللغة فعلة من لغوت، أي: تكلمت، وأصلها لغوة، ككرة وقلة وثبة كلها لاماتها واوات، وقالوا فيها لغات ولغون كثباتٍ وثبون، وقيل منها: لغي، يلغى. إذا هذى، وقال:
عن الغا ورفث التكلم
وكذلك اللغو، قال تعالى:{وإذا مروا باللغو مروا كراماً} ، أي:
بالباطل. وفي الحديث: «من قال في الجمعة صه فقد لغا» أي: تكلم. قلت: قوله فعله، من لغوت، أي: بضم الفاء وسكون العين كغرفة، لا فعلة كرطبة، كما قيل. وقوله:«أي تكلمت» تفسير للغوت، يقال لغا، يلغو كدعا، لغوًا: إذا تكلم مطلقًا كما في المصباح والقاموس وغيرهما، ولا يقال في مضارعه يلغى كيسعى لمكان حرف الحلق كما يقتضيه القياس، لأنه إذا تعارض السماع والقياس فالسماع مقدم كما في الخصائص وغيرها، خلافًا للكسائي. وقوله: وأصلها لغوة، أي: قبل الإعلال والتعويض، ثم استثقلت الحركة على الواو، فنقلت للساكن قبلها وهو العين، فبقيت الواو ساكنة فحذفت وعوض عنها هاء التأنيث، ووزنها بعد الإعلال «فعة» بحذف اللام، وقوله «ككرة» تشبيه لها بها بعد الإعلال والتعويض لا قبله، وإلا تقال ككروة، وإعلالهما واحد، والكرة: كل شيء أدرته وجعلته مستديرًا كما في المحكم والخلاصة والقاموس وغيرها، والقلة مخففة كاللغة والكرة: عودان يلعب بهما الصبيان كما في الصحاح وغيره. والثبة بضم المثلثة مخففة أيضًا: الجماعة كما في الدواوين اللغوية والنحوية. وقوله: «وكلها لامتها واوات» ، هذا هو المشهور الذي عليه الجمهور، وقيل: إن لامتها ياءات كما في الصحاح والقاموس وغيرهما. ثم عباراته صريحة في أن المحذوف من هذه الألفاظ لامتها، وهو المشهور المعروف المقرر، فأما اللغة والقلة فلا نعلم فيهما خلافًا أصلًا، وأما الكرة والثبة فشذ بعض ضعفة النحويين فقالوا: إن الكرة محذوفة العين، وإن أصلها كورة أو كيرة، وأن الثبة أصلها ثوبة من ثاب الشيء، إذا اجتمع وانضم بعضه إلى بعض، ويرد عليهم أمران: أحدهما
أنهم قالوا في جمعهما كرين وثبين فألحقوهما بجمع المذكر السالم كسنين، وقد تقرر في العربية أن هذا الحكم لا يبذل إلا للكلمة الثلاثية التي حذفت لامها وعوض عنها هاء التأنيث، ومن ثم منعوا جمع ثبة بمعنى وسط الحوض هذا الجمع، لأن المحذوف منه عينه كما في التصريح وغيره، ولذلك عابوا على المجد ذكره وسط الحوض من معاني الثبة في باب المثناة دون الموحدة كما أشرت إليه في حواشيه، والله أعلم. الثاني أنهم قالوا: كرا بالكرة يكرو: إذا لعب بها، وثبا الناس: أي اجتمعوا جماعات، وقد تقرر أن التصريف يرد الأشياء إلى أصولها، وقد بسطت القول في هذه الألفاظ في حواشي التوضيح وشرح الكافية الكبرى، وأشرت إليه في شرح نظم الفصيح بما لا مزيد عليه من التحقيق، والله أعلم. وقال في الصحاح إن الفراء كان يقول: إنما ضم أول القلة ليدل على الواو، فيجب أن يكون ذلك في نظرائها، من باب «لا فارق» ، والله أعلم. وقوله: وقالوا فيها، أي في جمعها: لغات على أنه جمع مؤنث سالم، ولم يردوا اللام المحذوفة لكثرة الاستعمال طلبًا للتخفيف، ولغون إلحاقًا لها بجمع المذكر السالم لأنها من باب سنين لصدق ضابطه المتقدم، إلا أنه يجوز في فائها حالة الجمع الضم على الأصل، والكسر طلبًا للتخفيف، لأن الألفاظ المجموعة هذا الجمع من هذا الباب إذا كانت مفتوحة كسنة وجب كسرها في حالة الجمع، وإن كانت مكسورة كعضة وعزة بقيت على كسرها، وإذا كانت مضمومة كلغة وثبة جاز في الجمع الضم بقاء على الأصل، والكسر طلبًا للتخفيف على ما هو مقرر في دواوين النحو، والله أعلم.
