الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يَمِينٍ (ابْنُ الْحَاجِبِ) . وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُمَيِّزِ مِنْ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً، وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، (وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) : هِيَ السُّنَّةُ وَمَا، أَدْرَكْت الْقُضَاةَ إلَّا وَهُمْ يَحْكُمُونَ بِهَا بِخِلَافِ النِّسَاءِ فِي الْمَآتِمِ وَالْأَعْرَاسِ عَلَى الْأَصَحِّ.
(التَّوْضِيحُ) أَيْ فَلَا تُقْبَلُ، وَالْأَصَحُّ لِمَالِكٍ وَمُقَابِلُهُ فِي الْجَلَّابِ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَأُلْحِقَ بِالْأَعْرَاسِ الْحَمَّامُ، وَالْفَرْقُ عَلَى الْمَشْهُورِ أَنَّ شَهَادَةَ الصِّبْيَانِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَيْهَا اهـ، وَلِقَبُولِ شَهَادَتِهِمْ شُرُوطٌ أَوَّلُهَا: التَّمْيِيزُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِنْهُمْ. الثَّانِي: الذُّكُورَةُ فَلَا يُقْبَلُ الْإِنَاثُ مِنْهُمْ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ الَّذِي اعْتَمَدَ النَّاظِمُ. الثَّالِثُ: الِاتِّفَاقُ عَلَى الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِيهَا شَاهِدٌ بِدَاخِلَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ فِي تَحْصِيلِهَا. الرَّابِعُ: عَدَمُ افْتِرَاقِهِمْ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَعْلِيمِهِمْ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا لَمْ تُقْبَلْ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ. الْخَامِسُ: أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْنَهُمْ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ، خَوْفَ تَبْدِيلِهِ لَهُمْ مَا كَانُوا عَمِلُوهُ، وَقَدْ اقْتَصَرَ النَّاظِمُ عَلَى هَذِهِ الشُّرُوطِ الْخَمْسَةِ، وَزَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي الشُّرُوطِ سَادِسًا وَهُوَ: أَنْ يَكُونُوا أَحْرَارًا فَلَا، يُقْبَلُ الْعَبِيدُ (أَشْهَبُ) ، وَلَا مَنْ فِيهِ بَقِيَّةُ رِقٍّ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَجُزْ شَهَادَةُ كِبَارِهِمْ فَأَحْرَى صِغَارُهُمْ.
وَسَابِعًا وَهُوَ أَنْ يَكُونُوا مَحْكُومًا بِإِسْلَامِهِمْ (قَالَ فِي الْبَيَانِ) وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. ثَامِنًا وَهُوَ: أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ اثْنَانِ فَصَاعِدًا قِيَاسًا عَلَى الْكِبَارِ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَاحِدِ عِنْدَ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَلَا تَكُونُ مَعَهُ قَسَامَةٌ وَلَا يَحْلِفُ فِي الْجِرَاحِ. وَتَاسِعًا وَهُوَ: مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ الشَّاهِدُ قَرِيبًا لِلْمَشْهُودِ لَهُ وَلَا عَدُوٌّ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ (التَّوْضِيحُ) . وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْ بِأَنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ؛ لِأَنَّا عَلِمْنَا بِالْعَادَةِ مِنْ حَالِ الْأَطْفَالِ الْمَيْلَ إلَى الْقَرِيبِ، وَالْبُغْضَ لِلْعَدُوِّ. وَعَاشِرًا وَهُوَ: أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لِصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ وَلَا بِالْعَكْسِ، خِلَافًا لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَيُفْهَمُ هَذَا الشَّرْطُ مِنْ قَوْلِ النَّاظِمِ بَيْنَهُمْ. قَوْلُهُ وَبِشَهَادَةٍ يَتَعَلَّقُ بِاكْتُفِيَ، وَمِنْ الصِّبْيَانِ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، صِفَةٌ لِشَهَادَةٍ، وَفِي جُرْحٍ يَتَعَلَّقُ بِشَهَادَةٍ، وَبَيْنَهُمْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، صِفَةٌ لِجُرْحٍ وَقَتْلٍ (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ، وَلَا تَجْرِيحُهُمْ (التَّوْضِيحُ) يَعْنِي لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُمْ عَمَّا شَهِدُوا بِهِ، وَلَوْ كَانَ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا شَهِدُوا بِهِ أَوَّلًا هُوَ الْحَقُّ الْوَاقِعُ، وَأَمَّا الثَّانِي فَمِنْ التَّعْلِيمِ، وَأَمَّا تَجْرِيحُهُمْ فَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّهُ لَا يُنْظَرُ إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَأْسَ أَوْصَافِ الْعَدَالَةِ عَدَمٌ مِنْهُمْ وَهُوَ الْبُلُوغُ، اهـ وَإِلَى الْمَسْأَلَةِ بِرُمَّتِهَا أَشَارَ الشَّيْخُ خَلِيلٌ بِقَوْلِهِ: إلَّا الصِّبْيَانَ لَا نِسَاءً فِي كَعُرْسٍ فِي جُرْحٍ، أَوْ قَتْلٍ، وَالشَّاهِدُ حُرٌّ مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ تَعَدَّدَ لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلَا قَرِيبٍ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ وَفُرْقَةَ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ قَبْلَهَا وَلَمْ يُحْضِرْ كَبِيرًا وَيَشْهَدُ عَلَيْهِ أَوَّلُهُ وَلَا يُقْدَحُ رُجُوعُهُمْ وَلَا تَجْرِيحُهُمْ
[فَصْلٌ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ]
(فَصْلٌ)
ثَانِيَةٌ تُوجِبُ حَقًّا مَعَ قَسَمْ
…
فِي الْمَالِ أَوْ مَا آلَ لِلْمَالِ تُؤَمْ
شَهَادَةُ الْعَدْلِ لِمَنْ أَقَامَهْ
…
وَامْرَأَتَانِ قَامَتَا مَقَامَهْ
هَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ الْخَمْسَةِ، وَهِيَ الشَّهَادَةُ الَّتِي تُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ، وَتَحْتَ هَذَا الْقِسْمِ أَرْبَعُ أَنْوَاعٍ الْأَوَّلُ: شَهَادَةُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ. وَالثَّانِي: شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ إذَا عُدِّلَتَا، وَعَلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ نَبَّهَ بِقَوْلِ شَهَادَةِ الْعَدْلِ الْبَيْتَ.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي قَوْلِهِ:
وَهَا هُنَا عَنْ شَاهِدٍ قَدْ يُغْنِي
الْأَبْيَاتَ الثَّلَاثَةَ وَالرَّابِعُ: فِي قَوْلِهِ وَغَالِبُ الظَّنِّ الْبَيْتَ فَإِذَا شَهِدَ عَدْلٌ وَاحِدٌ فِي الْمَالِ، أَوْ فِي غَيْرِ الْمَالِ، وَلَكِنَّهُ يَئُولُ إلَى الْمَالِ، وَحَلَفَ الطَّالِبُ مَعَ الْعَدْلِ فَإِنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ أَمْثِلَةُ ذَلِكَ فِي التَّنْبِيهِ الثَّالِثِ، إلَّا أَنَّ الْكَلَامَ ثَمَّةَ أَنْسَبُ لِكَوْنِهِ ثَبَتَ بِالْعَدْلَيْنِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، وَهُنَا لِكَوْنِهَا ثَبَتَتْ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ مَعَ الْيَمِينِ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْعَدْلِ وَهُوَ امْرَأَتَانِ مَعَ الْيَمِينِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ إذَا شَهِدَتْ
امْرَأَتَانِ، أَوْ عَدْلٌ بِمَا ذُكِرَ وَحَلَفَ الطَّالِبُ فَإِنَّ الْحَقَّ يَثْبُتُ أَيْضًا (قَالَ الشَّارِحُ) : وَالْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي خَارِجِ الْمَذْهَبِ خِلَافٌ وَلَا دَاعِيَ لِنَقْلِهِ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي الْأَمْوَالِ دُونَ الْعِتْقِ، وَالنِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ، وَالْحُدُودِ، وَالْعَقْلِ (وَفِي الْمُقَرِّبِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ شَهِدَتْ امْرَأَتَانِ أَنَّ الْمَيِّتَ أَوْصَى لِهَذَا الرَّجُلِ بِكَذَا حَلَفَ مَعَ شَهَادَتِهِمَا، وَاسْتَحَقَّ الْوَصِيَّةَ إنْ لَمْ يَشْهَدْ مَعَهُمَا رَجُلٌ، وَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ، وَمِائَةِ امْرَأَةٍ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَفِيهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ شَهِدَتَا لِعَبْدٍ، أَوْ امْرَأَةٍ بِمَالٍ لَهُمَا عَلَى رَجُلٍ حَلَفَ مَعَ شَهَادَتِهِمَا، وَإِنْ شَهِدَتَا لِصَبِيٍّ لَمْ يَحْلِفْ حَتَّى يَكْبُرَ (وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ) : إنَّ الْيَمِينَ مَعَ الشَّاهِدِ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ كَشَاهِدَيْنِ.