وقوله: وقيل، أي: قال بعض أهل الاشتقاق، منها، أي: من اللغة اشتق لغي يلغى بكسر الماضي وفتح المستقبل كرضي كما صرح به في الصحاح، وزاد في القاموس أنه يقال لغى بفتحها كسعى، وبفتح الماضي وضم المستقبل كدعا، وقوله: إذا هذى تفسير لغى، يقال: هذى بالذال المعجمة يهذي كرمى، هذيا وهذيانًا: تكلم بغير معقول لمرض أو غيره، والاسم الهذاء كدعاء، ورجل هذاء، وهذأة كهمزةٍ: كثير الهذيان والهذر، وفيه لغة هذا يهذو هذوًا كدعا، ذكرها الجوهري والمجد وغيرهما. وقوله:«قال عن اللغا» ، هذا شاهد استدل به على إطلاق اللغا بمعنى الهذاء، وفاعل «قال»: الراجز المفهوم من الكلام، وهو العجاج، واسمه عبد الله بن رؤبة بن لبيد بن صخر التميمي الراجز المشهور، له رواية عن أبي هريرة وغيره، مات في أيام الوليد بن عبد الملك، ترجمته واسعة في شروحنا للشواهد، ومحكي قال هنا هو: عن اللغا، وهو شطر من الرجز، أو بيت مشطور على الخلاف بين العروضيين في أمثاله، وهو من قصيدة طويلة أولها:
يا دار سلمى يا سلمى ثم اسلمي
بسمسمٍ أو عن يمين سمسم
وقبله:
ورب أسرابٍ حجيجٍ كظم
عن اللغا ................ الخ.
والحجيج جمع حاج، والكظم جمع كاظم وهو الساكت، وعن اللغا متعلق به، واللغا بفتح اللام كالفتى: السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره،
كاللغوى كسكرى، قاله في القاموس. «ورفث التكلم» كالبيان لما قبله، وفيه الشاهد حيث عطفه على اللغة فدل على أنه من جنسه، أي عن الهذيان وفحش المنطق. والرفث محركة، وكذلك والرفث الفحش في المنطق، أو التصريح بما يكنى عنه من ذكر النكاح، ويطلق الرفث بمعنى النكاح أيضًا، فقوله تعالى:{أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} ، المراد: الجماع وقوله: {فلا رفث} ، قيل: فلا جماع، وقيل: فلا فحش من القول. وقيل: الرفث يكون في الفرج بالجماع، وفي العين بالغمز للجماع، وفي اللسان: الموعدة به، قال معناه في المصباح، قال الأزهري: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وفي القاموس: الرفث محركة، الجماع. والفحش كالرفوث، وكلام النساء أو ما ووجهن به من الفحش، وقد رفث كنصر وفرح وكرم، وأرفث. وإلى هذه المعاني كلها يرجع ما في الدواوين اللغوية والتفسيرية والحديثية. وذكر القاضي عياض في المشارق كالفيومي في المصباح أنه يقال: رفث بالفتح، يرفث بالكسر، كضرب، وأغفله في القاموس كما أغفل أنه يقال في المصدر: الرفث بالفتح، وأن الرفث بالتحريك اسم، ففيه قصور من وجهين. وبما تقرر علم أن في الفعل خمس لغات، وأن له ثلاثة مصادر، والله أعلم. والظاهر أن المراد بالرفث في الرجز المستشهد به: الفحش في المنطق على طريقة العموم، ولذلك أضافه إلى التكلم، فيكون كالهذيان كما أشرنا إليه آنفًا، ويدل على ترك غيره بالأولوية.