(وَفِي الْمُوَطَّأِ) قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ، وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ تَكَفَّلَ لَهُ بِمَا عَلَى فُلَانٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ، وَاسْتَحَقَّ الْكَفَالَةَ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْمَالِ إنَّمَا هِيَ مَالٌ مِثْلُ: الْجُرْحِ الَّذِي لَا قِصَاصَ فِيهِ إنَّمَا هُوَ مَالٌ. (فَرْعٌ) وَيَتَحَاصَصُ مَنْ قُضِيَ لَهُ فِي دَيْنِهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، مَعَ مَنْ قُضِيَ لَهُ بِشَاهِدَيْنِ (فَرْعٌ) مَنْ لَهُ حَقَّانِ فِي كِتَابَيْنِ قَامَ لَهُ بِكُلِّ حَقٍّ شَاهِدٌ، فَلَيْسَ نُكُولُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا يُسْقِطُ حَقَّهُ فِي الْآخَرِ. (فَرْعٌ) فِي سَمَاعِ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ قَدْ قَضَى لَهُ، فَلَا يَحْلِفُ مَعَ شَاهِدٍ، وَلَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ إلَّا الشَّاهِدَانِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَجْهِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ. اهـ وَلَعَلَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ مُسْتَنَدَ حُكْمِ الْقَاضِي
هُوَ شَهَادَةُ الشُّهُودِ، فَالشَّهَادَةُ عَلَى الْحُكْمِ شَهَادَةٌ عَلَى مُسْتَنِدِهِ. (تَنْبِيهٌ) قَالَ الشَّارِحُ: نَقَصَ النَّاظِمُ مِمَّا عَدَّهُ الْجَزِيرِيُّ وَالْمُتَيْطِيُّ تَحْتَ هَذَا الْقِسْمِ شَهَادَةَ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي إجَابَةِ الْقَسَامَةِ مِمَّا فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الدِّمَاءِ، فَأَغْنَاهُ ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ هُنَا قَصْدًا لِلِاخْتِصَارِ. اهـ.
يَعْنِي ذَكَرَهُ فِي قَوْلِهِ
وَمَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ أَشْهَبُ
…
قَسَامَةٌ بِغَيْرِ عَدْلٍ يُوجِبُ
وَفِي هَذَا الْجَوَابِ مَا لَا يَخْفَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي هَذَا الْمَحِلِّ جَمْعُ النَّظَائِرِ، وَهِيَ أَوْجَهُ لِلشَّهَادَةِ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا الْحَقُّ مَعَ الْيَمِينِ، فَعَدَمُ ذِكْرِ بَعْضِهَا فِي هَذَا الْمَحَلِّ وَإِنْ ذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُفِيتُ الْمَقْصُودَ الْمَذْكُورَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَجَابَ بِكَوْنِهِ عَلَى غَيْرِ الْمَشْهُورِ لَكَانَ أَقْرَبَ عَلَى أَنَّ جَمْعَ النَّظَائِرِ لَا يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَهَا هُنَا عَنْ شَاهِدٍ قَدْ يُغْنِي
…
إرْخَاءُ سِتْرٍ وَاحْتِيَازُ رَهْنِ
وَالْيَدُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى أَوَانْ
…
تَكَافَأَتْ بَيِّنَتَانِ فَاسْتَبِنْ
وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَأْبَى الْقَسَمَا
…
وَفِي سِوَى ذَلِكَ خُلْفٌ عُلِمَا
وَلَا يَمِينَ مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعِي
…
بَعْدُ وَيُقْضَى بِسُقُوطِ مَا اُدُّعِيَ
هَذَا هُوَ النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ الْأَنْوَاعِ الْأَرْبَعَةِ الْمُنْدَرِجَةِ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ الْحَقَّ مَعَ الْيَمِينِ، وَهُوَ الشَّاهِدُ الْعُرْفِيُّ، وَمُثِّلَ لَهُ بِأَمْثِلَةٍ خَمْسَةٍ: الْأَوَّلُ: إرْخَاءُ السِّتْرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ إذَا خَلَا الزَّوْجُ بِزَوْجَتِهِ خَلْوَةَ اهْتِدَاءٍ أَيْ خُلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَادَّعَتْ الْمَسِيسَ وَأَنْكَرَهُ، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهَا وَلَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا، (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) .
وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجَتِهِ هُوَ مُرَادُ عُلَمَائِنَا بِإِرْخَاءِ السُّتُورِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إرْخَاءَ سِتْرٍ وَلَا إغْلَاقَ بَابٍ، قَالَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ، ثُمَّ قَالَ فِي تَوْجِيهِ كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَ الْمَرْأَةِ: لِأَنَّ الْحَامِلَ عَلَى الْوَطْءِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا خَلَا بِامْرَأَتِهِ أَوَّلَ خَلْوَةٍ، مَعَ الْحِرْصِ عَلَيْهَا وَالتَّشَوُّفِ إلَيْهَا قَلَّ مَا يُفَارِقُهَا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهَا. اهـ.
فَإِرْخَاءُ السِّتْرِ قَائِمٌ لِلزَّوْجَةِ فِي دَعْوَى الْمَسِيسِ مَقَامَ الشَّاهِدِ، فَتَحْلِفُ مَعَهُ وَتَسْتَحِقُّ الصَّدَاقَ كَامِلًا، وَلَا فَرْقَ عَلَى الْمَشْهُورِ فِي كَوْنِ الْقَوْلِ قَوْلَهَا بَيْنَ أَنْ يَقُومَ بِهَا مَانِعٌ شَرْعِيٌّ كَأَنْ تَكُونَ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ، أَوْ عُمْرَةٍ، أَوْ تَكُونَ حَائِضًا أَوْ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَوْ لَا، (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : وَرَأَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تُصَدَّقُ مَعَ الْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ إلَّا عَلَى مَنْ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الصَّالِحُ فَلَا (فَرْعٌ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَكَذَلِكَ الْمَغْصُوبَةُ تَحْمِلُ بِبَيِّنَةٍ وَتَدَّعِي الْوَطْءَ، لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا. (قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) : لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلًا بِيَمِينٍ قَالَهُ فِي الْوَاضِحَةِ وَعَنْ مَالِكٍ فِي الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِرَجُلٍ وَهِيَ تَرَى أَنَّ لَهَا الصَّدَاقَ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَاسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ، وَاخْتَارَ ابْنُ يُونُسَ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الصَّدَاقُ وَلَمْ يَثْبُتْ الْحَدُّ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ لِإِثْبَاتِ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِ إثْبَاتِ الزِّنَا، وَيَكْفِي فِي الْبَيِّنَةِ الَّتِي تَشْهَدُ بِاحْتِمَالِ الْمَغْصُوبَةِ اثْنَانِ. اهـ.
(الْمِثَالُ الثَّانِي) مِنْ أَمْثَالِ الشَّاهِدِ الْعُرْفِيِّ حَوْزُ الْمُرْتَهِنِ لِلرَّهْنِ فَإِنَّهُ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ، فَيَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ وَيَكُونُ لَهُ مَا قَالَ (قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ) : قَالَ مَالِكٌ وَإِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ فِي مَبْلَغِ الدَّيْنِ فَالرَّهْنُ كَشَاهِدٍ لِلْمُرْتَهِنِ إذَا حَازَهُ وَثِيقَةً، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحُكْمِ وَالتَّدَاعِي لَا يَوْمَ التَّرَاهُنِ مِثْلَ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ فَأَكْثَرَ صُدِّقَ الْمُرْتَهِنُ مَعَ يَمِينِهِ (، قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ) وَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ يُسَاوِي مَا قَالَ الرَّاهِنُ فَأَقَلَّ لَمْ يَحْلِفْ، إلَّا الرَّاهِنُ وَحْدَهُ. اهـ (الْمِثَالُ الثَّالِثُ) لِلشَّاهِدِ الْعُرْفِيِّ الْيَدُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى أَيْ: الْحَوْزُ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لَهُ أَوْ، الْحَوْزُ مَعَ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ كَمَنْ كَانَ حَائِزَ الدَّارِ مَثَلًا، يَتَصَرَّفُ فِيهَا تَصَرُّفَ الْمَالِكِ فِي مِلْكِهِ، فَقَامَ عَلَيْهِ مَنْ ادَّعَى مِلْكِيَّتَهَا وَلَا
بَيِّنَةَ لِهَذَا الْقَائِمِ، أَوْ أَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً فَتَسَاقَطَتْ الْبَيِّنَتَانِ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ وَتَصِيرَانِ كَالْعَدَمِ، وَيَزِيدُ الْحَائِزُ بِحَوْزِهِ فَيَصِيرُ الْحَوْزُ لَهُ كَالشَّاهِدِ، فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيُسْتَحَقُّ (ابْنُ الْحَاجِبِ) وَالْيَدُ مُرَجَّحَةٌ عِنْدَ التَّسَاوِي مَعَ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ، (التَّوْضِيحُ) يَعْنِي إذَا تَعَارَضَتْ الْبَيِّنَتَانِ وَتَسَاوَتَا فَإِنَّهُمَا يَسْقُطَانِ وَيَبْقَى الشَّيْءُ بِيَدِ حَائِزِهِ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ،. اهـ.
(وَفِي الشَّارِحِ) قَالَ ابْنُ يُونُسَ: وَإِذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ سَقَطَتَا، وَيَبْقَى الشَّيْءُ بِيَدِ حَائِزٍ، وَيَحْلِفُ وَإِنَّمَا يَحْلِفُ؛ لِأَنَّ الْبَيِّنَتَيْنِ لَمَّا سَقَطَتَا كَأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا، وَبَقِيَتْ الدَّعْوَى، فَوَجَبَ عَلَى الْمُنْكِرِ الْيَمِينُ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ هُوَ إلَى هَذَا الْمِثَالِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالْيَدُ مَعَ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى الْبَيْتَ فَلَفْظُ الْبَيْتِ وَإِنْ شَمِلَ صُورَتَيْنِ فَهُمَا فِي الْمَعْنَى صُورَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَكَافَأَتْ بَيِّنَةُ الْقَائِمِ وَالْحَائِزِ يَتَسَاقَطَانِ، وَيَصِيرَانِ كَالْعَدَمِ فَتُؤَوَّلُ ثَانِيَةُ الصُّورَتَيْنِ إلَى أُولَاهَا فَقَوْلُهُ: أَوَ أَنْ تَكَافَأَتْ أَنْ الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْهَا وَمِنْ مَدْخُولِهَا مَعْطُوفٌ عَلَى مُجَرَّدِ أَيْ مُجَرَّدِ الدَّعْوَى، أَوْ مَعَ تَكَافُؤِ الْبَيِّنَتَيْنِ، وَيُقْرَأُ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ إلَى الْوَاوِ قَبْلَهَا، فَتَكُونُ الْوَاوُ مَفْتُوحَةً. (الْمِثَالُ الرَّابِعُ) إذَا عَجَزَ الْمُدَّعِي عَنْ الْبَيِّنَةِ، وَتَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَامْتَنَعَ مِنْهَا، فَإِنَّ امْتِنَاعَهُ وَنُكُولَهُ كَالشَّاهِدِ، فَيَحْلِفُ مَعَهُ الْمُدَّعِي وَيَسْتَحِقُّ، وَإِلَى هَذَا الْمِثَالِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْبَيْتَ يَعْنِي: وَحَلَفَ الْمُدَّعِي، وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْعَقْدِ. (ابْنُ شَاسٍ) الرُّكْنُ الرَّابِعُ النُّكُولُ، وَلَا يَثْبُتُ الْحَقُّ بِهِ بِمُجَرَّدِهِ وَلَكِنْ تُرَدُّ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعِي إذَا تَمَّ نُكُولُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَحْكُمُ الْقَاضِي بِنُكُولِهِ، فَإِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَحْلِفُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ (ابْنُ الْحَاجِبِ) النُّكُولُ يَجْرِي فِيمَا يَجْرِي فِيهِ الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ، وَنَقَلَ الشَّارِحُ عَنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ: لَا يَجِبُ الْحَقُّ بِنُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَرُدَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعِي فَيَحْلِفُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ. وَبِهِ حَكَمَ أَئِمَّتُهُمْ اهـ.