وقوله: وكذلك اللغو، كأنه مبتدأ وخبر، أي: اللغو كائن كاللغا في معناه
وكون مدلوله رفث التكلم، وفسره الجوهري بالباطل، فقال في الصحاح: لغا يلغو لغوًا، أي: قال باطلًا، ولغى بالكسر، يلغى لغًا، مثله، ثم أنشد الرجز الذي أنشده ابن جني. فكل من اللغو واللغا وارد على القياس الصرفي، وبه تعلم أن اللغا كالفتى غير اللغى بالضم مقصورًا، فإنه لغة في اللغة كما قاله المجد وغيره. وقد يكون جمع لغة كالظبا، جمع ظبة كثبة، والله أعلم.
ثم كون اللغة بمعنى الأصوات المعبر بها عن الأغراض، مأخوذًا من اللغو واللغا بمعنى الباطل والرفث - لا يخلو من مجاز، والمراد أن هذا معناه بالنسبة إلى أصل الوضع والاشتقاق، كما هو مختار ابن جنى في الخصائص في رده المادة وأن تعددت معانيها وتصاريفها إلى معنى واحد في الأصل، ثم يتفرع عنها فروع استعمالية، فلا تنافي بين إطلاق اللغة على فحش المنطق في الأصل، ثم صار يطلق على ما هو أعم من ذلك، لأن الفحش يتأثر به سامعه كما يتأثر بالكلام، وقد قالوا: إن الكلام مشتق من الكلام بالفتح، الذي هو الجرح لتأثيره في النفوس كما يؤثر الجرح، حتى قال الشاعر:
جراحات السنانِ لها التئام
…
ولا يلتامُ ما جرح اللسانُ
وقال الآخر:
فداو بلينٍ ما جرحت بغلظةٍ
…
فطب كلام المرء طيب كلامه
وهو كثير في الكلام، وإن صرح المحقق الرضي في شرح الكافية بأنه اشتقاق بعيد.
وقد رد ابن جني في الخصائص معنى مادة «كـ لـ م» من حيث الاشتقاق إلى شيء واحد وهو التأثير، واستنبط أن جميع ما يتصرف من «كلم» من المواد
الستة بتقديم بعض الحروف على بعض يرجع إلى شيء واحد، فكأنه لمح هذا المعنى هنا، ورأى أن اللغة تشتق من اللغو لكونهما بمعنى الباطل وفحش المنطق، ولا شك أن النفوس تتأثر للباطل والفحش وتنفعل لذلك أشد التأثر، والله أعلم. على أن إمام الحرمين في البرهان صدر بقوله: اللغة من لغى يلغى، إذا لهج بالكلام. قلت: لغي فيه بالكسر. ومضارعه بالفتح على القياس، كرضي، ومناسبته في غاية الظهور، إلا أن الذي في غالب الدواوين اللغوية: لغى بالأمر، لهج به سواء كان كلامًا أو غيره، مثل ما يقولون: لهج بالأمر كفرح، إذا أولع به وأغري باستعماله، وكأن الإمام قصره على الكلام أخذًا من معنى اللهجة الذي هو اللسان، والله أعلم. ثم قال في البرهان: وقيل، من لغى يلغى، فكأنه يريد - والله أعلم - ما قاله ابن جني كغيره. وإن مال لما صدر به في البرهان جماعات. وحديث الجمعة الذي أشار إليه ابن جني خرجه الإمام مالك في الموطأ، والشيخان وغيرهم، بروايات مختلفة الألفاظ ليس هذا محل بسطها. وتفسيره «لغى» بـ «تكلم» عليه جمهور شراح الموطأ والصحيحين وغيرهم من أئمة الحديث واللغة، وهو المناسب لما جاء به من الاستدلال، وفسر بغير ذلك. قال القاضي عياض في المشارق: فقد لغى، أي: تكلم، وقيل: لغى عن الصواب، أي: مال، وقيل: صارت جمعته ظهرًا، وقد خاب من الأجر، ومثلها في نهاية ابن الأثير وغيرها.
وقد أطلنا القول في هذه الفائدة بالنسبة لهذا المختصر، وإن كانت