قَوْلُهُ
وَفِي سِوَى ذَلِكَ خُلْفٌ عُلِمَا
يَعْنِي أَنَّ سِوَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْثِلَةِ الشَّاهِدِ الْعُرْفِيِّ كَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ وَالْوِكَاءِ فِي اللُّقَطَةِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ الْقَمْطُ وَالْعُقُودُ فِي الْحِيطَانِ، وَمَنْ ادَّعَى مَا يُشْبِهُ فِي الْبُيُوعِ وَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ، وَمَا يُعْرَفُ لِلزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ مِنْ مَتَاعِ الْبَيْتِ عِنْدَ تَنَازُعِهِمَا فِيهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَأَنَّ الشَّاهِدَ الْعُرْفِيَّ يُقْضَى بِهِ مَعَ الْيَمِينِ، وَانْظُرْ مُقَابِلَ هَذَا الْقَوْلِ هَلْ هُوَ إلْغَاؤُهُ، وَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، لَمْ أَقِفْ الْآنَ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَاَلَّذِي نَقَلَ أَهْلُ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الشَّاهِدَ الْعُرْفِيَّ قِيلَ هُوَ كَالشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، فَيَحْلِفُ مَعَهُ وَيَسْتَحِقُّ وَهُوَ الَّذِي عِنْدَ النَّاظِمِ هُنَا، وَقِيلَ هُوَ كَشَاهِدَيْنِ فَيَثْبُتُ بِهِ الْحَقُّ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، فَقَوْلُهُ: وَلَا يَمِينَ مَعَ نُكُولِ الْبَيْتَ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، فَإِنَّ الْمُدَّعِي يَحْلِفُ وَيَسْتَحِقُّ، ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَيْتِ حُكْمَ مَا إذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي عَنْ الْيَمِينِ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ سُقُوطُ الدَّعْوَى فَقَوْلُهُ: وَلَا يَمِينَ أَيْ: لَا يَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
مَعَ نُكُولِ الْمُدَّعِي الْكَائِنِ بَعْدَ نُكُولِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، بَلْ يُقْضَى بِسُقُوطِ الدَّعْوَى.
وَغَالِبُ الظَّنِّ بِهِ الشَّهَادَهْ
…
بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ قَطْعُ عَادَهْ
هَذَا هُوَ النَّوْعُ الرَّابِعُ مِمَّا انْدَرَجَ تَحْتَ الْقِسْمِ الثَّانِي، مِنْ أَقْسَامِ الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَا يُوجِبُ الْحَقَّ لَكِنْ مَعَ الْيَمِينِ، وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ مُسْتَنَدُ الشَّاهِدِ فِي شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ الظَّنُّ فِي الْمَحَلِّ الَّذِي لَا يَصِحُّ الْقَطْعُ فِيهِ عَادَةً، أَوْ يَعْسُرُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخَالِطِ الْمُطَّلِعِ عَلَى بَاطِنِ حَالِ الْمَشْهُودِ فِيهِ وَذَلِكَ كَالشَّهَادَةِ بِالْفَقْرِ لِمَنْ طُولِبَ بِدَيْنٍ مَعَ إمْكَانِ أَنَّ لَهُ مَالًا أَخْفَاهُ، إذَا رُئِيَتْ عَلَيْهِ مَخَايِلُ الْفَقْرِ: كَالصَّبْرِ عَلَى الْجُوعِ، وَالْبَرْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ، وَكَالشَّهَادَةِ بِاسْتِمْرَارِ مِلْكِ مَنْ لَهُ مِلْكٌ ادَّعَى عَلَيْهِ تَفْوِيتَهُ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، مَعَ إمْكَانِ أَنْ يَكُونَ فَوْتُهُ خُفْيَةً، وَهُوَ مَا زَالَ تَحْتَ يَدَيْهِ كَمَا كَانَ، وَكَالشَّهَادَةِ بِضَرَرِ الزَّوْجِ بِزَوْجَتِهِ، إذَا ظَهَرَتْ مَخَايِلُ مِنْ تَكَرُّرِ شَكَوَاهَا بِهِ لِلْأَقَارِبِ وَالْجِيرَانِ، مَعَ إمْكَانِ كَذِبِهَا، وَأَنَّهَا تُرِيدُ فِرَاقَهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْبِهُ، فَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنْ يَشْهَدَ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَيَحْلِفُ صَاحِبُ الْحَقِّ وَيَثْبُتُ لَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَاعِدَةَ فِي الشَّرِيعَةِ مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً يَثْبُتُ بِهَا الشَّيْءُ الْمُتَنَازَعُ حُكِمَ لَهُ فِيهِ بِهَا مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ، لَكِنَّ ذَلِكَ فِيمَا تَشْهَدُ فِيهِ الْبَيِّنَةُ بِالْقَطْعِ، أَمَّا مَا شَهِدَتْ فِيهِ بِظَاهِرِ الْحَالِ مُعْتَمِدَةً عَلَى الظَّنِّ لِتَعَذُّرِ الْقَطْعِ بِذَلِكَ، أَوْ عُسْرِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ يَمِينِ الطَّالِبِ، اسْتِظْهَارًا عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ.
(قَالَ فِي التَّوْضِيحِ) فِي شَرْحِ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي التَّفْلِيسِ فَإِنْ شَهِدَ بِإِعْسَارِهِ حَلَفَ، وَانْظُرْ مَا نَصُّهُ هَذِهِ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَحْلِفُ فِيهَا الْمُدَّعِي مَعَ بَيِّنَتِهِ، كَدَعْوَى الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا الْغَائِبِ النَّفَقَةَ، وَالْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ، وَضَابِطُهُ كُلُّ بَيِّنَةٍ شَهِدَتْ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ، فَيُسْتَظْهَرُ بِيَمِينِ الطَّالِبِ عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ. اهـ (وَقَالَ الشَّارِحُ) : وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي الشَّهَادَةِ بِالزَّوْجِيَّةِ، إذَا رَأَى إنْسَانًا يَحُوزُ امْرَأَةً، وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهَا اشْتِمَالَ الْأَزْوَاجِ فَيَشْهَدُ بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ حِينَ التَّزْوِيجِ قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا نَوْعٌ آخَرُ كَأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ شَهَادَةِ السَّمَاعِ وَإِنَّمَا يُتَطَلَّبُ فِيهِ الظَّنُّ الْمُزَاحِمُ لِلْعِلْمِ، وَالْقَطْعُ الْيَقِينِيُّ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ، كَمَا تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِالْفَقْرِ لِلْفَقِيرِ، فَإِنَّ الشُّهُودَ بِفَقْرِ مَنْ طُولِبَ بِدَيْنٍ لَا يَقْطَعُونَ بِصِحَّةِ مَا شَهِدُوا بِهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ أَخْفَاهُ لَا يَعْلَمُ بِهِ إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، لَكِنْ إذَا بَدَتْ قَرَائِنُ الْفَقْرِ، وَالْإِعْسَارِ، وَالصَّبْرِ عَلَى ضَرَرِ الْجُوعِ فِي الشَّيْءِ الَّذِي لَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ إلَّا الْفُقَرَاءُ هَذَا يُدْرِكُهُ الْمُخَالِطُ لِلْإِنْسَانِ الْمُطَّلِعُ عَلَى بَاطِنِ حَالِهِ، فَالتَّعْدِيلُ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى قَرَائِنِ الْأَحْوَالِ.
(قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ) الْأَصْلُ فِي الشَّهَادَةِ أَنْ لَا تَكُونَ إلَّا عَنْ قَطْعٍ لَا تَرَدُّدَ فِيهِ لَكِنْ